6 أشهر
حزب الله ومعركة "ردع العدوان": عام على الخروج من سوريا وقطع طريق الإمداد
الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025
بعد مرور عام على معركة "ردع العدوان" التي غيّرت وجه المنطقة وسجّلت سقوط نظام بشار الأسد وصعود الرئيس أحمد الشرع وتحالف الفصائل السورية إلى الحكم، يعود الحديث مجدداً إلى الدور الذي لعبه حزب الله اللبناني في تلك المرحلة المصيرية، وكيف تحوّل من ركيزة النظام في دمشق إلى طرفٍ عاجز عن الدفاع عنه، ثم شاهدٍ على انهياره.
وبين القصير والضاحية الجنوبية، انكشفت نهاية مسارٍ امتد أكثر من عقد ونيف، كان فيه الحزب رأس الحربة في دعم النظام السوري، قبل أن يجد نفسه فجأة أمام حربين متزامنتين: حرب إسرائيلية شرسة على لبنان، ومعركة تحرير سورية أطاحت بحليفه التاريخي.
ما قبل العاصفة: الحزب المنهك والبيئة المشتعلة
في مطلع خريف 2024، لم يكن حزب الله في وضع ميداني مريح.
فقد خرج من معارك قاسية في الشمال السوري والبادية، خسر فيها مئات المقاتلين، بينهم قادة ميدانيون بارزون، ثم جاءت تفجيرات "البيجر" داخل لبنان وسوريا لتضرب مراكزه اللوجستية وتستهدف أرتال عسكرية له في طريق تدمر – القريتين، ما خلّف حالة من الفوضى والإرباك داخل صفوفه، وتلك الضربات لم تكن عادية، إذ مثّلت بداية انهيار منظومة الأمن الداخلي التي كان الحزب يعتمدها في سوريا منذ عام 2013.
المعلومات التي تسربت آنذاك من مصادر قريبة من حزب الله أفادت بأن قيادة الحزب عقدت اجتماعات طارئة لتقييم الخسائر وتحديد إمكانية الاستمرار في خطوط الإمداد السورية، خصوصًا بعد أن تقلّص التمويل الإيراني وتوقفت بعض شحنات السلاح بسبب الضغط الدولي المتصاعد على الأسد وقتها.
القنصلية الإيرانية.. بداية التخوف
الضربة الإسرائيلية التي استهدفت القنصلية الإيرانية في دمشق مطلع نيسان/أبريل 2024 شكّلت لحظة مفصلية في مسار النفوذ الإيراني وحضور حزب الله داخل سوريا. فالقصف الذي أدى إلى مقتل اللواء محمد رضا زاهدي، أحد كبار قادة "فيلق القدس" المكلّف بالملف السوري–اللبناني، ومعه عدد من ضباط التنسيق بين الحزب والحرس الثوري، لم يكن مجرد رسالة عسكرية، بل هزّة استراتيجية أعادت رسم خطوط الانتشار الميداني في دمشق ومحيطها.
منذ ذلك الحدث، بدأ حزب الله إعادة تموضع تدريجية داخل العاصمة السورية، نقل خلالها بعض مراكزه اللوجستية والقيادية إلى مناطق أكثر أمنًا في ريف دمشق وحمص، وأغلق مواقع كانت تُستخدم كمقار للتنسيق الميداني مع المستشارين الإيرانيين.
وقد انعكست تلك التغييرات بوضوح في الأشهر اللاحقة، إذ دخل الحزب مرحلة من الحذر العملياتي والانكفاء الميداني، وتراجع عن نمط الانتشار الواسع الذي اتّبعه منذ عام 2013، ما أثر لاحقًا على جاهزيته خلال خريف 2024، حين بدأت ملامح معركة "ردع العدوان" تتبلور.
مع اتساع نطاق الحرب الإسرائيلية على لبنان في أواخر نوفمبر، قرر الحزب سحب مئات من عناصره من سوريا إلى الداخل اللبناني.
الانسحاب تم على دفعتين: الأولى عبر ممرات البقاع، والثانية عبر طريق القصير – الهرمل، حيث تولّت وحدات خاصة من الحزب تأمين خطوط العودة تحت القصف الإسرائيلي الذي استهدف لاحقاً معابر رئيسية على الحدود.
عمليات النقل تلك كانت سرية إلى حد كبير، لكنها تركت آثارًا واضحة على الجبهات السورية التي خلت فجأة من وحدات الحزب.
وقد انعكس ذلك على سير المعارك في حلب وحماة، حيث انهارت خطوط الدفاع المشتركة بين قوات النظام والميليشيات التابعة لإيران خلال أيام قليلة فقط.
حلب.. الصفعة التي غيّرت الحسابات
جاءت العملية الخاطفة في حلب، حين نفّذت الفصائل السورية هجومًا مباغتًا على مقار الحرس الثوري الإيراني، لتكشف هشاشة الوجود الإيراني في سوريا، وكانت تلك الضربة بمنزلة إنذار مبكر للحزب بأن التحالف الثلاثي لم يعد متماسكاً، وأدى الهجوم إلى مقتل ما بين 11 و15 عنصرًا، بينهم 5 ضباط إيرانيين وعناصر من حزب الله والحشد الشعبي العراقي، بعدها بساعات، نُفّذ هجوم ثانٍ بطائرات انتحارية على موقع قرب جبل عزّان، حيث كان يوجد مركز تخزين وإدارة اتصالات للحرس الثوري. قُتل فيه عدد إضافي من عناصر "فاطميون" و"زينبيون"، ما رفع الحصيلة إلى نحو 20 قتيلًا بحسب ما نشر حينها.
منذ تلك اللحظة، بدأت قيادة الحزب تُعيد النظر في تموضعها داخل سوريا، وتسارعت المداولات بين الحزب وطهران، ثم بين بيروت ودمشق، لبحث كيفية إدارة الانسحاب من الجبهات من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع الفصائل السورية أو إسرائيل.
برودة في العلاقة مع الأسد
في الشهور السابقة للمعركة، كانت علاقة الحزب بنظام الأسد قد وصلت إلى مرحلة جفاء غير معلن، فبشار الأسد حاول التقرب من بعض الدول العربية والغربية في مسعى يائس لفكّ عزلته، في حين شعر الحزب أن دمشق بدأت تتصرف كحليف متعب لا كحليف مخلص، والأسوأ من ذلك، أن الضغوط الدولية والإقليمية على إيران جعلت تدفق الأموال والسلاح عبر سوريا شبه متوقف، ما انعكس مباشرة على قدرات الحزب اللوجستية داخل لبنان.
ووفق ما نشره سابقاً موقع "تلفزيون سوريا" فإن الأمين العام للحزب حسن نصر الله قبيل اغتياله، قد عبّر في أكثر من اجتماع داخلي عن "خيبته" من أداء النظام السوري الذي فقد القدرة على الحسم، وعبر عنها حينها برفض استقبال رئيس مخابرات الأسد حسام لوقا.
ولذلك، حين بدأت مؤشرات الانهيار في حماة وريف حمص، لم يكن لدى الحزب حافز للدفاع عن النظام حتى النهاية.
حماة تسقط.. والمشاورات في طهران
عندما انهارت خطوط الدفاع في حماة، دخل الحزب في حالة استنفار سياسي وعسكري، ووفق المعلومات فقد أرسل الحزب وفداً إلى طهران للتشاور مع القيادة الإيرانية حول الموقف، وفي تلك الاجتماعات، تم الاتفاق على أن الأولوية باتت حماية الوجود الشيعي في لبنان، لا الدفاع عن النظام. وكانت توصية طهران كانت واضحة:
"لا تدخلوا في معارك خاسرة، ونسّقوا انسحابًا منظمًا يحافظ على عناصر الحزب دون التضحية بمقاتليها"، وعلى أثر تلك المشاورات، شرع الحزب فعليًا بإعادة انتشار واسعة في أرياف حمص والقصير، استعدادًا لمرحلة الخروج النهائي.
ومع تقدّم مقاتلي الفصائل السورية نحو حمص، وجد الحزب نفسه محاصراً في القصير، المدينة التي كانت قبل أكثر من عقدٍ رمزاً لتمدده في سوريا، لكن هذه المرة، كان يقاتل للانسحاب لا للبقاء.
عشية سقوط النظام بدأت اتصالات سرية بين مسؤولين ميدانيين من هيئة تحرير الشام وقادة ميدانيين من حزب الله لتأمين ممر آمن لخروج العناصر عبر الحدود، ووفق المعلومات فإن الوساطة التركية – التي جرت عبر قنوات أمنية ودبلوماسية خلال اجتماعات الدوحة – كانت حاسمة في إنجاز الاتفاق، بالإضافة لجهود إقليمية بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، بالتوازي كانت إسرائيل تشنّ غارات مكثفة على المعابر الحدودية لمنع الحزب من نقل عتاده الثقيل أو إقامة خطوط دفاع جديدة.
والانسحاب تمّ على مراحل، انسحاب أول للمقاتلين، ثم انسحاب ثانٍ للمعدات اللوجستية الخفيفة، قبل أن تُعلن الفصائل السورية في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 سيطرتها الكاملة على القصير.
نهاية حقبة
بخروج حزب الله من سوريا، انتهت حقبة كاملة من التدخل العسكري اللبناني في الصراع السوري، التحالف الذي بدأ عام 2013 بسقوط القصير بيد الحزب، انتهى عام 2024 بسقوطها في يد خصومه، لكن هذه المرة، لم يكن الانسحاب هزيمة ميدانية فحسب، بل نقطة تحوّل سياسية رسمت حدود الدور المستقبلي للحزب في الإقليم.
اليوم، وبعد عام على المعركة، يقرّ المقربون من الحزب أن التجربة السورية كانت "مكلفة" بشرياً وسياسياً ومالياً، فقد خسر الحزب أكثر من 2500 عنصر خلال السنوات الأخيرة من وجوده في سوريا، وتراجع نفوذه داخل مؤسسات الدولة السورية التي باتت تحت إدارة جديدة يقودها الرئيس أحمد الشرع، المعارض السابق لحكم الأسد.
ومنذ انسحابه، ركز الحزب وفق ما يقول، جهوده على ترميم بنيته الداخلية، وإعادة ترتيب علاقاته مع الحلفاء المحليين، في وقتٍ تراجعت فيه الثقة الإيرانية القديمة وتقدمت حسابات الواقعية اللبنانية، بالمقابل تتهم الإدارة السورية الجديدة، حزب الله باستمرار محاولات العبث بالأمن القومي السوري، عبر مشاركته في أحداث الساحل السوري والاشتباكات التي جرت بين عشائر لبنانية وعناصر من الجيش السوري على الحدود نهاية آذار/مارس الماضي، والتي انتهت بتفاهمات لبنانية – سورية، برعاية السعودية، إضافة لإعلان مستمر من وزارة الداخلية السورية عن كشف خلايا ومحاولات تهريب أسلحة لحزب الله في لبنان.
داخلياً، بدأ الحزب يواجه للمرة الأولى منذ 2006 نقاشاً داخل بيئته حول جدوى التورط الخارجي وكلفته. فخسارة المئات من عناصره في معارك لا ترتبط مباشرة بالدفاع عن لبنان، وانكماش الدعم الإيراني المالي والعسكري، دفعا القيادة إلى إعادة النظر في تعريف "المقاومة" نفسها، من مشروع إقليمي إلى مشروع حماية نفوذ داخلي.
إقليمياً، أدت نهاية حكم الأسد إلى قطع واحد من أهم خطوط التواصل الجيوسياسي التي كانت تربط الحزب بإيران عبر البر السوري، وهو ما يجعل من لبنان قاعدة معزولة أكثر من كونها جسراً لمحور واسع.
Loading ads...
لذا تؤشر معركة "ردع العدوان" إلى أن زمن حزب الله كلاعب فوق حدود الدولة قد انتهى، وأنه بات محكوماً بقواعد اللعبة اللبنانية الجديدة، حيث الميدان لم يعد في القصير أو حلب، بل في بيروت نفسها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



