5 أيام
بليغ حمدي وأم كلثوم.. من "حب إيه" إلى "ألف ليلة وليلة"
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

قدم بليغ حمدي للسيدة أم كلثوم نخبة من الأغاني ذات الإيقاع الذي يلائم جميع الأجيال- الأهرام
بدأ بليغ حمدي التلحين لأم كلثوم عام 1960، وقدم لها أغنيات جمعت تنوع الإيقاع وحوار الآلات بمساحات التطريب. حلقة تتتبع هذه الشراكة، وتختبر إضافتها من داخل الأعمال نفسها.
ماذا نسمع حين نصغي إلى مقدمة "بعيد عنك" وفواصل "فات الميعاد"؟
في الحلقة 9 من "رجال في فلك الكوكب"، نقترب من الموسيقى التي جمعت بليغ حمدي بأم كلثوم.
كان بليغ حمدي في التاسعة والعشرين عندما غنّت أم كلثوم أول ألحانه لها. أمامه تجربة استقرّت ملامحها عبر عقود، وجمهور يعرف كيف ينتظر الجملة، وكيف يطلب إعادتها. وأمامه أيضًا مساحة لم تكن مغلقة أمام ملحن شاب، مهما بدا الفارق كبيرًا بين بداياته ومكانة الصوت الذي سيغني له.
كانت الأغنية العربية تشهد في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات حضور أصوات وتجارب جديدة. وفي تلك اللحظة، منحت أم كلثوم صاحب "حب إيه" مكانًا بين ملحنيها، لتبدأ شراكة ستترك بعض أشهر أغاني مرحلتها المتأخرة.
في الحلقة 9 من سلسلة "رجال في فلك الكوكب"، نعود إلى بليغ حمدي: ماذا أضاف إلى أغنيتها الطويلة، وكيف اتسعت ألحانه لطريقتها في الغناء؟
ولد بليغ حمدي في القاهرة عام 1931، وتعلّم العزف على العود صغيرًا، قبل أن يتجه إلى دراسة الموسيقى والعمل في الغناء والتلحين.
برز اسمه من خلال ألحانه لعدد من المطربين، وارتبط مبكرًا بمسيرة عبد الحليم حافظ، الذي غنّى له "تخونوه" عام 1957. كان بليغ يشق طريقه في وسط يضم أسماء راسخة، لكنه وصل إلى أم كلثوم بعدما أصبح له حضور يتجاوز وعد الموهبة الجديدة.
لم يكن دخوله إلى عالمها بداية تعلّمه التلحين، لكنه وضع تجربته أمام اختبار مختلف: كتابة أغنية لصوت يملك طريقته الخاصة في بناء الجملة، وإطالتها، والعودة إليها أمام الجمهور.
تعود بداية التعاون بين بليغ حمدي وأم كلثوم إلى نهاية الخمسينيات. كانت المطربة تبحث آنذاك عن أصوات جديدة في التلحين بعد سنوات طويلة من التعاون مع السنباطي.
قدّم بليغ لها لحن أغنية "حب إيه"، التي ظهرت عام 1960، لتكون بداية الشراكة بينهما.
منذ اللحظة الأولى بدا واضحًا أن بليغ يملك لغة موسيقية مختلفة. فقد جمع بين الطرب التقليدي والإيقاع الأكثر حيوية، وهو ما أعطى صوت أم كلثوم طاقة جديدة.
بدأ التعاون بين بليغ حمدي وأم كلثوم بأغنية "حب إيه"، من كلمات عبد الوهاب محمد، التي قدّمتها في حفل 1 ديسمبر 1960
كان بليغ حمدي ينتمي إلى جيل أكثر انفتاحًا على تنويع الإيقاع وألوان الآلات، لكنه كان يدرك طبيعة غناء أم كلثوم، وما يحتاج إليه من مساحات للتطريب والتصرف في اللحن.
ولفهم إضافته، يمكن الاقتراب من الموسيقى نفسها. ففي مقدمة "بعيد عنك"، تتعاقب أدوار القانون والأكورديون والغيتار، وتتغير معها الحركة الإيقاعية. ويرصد تحليل منشور في مجلة "علوم وفنون الموسيقى" مصاحبة القانون بإيقاع الكراتشي، والأكورديون بالمصمودي الصغير، والغيتار بالرومبا. يمنح هذا التعاقب كل آلة حضورًا مميزًا، ويجعل المقدمة سلسلة من التحولات التي تسبق دخول الصوت.
وفي "فات الميعاد"، يجمع بليغ بين مدخل غنائي حر ومسار موزون يقوم على إيقاع الوحدة الكبيرة. ثم يبرز، في الفاصل السابق للمقطع الأول، حوار الساكسفون والغيتار، قبل انتقال الكلام الموسيقي إلى الأكورديون والفرقة، وفق تحليل الموسيقي أسامة عفيفي للعمل.
هنا تبدو فكرة التجديد أكثر تحديدًا: تنويع الحركة داخل الأغنية، وتوسيع الحوار بين الآلات، مع الاحتفاظ بمساحة يستطيع فيها صوت أم كلثوم أن يمد الجملة ويكررها ويغير طريقة أدائها.
ولم تبدأ حداثة موسيقاها مع بليغ؛ فقد سبقتها تجارب محمد القصبجي، ثم اتخذت مسارات أخرى مع ملحنين مختلفين. كانت إضافته فصلًا في هذا المسار، له طريقته في الجمع بين العبارة الغنائية القريبة من السمع والبناء الموسيقي الممتد.
قدّم بليغ حمدي لأم كلثوم مجموعة من الأغنيات التي أصبحت من أبرز أعمالها في الستينيات والسبعينيات. ومن هذه الأعمال:
هذه مختارات من التعاون، وليست قائمته الكاملة. وتشير السنوات إلى تقديم الأغنيات، لا إلى تواريخ تسجيلات بعينها أو إعادة إصدارها على المنصات. وتوثّق قراءة محمود الزيباوي للأرشيف الصحافي تسلسل هذه الأعمال وأسماء شعرائها.
تكشف القائمة أيضًا حضور الكلمة في هذه الشراكة. فاختلاف الشعراء والعبارات والمواقف العاطفية أتاح لبليغ أن يقدم أكثر من وجه لحني، داخل تجربة احتفظت بوحدة الصوت وطريقته في مخاطبة الجمهور.
تدل استمرارية التعاون وتنوع أعماله على مساحة الثقة التي منحتها أم كلثوم لبليغ. لكنها كانت شريكة في إعداد الأغنية واختيار توقيت تقديمها، وليست صوتًا يتسلم لحنًا مكتملًا ثم يؤديه.
وتقدم "الحب كله" مثالًا على ذلك. ففي حديث إلى كمال الملاخ نشرته "الأهرام" في 29 ديسمبر/ كانون الأول 1970، تحدثت أم كلثوم عن الأغنية الجديدة وعن تقديمها في يناير/ كانون الثاني التالي. تساعد هذه الشهادة المعاصرة للعمل على فهم سبب ورود عام 1970 في بعض الإشارات إلى التحضير له، مع اعتماد 1971 سنة لتقديمه إلى جمهور الحفلات
كانت العلاقة، بهذا المعنى، قائمة على قدرة الطرفين على العمل معًا: ملحن يقترح، ومطربة تختبر ما يلائم صوتها وحفلها، ثم تمنح اللحن حياة أخرى في الأداء.
أم كلثوم خلال وجودها في مسرح الأولمبيا بباريس، 14 نوفمبر 1967 - غيتي
يصعب اختزال العلاقة بين أم كلثوم وملحنيها في توزيع ثابت للأدوار: السنباطي للقصيدة، وعبد الوهاب للحداثة، وبليغ للإيقاع. فقد تقاطعت تجاربهم، وتجاورت أعمالهم، وجدد كل منهم بوسائله.
بدأ تعاون بليغ معها عام 1960، قبل "لقاء السحاب" مع عبد الوهاب عام 1964، فيما ظل السنباطي حاضرًا في أعمال كبرى خلال المرحلة نفسها. لم تكن هذه فصولًا يلغي أحدها الآخر، بل خيارات متعددة داخل مشروع المطربة.
ويمكن قراءة إضافة بليغ في مرونة الانتقال بين الغناء الحر والإيقاع، وفي تنوع الفواصل وألوان الآلات. أما تقييم تماسك هذه الأبنية وقيمتها، فيبقى مجالًا للنقد؛ فتحليل أسامة عفيفي لـ"فات الميعاد"، مثلًا، يجمع بين إبراز جمالياتها وملاحظات على اتصال بعض أجزائها.
Loading ads...
ومن خلال هذه الألحان، واصلت أم كلثوم اختبار قدرتها على التجدد بعد عقود طويلة من النجاح. منحها بليغ مقترحات موسيقية جديدة، ومنحتها هي خبرة الأداء التي جعلت اللحن يتسع، في كل حفلة، لما يتجاوز صورته الأولى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





