ساعة واحدة
الأمومة بعيداً عن التقديس.. ماذا يعني أن تكوني أماً في سوريا؟
الثلاثاء، 31 مارس 2026
في كل عام، تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي في عيد الأم بصور الورود وكلمات الامتنان، وتفيض التعليقات بعبارات الحب والاعتراف بالتضحية. صورة مثالية تتكرر، وتبدو وكأنها تحكي قصة واحدة فقط عن الأمومة.
لكن خارج هذه المساحة اللامعة، تعيش كثير من الأمهات في سوريا واقعاً مختلفاً تماماً.. أمومة أقل مثالية، وأكثر ثقلاً مما يظهر في المنشورات.
في البيوت، وفي المحاكم، وفي الدوائر الرسمية، لا تبدو الأمومة مجرد عاطفة أو دور اجتماعي مُمجَّد، بل مسؤولية يومية مرهقة، يتداخل فيها القلق مع التربية، والضغط الاقتصادي مع التعب النفسي، وأحياناً مع قانون لا يضع الأم دائماً في موقع الحماية، حتى وهي تتحمل العبء الأكبر داخل الأسرة.
من هنا، لا يبدو عيد الأم مجرد مناسبة للاحتفاء، بل لحظة مناسبة لطرح سؤال أكثر واقعية: ماذا يعني أن تكوني أماً في سوريا اليوم، حين يُطلب منك أن تكوني كل شيء، في حين لا يضمن لك الواقع ولا القانون ما يكفي من الإنصاف؟
الأم.. يوم يتيم للامتنان وعمر قاس
في الجانب الاجتماعي، لا يبدو الاحتفاء بعيد الأم كافياً ليعكس حجم ما تعيشه النساء يومياً.
علا، وهي أم لطفلتين، تقول لموقع تلفزيون سوريا: "أفرح بكتاباتهن على مواقع التواصل الاجتماعي، وفرحت أيضاً بالتحضيرات والاحتفال، لكنه يبقى يوماً يتيماً في السنة، وسينسون بعده كل ما تذكروه اليوم".
وتضيف: "حتى عشية عيد الأم، بعد انتهاء الاحتفال، كان عليّ تنظيف وترتيب وإعادة كل شيء إلى مكانه".
تعكس هذه التجربة فجوة واضحة بين لحظة احتفاء عابرة، وواقع يومي تعود فيه الأم سريعاً إلى مسؤولياتها الثقيلة، من دون أن يتغير كثير في تفاصيل حياتها.
بين نصوص القانون وطريقة تطبيقها
في الجانب القانوني، لا يبدو النقاش محسوما، حيث يشرح المحامي أسعد معري لموقع تلفزيون سوريا أن هناك مواد في قانون الأحوال الشخصية السوري تضع النساء، وخصوصاً الأمهات، في موقع هش قانونياً.
المحامي أسعد معري يوضح أن وضع الأرامل في القانون يطرح إشكاليات حقيقية، مشيراً إلى أن المرأة التي يتوفى زوجها لا تحصل على نفقة خلال فترة العدة إذا لم تكن حاملاً، وهو ما قد يتركها من دون أي مورد مالي، رغم أنها تكون في كثير من الأحيان مسؤولة عن إدارة شؤون الأسرة.
ويضيف أن حقها في البقاء في منزل الزوجية يقتصر على مدة العدة فقط، ما يعني أنها قد تضطر إلى مغادرة المنزل بعد انتهائها إذا طالب الورثة بذلك، في ظل غياب ضمانة قانونية واضحة تتيح لها الاستمرار في السكن.
أما في ما يخص الحضانة، فيرى أن المادة 128 قد تؤدي في بعض الحالات إلى انتزاع الطفل من أمه بسبب اختلاف الدين بينها وبين الأب، "من دون مراعاة كافية لحاجة الطفل إلى أمه أو لاعتبارات مصلحته الفعلية".
ومن خلال متابعته للمحاكم، يشير معري أيضاً إلى أن غياب رقابة كافية على بعض القرارات الحساسة، مثل الإذن بزواج القاصر أو تقدير نسب الإساءة بين الزوجين، "يفتح الباب أمام تقديرات قد تميل في كثير من الحالات على حساب النساء". كما يلفت إلى أن النفقة التي تُقدّر قضائياً تكون أحياناً "بعيدة عن الواقع المعيشي".
هكذا، لا يكون القانون دائماً سنداً بل قد يتحول في بعض الحالات إلى جزء من التعقيد الذي تعيشه الأمهات.
قراءة مختلفة لنصوص القانون في سوريا
في المقابل، يقدّم المحامي زاهر كعدي مقاربة مختلفة، حيث يقول لموقع تلفزيون سوريا إنه لا يمكن الجزم بوجود مواد مجحفة بحق المرأة في قانون الأحوال الشخصية بصورة عامة، معتبراً أن القانون "تناول الرجل والمرأة معاً، وحدد واجبات كل منهما بما يراعي طبيعة العلاقة الأسرية".
لكنه يقر في الوقت نفسه بوجود صعوبات فعلية تواجه الأمهات، خصوصاً المطلقات والأرامل، في مسائل مثل الوصاية على القاصر وإدارة أمواله، والحصول على الإذن الشرعي للتصرف بما يخصه.
ويرى أن هذه الإجراءات قد تبدو معقدة، لكنها وُضعت "لحماية القاصر، لأن القرارات المتخذة في هذا الإطار تمس مستقبله مباشرة".
كما يشير إلى أن القانون منح الأم موقعاً متقدماً في الحضانة، وأقر لها حقوقاً مالية مهمة، مثل اعتبار مهرها "ديناً ممتازاً".
حين يصبح القانون عائقا
ومع ذلك، لا ينفي المحامي زاهر كعدي وجود مواد تحتاج إلى إعادة نظر، ولا سيما تلك المتعلقة بالحضانة. ويستشهد بحالة سميرة (اسم وهمي)، وهي أم أنفقت سنوات طويلة على تربية طفليها بعد "استشهاد" والدهما في المعتقل. تحملت خلال هذه السنوات كامل المسؤولية، وأنفقت آلاف الدولارات على تربيتهما وتعليمهما، إذ أقامت معهما في لبنان مدة ثلاثة عشر عاماً، من دون أي دعم أو تواصل من أهل الأب المتوفى.
وبعد عودتها لزيارة البلاد، فوجئت بصعوبة مغادرتها مجدداً مع طفليها، بحجة ضرورة الحصول على إذن سفر من أهل الأب المتوفى.
ويرى كعدي أن هذا الواقع في غاية القسوة، إذ يضع الأم في موقف تُعامَل فيه وكأنها تحاول "خطف" أبنائها، رغم أنها من تحملت وحدها مسؤولية تربيتهم ورعايتهم لسنوات طويلة.
ويؤكد أن هذه الحالة تُظهر أن المشكلة لا تكون دائماً في مبدأ النص نفسه، بل "في التمسك الحرفي به من دون النظر إلى روحه والغاية التي وضع من أجلها".
"عجز أمام القوانين"
لكن التحديات لا تقف عند الأحوال الشخصية، حيث تظهر في تفاصيل الحياة اليومية القوانين بشكل أكثر قسوة، كما في قصة هدى، وهي أم سورية متزوجة من رجل يحمل الجنسية العراقية، رغم أن زوجها ووالده مولودان في سوريا.
تقول هدى لموقع تلفزيون سوريا: "أطفالي ووالدهم مولودون هنا، لكنهم لا يحملون الجنسية السورية. أجد نفسي عاجزة أمام القوانين التي تحرمنا من أبسط الحقوق."
هذا الحرمان لا يبقى نظرياً، بل يظهر في تفاصيل صغيرة وكبيرة، تضيف: "حاول والد أطفالي وأطفالي الانضمام إلى أحد منتخبات كرة القدم، وكان الرد أنهم سيُعتبرون هواة ولن يصبحوا من عناصر الفريق الأساسية لأنهم لا يحملون الجنسية السورية."
ولا يتوقف الأمر عند الطفولة، فمع مرور الوقت، يواجه الأبناء قيوداً قانونية إضافية، مثل عدم القدرة على تملك العقارات بشكل كامل، والاكتفاء بحق الانتفاع، وهو حق يسقط بالوفاة.
حين لا يكفي الامتنان
في المحصلة، تبدو الأمومة في سوريا علاوة على كونها تجربة إنسانية عاطفية فهي مسار معقد تتداخل فيه المسؤوليات اليومية مع قيود قانونية قد لا تكون دائماً في صالح الأمهات.
بين نصوص لا تراعي دائماً الظروف، تجد كثير من الأمهات أنفسهن أمام واقع يفرض عليهن أن يتحملن أكثر مما يُعترف به.
وفي وقت تمتلئ فيه صفحات التواصل بكلمات الامتنان في عيد الأم، تبقى الأسئلة الأهم بلا إجابة: ماذا يعني هذا التقدير حين لا ينعكس حماية قانونية كافية؟ وما جدواه حين تواجه الأم، في لحظات مفصلية من حياتها، تعقيدات تمس استقرارها واستقرار أطفالها؟
Loading ads...
بين صورة مثالية تتكرر كل عام وواقع لا يتغير بالوتيرة نفسها، تبقى الفجوة قائمة. وفي هذه الفجوة، لا تحتاج الأمهات إلى مزيد من الكلمات، بل إلى إنصاف حقيقي، يتجاوز يوماً واحداً في السنة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



