3 ساعات
الصحافة السورية.. استحقاق المراجعة أم المراوحة في المكان؟
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026
يحتاج ما تتعرض له مهنة الصحافة والعاملون فيها إلى وقفة مراجعة متأنية، تجمع الأطراف كافة، وتعيد تعريف الأطر الناظمة، وتزيل الالتباس القائم في الحياة المهنية وواقع مهنة الصحافة في سوريا عمومًا، مستفيدةً من تجارب المرحلة الماضية وما عانته المهنة خلالها، ومن خصوصية المرحلة الجديدة وظروفها، لا سيما مع تشكّل الهيئات التشريعية والقانونية، بوصفها إحدى الجهات التي قد تتلاقى مع العاملين في المهنة، وقد تفترق عنهم لعوامل قد أمرّ عليها في السطور القادمة.
ولا بد من الاعتراف بأن إعادة تعريف الصحفي والمهنة وحقوقها وواجباتها ليست ترفًا، بقدر ما باتت حاجة ملحّة أمام ضبابية المشهد الإعلامي وتحدياته، ودخول الجمهور ورواد المنصات والعاملين فنيًا في المؤسسات الإعلامية تحت المانشيت العريض: «صحافة وصحفي».
أذكر أننا، في بدايات الثورة، عملنا على الاستفادة من غالبية التعريفات التي وردت في الأنظمة الداخلية للاتحادات الصحفية العربية، ثم تعززت التجربة بمقارنتها مع التعريفات الأوروبية، لكن التعريف السوري بقي وفيًا لظروفه ومناصريه، فاختلط الحابل بالنابل، وما زال هذا الالتباس عالقًا حتى اليوم في الإعلام الجديد بعد التحرير.
الناشط شيء مختلف عن الصحفي، وكذلك المواطن الصحفي، وهذا ليس انتقاصًا، بقدر ما هو تأكيد للحاجة إلى التوصيف، لأنه يساعد الجميع على معرفة حدود مهماتهم، والوقوف على أرضية صلبة لا تخسف بهم ولا تثير أكثر مما ينبغي.
الرائج اليوم في المشهد السوري توقيف أكثر من صحفي، سواء من قبل الجهات القضائية السورية أو في دولة عربية أو إقليمية. هذا يفترض، لو كان التعريف واضحًا، أن يدفع اتحاد الصحفيين السوريين إلى التحرك والمناشدة، والزملاء الكثر في الوسط الإعلامي إلى الضغط وتشكيل رأي عام، وصولًا إلى الجمهور الذي لم يعد يميّز بين الصحفي وناشط وجد نفسه مشدودًا إلى اللحظة السورية، فكتب و«غرّد» وبثّ مباشرةً، وحين وقعت الفأس في الرأس، لم نعد نعرف إن كانت القضية أصلًا، في بنيتها، ذات علاقة بالصحافة والصحفيين.
هذا ليس تساهلًا مع الاعتقال، فالمبدأ الإنساني يرفضه، لكنها محاولة للتوصيف والتفريق. حين تكون القضية جنحية أو جزائية أو جنائية، فهي تقع كل يوم في عشرات الحالات في مختلف الدول، وحين تكون القضية متعلقة بالصحافة والصحفيين، تتحول إلى قضية رأي عام، ليس لأن «الصحفي على رأسه ريشة»، بقدر ما تبدو تهشيمًا للحريات وخنقًا لها، فتمسّ حقوق الناس جميعًا، وتقوّض السلطة الرابعة ودورها.
وتكمن أهمية التعريف مجددًا في أنه يعني، في جوانبه المختلفة، تمكين الصحفي والمؤسسات من الأدوات المعرفية والحمائية في الوقت نفسه، بدءًا من التدريبات الحقوقية التي يرسمها المشرّع، وصولًا إلى التدريبات المهنية التي باتت ضرورية لكل عامل في المهنة، لمواكبة روح العصر وتقنياته، وليس آخرها ما يتعلق بالخصوصية السورية وظروفها. فرغم حالة الاستقرار النسبي، فإن غياب ارتداء الصدرية الواقية والخوذة في المناطق الغربية والجنوبية، أمام جبروت الاحتلال الإسرائيلي، يكفي للدلالة على الضرورة الملحّة.
ويختلف الناشط عن الصحفي، كما يختلف عن المواطن الصحفي، وهذا ليس انتقاصًا، بقدر ما هو تأكيد للحاجة إلى التوصيف، لأنه يساعد الجميع على معرفة حدود مهماتهم، والوقوف على أرضية صلبة لا تخسف بهم ولا تثير أكثر مما ينبغي.
يتهيّب الصحفي الإكثار من القول في غياب الأدلة القطعية وتحليل الوقائع، ولا يغفل أي مهني عن حق الطرف المعني في التوضيح والشرح والدفاع.
الرقابة المجتمعية ضرورة لن يختلف حولها الناس، فالكل يريدها، وأولهم الصحفي، لأنها زاده الخبري والقصصي والتقريري والتحقيقي. لكنها لا يجوز أن تحلّ محل الصحفي، وأن تستبدل الحقائق بالتسريبات، وحتى بالوثائق المنشورة عشوائيًا، وغالبًا بدافع «النكايات»، فتتحول إلى حقائق ومسلّمات. الحقائق في الصحافة ربما لا تلبّي عطش الجمهور إلى «الترند» اليومي، لكن أنصاف الحقائق أسوأ من تغييبها.
الصحافة، في بنيتها، ليست فوق القانون ولا فوق الناس، بل هي أول من يقبل الاحتكام إلى القانون والمساءلة والمراقبة. لذا يتهيّب الصحفي الإكثار من القول في غياب الأدلة القطعية وتحليل الوقائع، ولا يغفل أي مهني عن حق الطرف المعني في التوضيح والشرح والدفاع.
مرة أخرى، وظيفة الرقابة الشعبية رفض القرار، وتقديم الرأي العام كمؤشر لتتحرك الصحافة، فتزداد أدوات الرفض، وتنتقل من سياق شعبي إلى سياق مؤسسي قائم على الخبرات والمقارنات والتوضيحات والبيانات.
Loading ads...
الرقابة الشعبية التي نريدها ليست بديلًا عن الصحافة، وإن قصّرت الأخيرة في مهامها، فعلى الرقابة الشعبية أن تمارس أدواتها بالضغط والمقاطعة والتأثير، لدفعها مجددًا إلى دورها الريادي. لكن المطروح سوريًا يبدو لي تحوّلًا غير صحيح، وستظهر نتائجه سواء على الشارع أم على الجهات الحكومية التي ستعاني ضغطًا لا تعرف خلفياته ومدى صدقيته، ونمسي ونصبح على قرارات ارتجالية، ثم نعلن رفضها، فنتوه في دوامة تفسير ما يجري.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

