جاءت خطوة وزارة العدل السورية، بوضعها حدّاً لتوقيفات الجرائم الإلكترونية ضمن ضوابط جديدة. خطوةً في الاتجاه الصحيح لتقليص التوقيف التعسفي لصالح حرية الرأي، وتأكيداً لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكومة، وسيادة القانون ومرجعيته في أكثر القضايا جدلاً في حياة السوريين وفضائهم العام.
لكن الأسئلة تبقى مشرعةً: هل التعديلات والمدونات السلوكية وتحذيرات وزارة الإعلام كافية لوقف اشتعال نار خطاب الكراهية وملحقاته من جرائم القدح والذم والتشهير في هشيم بلدٍ خارجٍ للتو من سنوات القهر والتهجير؟
المطالب المحقة والمتمثلة بتحويل التعليمات واللوائح إلى قوانين منضبطة هي واحدةٌ من التحديات الأساسية، لكنها تبدو غير كافية، ليبقى "مربط الفرس" رخواً إذا لم تتضافر العوامل المجتمعة في سياقها السوري، الأشد خصوصيةً مقارنةً بالدول التي خرجت من ظروف مشابهة.
في لحظات الانهيار الكبرى تصبح الكلمة رصاصةً مؤجلةً، وقد تتحول منشورات قليلة إلى شرارةٍ لمواجهات ميدانية يصعب احتواؤها، الشارع محتقن يريد المحاسبة والعدالة الانتقالية، والاندماج المجتمعي والسياسي لم يتحقق أو ما زال هشاً.
الحالة السورية ليست وليدة نقص التشريعات، فتوتر وارتفاع سقف خطاب الكراهية المنتشر اليوم. يمكن قراءته كنتيجةٍ للتحولات المجتمعية، يتجلى رأس "جبل الجليد" في إشكالية حرية التعبير، فيما جوهرها متعدد الأوجه والطبقات، بدءاً من انقسام المجتمع وتمزقه كأحد المسببات، واستمرار جبهات القتال طوال سنوات الثورة، والمكبوت عما قبلها حيث يتفجر اليوم، إضافةً إلى مشاركة أساسية لنسبةٍ عاليةٍ من المهجرين خارج سياق تأثير ومحاسبة أجهزة الدولة. يشكل ذلك عاملاً إضافياً. الجزء الأهم أن أوجه الصراع السوري ـ السوري لم ينتهِ بنهاية نظام الأسدين، بل ربما تضاعف بحكم "الضخ" العابر للجغرافيا السورية من خارج حدودها، وهو ما يوفر مبرراً أخلاقياً لدى بعض "حماة الدولة" للرد بخطاب مماثل، وزيادة جرعته أحياناً بحكم جراحهم المثخنة التي لم تبرأ بعد.
آثار الحروب الطويلة تترك عادةً ما يشبه "الاضطراب النفسي الجماعي"، وتفجر بعدها نزعات البقاء للأقوى والمنتصر، ويتصاعد الخطاب الثأري بين الأفراد والمجموعات. كما أن التربة السورية" الطرية" تتيح للقوى الإقليمية والدولية تغيير نموذج أدوارها وأدواتها عبر أذرع ناعمة، إعلامية و"جمعياتية"، قادرة على التأثير في المشهد، فتزيد الاستقطاب وتعمق الشرخ المجتمعي، وبالنتيجة تحيد لغة القانون والدولة وشرعيتهما.
التجربة السورية نفسها تقدم المثال الأوضح على خطورة الكلمة حين تتحول إلى أداة تعبئة وتحريض. فخلال سنوات النزاع لم تكن المدافع وحدها من قسمت السوريين، بل سبقتها حملات التخوين والتكفير والشيطنة، حتى غدا المختلف سياسياً "خائناً" أو "إرهابياً" أو "شبيحاً" بحسب موقعه. كثيرٌ من أعمال العنف والانتقام سبقتها حملات منظمة على مواقع التواصل تجرد الخصم من إنسانيته وتقدمه بوصفه خطراً وجودياً. وهو ما عمل النظام البائد على ترسيخه عبر أذرعه السياسية والإعلامية والدينية والفنية حين وصف مجتمعات كاملةً بـ"حواضن الإرهاب".
الأصوات السورية التي دفعت وزارة العدل إلى التغيير الأخير، كانت محقةً بجوهرها، لكن اللافت في سياقها، أنه لم يسجل أي توقيف سياسي معلن وواسع، ضمن جرائم المعلوماتية يتعلق ببنية النص وارتباطه بالمنظومة الأسدية، التي كان عمودها الفقري يتلقف التهم السياسية لتتحول إلى جرائم وانتهاكات.
واحدةٌ من الإشكاليات المطروحة التي يتوجب السير بها بموازاة التعديلات تتمثل في أن التعديلات لن تلغي العقوبات بقدر ما ستضعها في السياق القضائي بدل الضابطة العدلية، وقد تنتهي بعقوبات مالية لا طاقة للسوري على مواكبتها، ولن تكون عقوبة التوقيف بعيدةً أو ملغيةً، فهذه عقوبات عامة في القانون السوري المستقر منذ عقود، وهو حق للمحكمة متى رأت ذلك واجباً. بالأمس أقر القضاء اللبناني إدانة أحد الصحفيين بجرائم الذم والقدح والتحقير، وإنزال عقوبة الحبس النافذ بحقه لمدة شهر واحد، مع جعل العقوبة غير قابلة للاستبدال بغرامة مالية.
لست بوارد الدفاع عن قانون سيء السمعة والتطبيق، ولا قبول مفاعيله على حرية التعبير في سوريا الجديدة، لكني أميل إلى تحميل وتوزيع الأثقال المركبة، بدءاً من الناشط الإعلامي والتزامه بمحددات حرية التعبير وضبطها، وصولاً إلى الإعلام ودوره الإرشادي والتعريفي بقضايا النشر وقوانينها، وأن تتحمل الوزارات والهيئات الرسمية والجمعيات الأهلية وحتى الجامعات مسؤولياتها في نشر الثقافة القانونية، وصولاً إلى تخصيص بعض الدروس أو المقررات المدرسية في مرحلة مبكرة من التعليم في سوريا.
تعقيدات المشهد السوري تزايدت بفعل حضور الفضاء الرقمي الذي أصبح بديلاً عن المؤسسات العامة التي انهارت أو ضعفت خلال سنوات الثورة. فصفحات "فيس بوك" ومجموعات "واتساب" ومنصات "تلغرام" تحولت إلى ساحات قضاء وإدانة وتنفيذ أحكام معنوية، يكفي مقطع مجتزأ أو معلومة غير موثقة لإطلاق حملات تشهير واسعة قد تنتهي بتهديد أشخاص أو عائلات أو مؤسسات كاملة. والخطورة أن سرعة انتشار المحتوى تتجاوز قدرة القضاء والإعلام المهني على التصحيح أو التوضيح، فتترسخ الأكاذيب وتتحول إلى حقائق في وعي جزء من الجمهور.
الحرية التي انتزعت بالتضحيات لا يحميها الصراخ، ولا تبنى بالشتائم، ولا بحملات التشهير، بل بقضاء مستقل وإعلام مهني ومواطن يعرف أن حريته تقف عند حدود حقوق الآخرين.
التعديلات المطروحة، وصولاً إلى إقرار القوانين الجديدة مع انعقاد مجلس الشعب، يفترض أن تسير متوازيةً مع حوامل معرفية تتيح الوصول إلى أوسع الشرائح الاجتماعية. وإذا كانت الشريحة المستهدفة من العاملين في الفضاء العام، فالواجب على المؤسسات الإعلامية والعاملين في مهنة المتاعب توخي الحذر والمعرفة القانونية، كما يفرض على الزملاء في اتحاد الصحفيين بذل جهود أكبر في تعريف الصحفي بحقوقه وواجباته، وتنظيم ورشات قانونية وحقوقية لحمايته وحماية المجتمع، إضافةً إلى تدريبات وتشبيك مع المؤسسات الحقوقية، فقد ورثنا حياةً مهنيةً لا تحكمها قواعد قانونية مستقرة، ولا نميز فيها، في العموم، بين المحاكم والمخافر وسلطات الأفرع الأمنية المتوحشة.
انتقال الاشتباك وخطاب الأضداد بين أبناء الثورة وشارعها يؤكد الحاجة إلى مسار يدعو إلى التعافي وتحكيم القانون والعمل بمسارات متوازية قبل أن نعيد إنتاج مقولة "الثورة تأكل أبناءها".
في سوريا لم يعد خطاب الكراهية ظاهرةً افتراضيةً أو سجالاً بين النخب. فقد شهدنا خلال الأشهر الماضية عشرات الحملات الإلكترونية التي استهدفت صحفيين وناشطين ومؤسسات إعلامية وشخصيات عامة، ودعت إلى المقاطعة أو الفصل أو الملاحقة أو التشهير، بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى تبرير الاعتداء اللفظي والجسدي، والأخطر ما انتقل بعضه إلى الشارع.
هذه الوقائع تؤكد أن المجتمع السوري لم ينجح بعد في الانتقال إلى مرحلة التعافي، وأن ترسيخ الثقافة السياسية والقانونية، ما زالت تحتاج إلى وقت وجهد طويلين للتعافي.
لا تكمن الحاجة، فقط في تحديث القوانين رغم أهمية ذلك، بل في الاعتراف بأن ثمة عوامل متداخلةً يساعد فهمها على تبريد حالة الاحتقان وتخفيف خطاب الكراهية، وصولاً إلى عدم إغراق المؤسسة القضائية بآلاف الدعاوى التي يمكن حلها قبل الوصول إلى المحاكم.
في رواندا لم يكن تجريم خطاب الكراهية كافياً بعد الإبادة الجماعية، بل رافقته برامج للمصالحة المجتمعية والتعليم وإعادة بناء الثقة بين المكونات. وفي البوسنة والهرسك استغرق الأمر سنواتٍ من العمل المؤسساتي والحقوقي لتخفيف آثار الخطاب القومي والتحريضي.
مواجهة خطاب الكراهية في سوريا ودعاوى القذف والقدح والتشهير، ليست معركة قانونية فحسب، بل معركة ثقافية وتربوية وسياسية، تحتاج أن تمضي بالتوازي، تجنبا للوقوع تحت تأثير وصدى شارع محق في جراحه المثخنة، وعذاباته الطويلة، لكنه قد يأخذ عنوان الحرية التي انتُزعت بالتضحيات، لمواجهة مفتوحة فلا تعرف البلد استقرارا، ولا تبني قواعد وأسس للسلم الأهلي، وسط بيئة" الصراخ"، والشتائم، وحملات التشهير، بدل ترسيخ قواعد القضاء المستقل، والمواطن الذي يعرف أن 'حريته تقف عند حدود حقوق الآخرين'.
Loading ads...
الدولة مطالبة اليوم بإنتاج قوانين عادلة، تنصف الضحايا وتجبر ضررهم، وتؤسس لدولة المواطنة والحقوق، والإعلام مطالب بممارسة دوره المهني، والمؤسسات التعليمية مطالبة بتعليم الأجيال معنى الاختلاف وحقوق الآخرين. أما السوريون أنفسهم، فقد آن لهم أن يكتشفوا أن خصومة وجراح الأمس، لا تبرر إلغاء الآخر، وتوسيع مساحات الاتهام بعموميتها، وأن الانتقام والثأر لا يبني وطناً، وأن الكلمة التي ثارت بالأمس على الطغيان، لقادرة اليوم على البناء والعض على بعض الجراح لأجل الغد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

