منذ سقوط النظام الأسدي الإجرامي، انفتحت أمام السوريين فرصة تاريخية لبناء دولة حديثة؛ دولة قانون ومؤسسات تتجاوز إرثاً ثقيلاً من القمع والقتل والفساد والطائفية، خنق البلاد لعقود طويلة.
غير أن هذه الفرصة لم تُستثمر كما يجب، وبدا المسار الذي سلكته السلطة الجديدة عاجزاً عن تقديم نموذج حقيقي يقطع مع الماضي، ويؤسس لمستقبل تشاركي يقوم على المواطنة. ومع تصاعد موجات الغضب والاحتجاجات العنيفة في إدلب وغيرها، يتضح أننا أمام أزمة بنيوية عميقة تضرب جذورها في تعثّر العدالة، وهشاشة القضاء، وأوضاع معيشية صعبة، وسط بيئة مشحونة بالسلاح المنفلت والتحريض الطائفي.
التحريض في لحظات الهشاشة الانتقالية ليس مجرد وجهة نظر، بل فعل إجرامي يقود مباشرة إلى التفكك والدمار.
وإذا كان الصديق الكاتب ثائر الزعزوع قد استلهم من الذاكرة السورية عنواناً لمقاله المنشور على موقع تلفزيون سوريا، قائلاً إن "بيت المونة: أقصر طريق إلى قلب الشعب، معدته"، فإن الواقع السوري الراهن يقلب هذه المعادلة التراثية رأساً على عقب. فخلوّ "بيت المونة"، والفقر الذي نهش الأمعاء، حوّلا المعدة من طريق لكسب الولاء والقلوب إلى محرك جارف للانفجار والغضب. إن سوء الحالة المعيشية لم يعد مجرد أزمة أرقام أو تراجع في مستوى الرفاهية، بل صار وقوداً لحريق اجتماعي لا يرحم. فالإنسان الذي يقضي يومه في رحلة شاقة ومذلة لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة لأطفاله، يفقد تدريجياً قدرته على الصبر والتحمل، ويصبح في حالة من التحفز الدائم للانفجار عند أي احتكاك أو سبب بسيط؛ لأن الجوع حين يدق باب "بيت المونة" الفارغ، فإنه يطرد معه كل قدرة على التعقل أو انتظار الوعود السياسية المؤجلة.
إن الأوضاع الاقتصادية القاسية، رغم كونها المحرك الأول للشارع، لا تعمل بمعزل عن الشعور العام بالمظلومية، بل هي الأرضية التي ينمو فوقها الغضب. فإذا كان الجوع هو الوقود الذي يملأ القلوب بالاحتقان، فإن غياب العدالة والانتقائية في تطبيقها هما الكبريت الذي أشعل الحريق في البيوت والساحات. أما الشرارة المباشرة للتوترات الأخيرة، فتكمن في السياسة المستفزة والمؤلمة المتمثلة في إعادة تدوير "الشبيحة" وفرض تسويات مقنّعة على الضحايا والناجين.
حين يرى المواطن المنهك اقتصادياً أن شخصاً مثل نواف البشير، الذي تزعم ميليشيات ارتكبت انتهاكات جسيمة وأسهمت في دمار البلاد، يُستقبل كالأبطال من دون أي موقف من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في حين يُلاحق آخرون بسبب الرأي والانتقاد، فإن الرسالة تصل واضحة وقاسية: العدالة في سوريا الجديدة ليست معياراً ثابتاً يُطبق على الجميع، بل أداة مرنة تُستخدم وفق الولاءات والمصالح والظروف السياسية. هذا التمييز الصارخ هو ما يجعل الناس ينتفضون على الظلم. وحين تجتمع ضائقة العيش مع مرارة رؤية الجلادين يتصدرون المشهد، يدرك الناس أنهم لم يخسروا فقط خبزهم وأمانهم الغذائي، بل خسروا قبل ذلك كرامتهم والعدالة التي دفعوا أثماناً باهظة من أجلها.
وما فاقم المشهد أكثر هو تمدّد خطاب التحريض الطائفي، الذي أصبح المحرك الأخطر لما نشهده اليوم. فما حدث من أعمال انتقام لم يكن مجرد رد فعل انفعالي، بل نتيجة لبيئة تسممت بالكراهية، حيث تُستخدم الهوية بديلاً من القانون، ويُقدَّم العنف بوصفه السبيل الوحيد لاستعادة الحق المسلوب. هذا التحريض، الذي مارسه سياسيون وإعلاميون وحتى ناشطون محسوبون على السلطة ومعارضيها، منح رخصة مفتوحة للعب بمشاعر الناس وتوظيف آلامهم، مما يجعلهم شركاء مباشرين في كل قطرة دم سُفكت. فالتحريض في لحظات الهشاشة ليس مجرد رأي، بل فعل يقود مباشرة إلى الدمار.
والأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء المحرضين، الذين استغلوا تعثر العدالة الانتقالية ودفعوا الناس نحو الانتقام بخطاب عنصري وطائفي، سارعوا إلى التراجع والتواري عندما انفلتت الأمور، وكأنهم لم يشعلوا الفتيل بأيديهم. فالتحريض في لحظات الهشاشة الانتقالية ليس مجرد وجهة نظر، بل فعل إجرامي يقود مباشرة إلى التفكك والدمار. لذلك، فإن محاسبة المحرضين ضرورة لا تقل أهمية عن محاسبة من باشر العنف بيده، لأن التراخي في ملاحقة أصحاب هذا الخطاب يغذي ثقافة الإفلات من العقاب، ويجعل استقرار المجتمع رهينة لأهواء أصحاب المنصات الإعلامية والمنابر الدينية والسياسية.
ولكي لا نجد أنفسنا نعيد إنتاج مآسي الماضي بصور وأسماء جديدة، أصبح من الضروري البدء فوراً ومن دون مواربة بإصلاح جذري وهيكلي للقضاء، يخرجه تماماً من عباءة السلطة وأجهزتها الأمنية، بما يضمن استقلاله وحياده وكفاءته، وتطبيق عدالة انتقالية وطنية لا تحابي أحداً ولا تخضع للمقايضات. كما ينبغي إعادة بناء الأجهزة الأمنية والشرطية على أساس وطني محترف؛ أجهزة قادرة على التعامل مع الناس وحل مشكلاتهم بعيداً عن الولاءات السياسية والدينية.
إن النجاح الحقيقي لأي سلطة تدعي الشرعية يُقاس بمدى قدرتها على جعل القانون المرجعية الوحيدة والنهائية لكل السوريين، وبناء مؤسسات تحمي الفرد في حقوقه وكرامته قبل أن تطالبه بالولاء.
ولا بد أيضاً من إعداد خطة وطنية لسحب السلاح المنفلت بين الناس، وحصره بالقوى الأمنية والشرطية المكلفة قانوناً بحمله واستخدامه، ووضع خطة اقتصادية إسعافية تلامس حياة المواطن البسيط مباشرة، وتخفف عنه وطأة العوز والفقر قبل أن يلتهم الجوع ما تبقى من سلم أهلي. كما أن ملاحقة المحرضين على العنف الطائفي وخطاب الكراهية، ووقف سياسة تدوير رموز القمع السابقة، خطوات لا تقبل التأجيل إذا كانت هناك إرادة حقيقية لحماية سوريا من الانزلاق نحو المجهول.
إن سوريا التي يستحقها أهلها هي دولة المواطنة التي لا يضطر فيها المظلوم إلى البحث عن ثأره الشخصي، ولا يضطر فيها الجائع إلى المقامرة بمستقبل بلده من أجل لقمة عيش.
Loading ads...
إن النجاح الحقيقي لأي سلطة تدعي الشرعية يُقاس بمدى قدرتها على جعل القانون المرجعية الوحيدة والنهائية لكل السوريين، وبناء مؤسسات تحمي الفرد في حقوقه وكرامته قبل أن تطالبه بالولاء. فالعدالة قد لا تتحقق بين ليلة وضحاها، لكنها لن تشرق أبداً إذا استمر نهج الهروب إلى الأمام وتجاهل الأسباب العميقة للاحتقان. فالوطن الذي يسعى إلى كسب قلوب مواطنيه عبر أمعائهم، يجب أن يحترم قبل ذلك إنسانيتهم وحقهم في العدالة، لكي يضمن لنفسه البقاء والاستقرار في وجه العواصف العاتية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

