40 دقائق
من الدوحة إلى دمشق.. ماذا يريد توم باراك من "مكعب روبيك" السوري؟
الخميس، 22 أكتوبر 2026
اختار المبعوث الأميركي توم باراك تشبيه "مكعب روبيك" لوصف موقع سوريا في ترتيبات المنطقة، عقب لقائه الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، في دمشق أمس الأربعاء، مؤكداً أن سوريا تؤدي دوراً محورياً في تحقيق سلام دائم، وإن مصيرها يمس جميع أوجه هذا المكعب، رابطاً التقدم بمواءمة المصالح المشتركة وتنفيذ رؤية الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لمنطقة آمنة ومزدهرة.
يختصر هذا التشبيه التصور الذي عرضه باراك قبل يوم واحد في منتدى الأمن العالمي بالدوحة، حيث قال إن ملفات المنطقة مترابطة، والتدخل العسكري لا يقدم حلولاً مستقرة، وإن واشنطن تريد من دولها تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.
وضمن هذا التصور، تحدث باراك عن استعداد سوري لتفاهم قد يشمل "اتفاق عدم اعتداء" مع إسرائيل، وأبدى تفاؤله بإمكان التوصل إليه، فيما تتمسك سوريا بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد والعودة إلى اتفاق فصل القوات لعام 1974.
في استخدامه لمصطلح "اتفاق عدم اعتداء"، خلال منتدى الدوحة، تبدو تصريحات المبعوث الأميركي أكثر تحديداً من الحديث العام عن ترتيبات أمنية، لكنها لا تكشف وحدها طبيعة الالتزامات.
واتفاق يحمل اسم "عدم اعتداء" قد ينص على الامتناع عن استخدام القوة، لكن قضايا الانسحاب والانتشار العسكري والمراقبة تحتاج إلى نصوص منفصلة وواضحة.
وبالنسبة إلى سوريا، يُقاس مضمون أي اتفاق بنطاق الانسحاب الإسرائيلي، وشمول وقف الاعتداءات والعمليات العسكرية، وطبيعة القيود الأمنية على سوريا ومدى مساسها بسيادتها وحقها في بناء قدراتها الدفاعية، فضلاً عن آلية مراقبة التنفيذ والتعامل مع الخروق.
وفي هذا السياق، فإن أي انسحاب من المواقع التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط الأسد في كانون الأول 2024 لا يحسم قضية الجولان المحتل، وأي تفاهم مؤقت يجب أن يُوضح نطاقه، وألا يتضمن ما يمس المطالبة السورية باستعادة الجولان المحتل.
كذلك، فإن وقف الاعتداءات لن يؤدي إلى تفاهم إذا احتفظت إسرائيل بمواقع عسكرية في الأراضي السورية أو بحق تتصرف على أساسه منفردة لتحديد ما تعتبره تهديداً، وقد يصبح الاتفاق عندئذ وسيلة لتقييد القدرات السورية مع إبقاء أدوات الضغط الإسرائيلية.
بعد يوم من تصريحات الدوحة، استقبل الرئيس الشرع باراك في دمشق، بحضور الشيباني في لقاء قالت وسائل الإعلام الرسمية إنه تناول التطورات في سوريا والمنطقة والتعاون والتنسيق، دون ذكر المفاوضات مع إسرائيل أو اتفاق عدم الاعتداء.
وفي تغريدة عبر منصة إكس، ووصف باراك اللقاء لاحقاً بأنه مثمر، وربطه بالاستقرار الإقليمي ورؤية الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لمنطقة آمنة ومزدهرة عبر ما أطلق عليه "مواءمة المصالح المشتركة".
وأكد باراك محورية دور سوريا في المنطقة في تحقيق سلام دائم، معتبراً أن "مصيرها يمس كل وجه من أوجه أحجية الشرق الأوسط، التي تشبه مكعّب روبيك".
يقوم تشبيه المبعوث الأميركي على أن تحريك ملف واحد يؤثر في الملفات الأخرى، وفي السياق السوري، يمكن قراءة ذلك بوصفه إشارة إلى تداخل الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية مع المصالح التركية والدور الأميركي وأمن دول الجوار.
ولهذا التصور جانب عملي، حيث يتأثر استقرار سوريا بسلوك القوى المتدخلة فيها، ولا تستطيع دمشق معالجة التهديدات الخارجية بقرارات داخلية وحدها، لكن التشبيه قد يحجب أيضاً اختلاف مواقع هذه القوى ومسؤولياتها، حين يعرض المسألة كلها باعتبارها مشكلة تنسيق بين مصالح متعارضة.
فإسرائيل تحتل أراضي سورية وتنفذ اعتداءات داخل سوريا، والتعامل مع ذلك باعتباره مجرد وجه من أوجه "المكعب" قد ينقل النقاش من إنهاء الاحتلال إلى إدارة آثاره، ومن وقف الاعتداء إلى تحديد الظروف التي تسمح بتقليصه.
هنا تصبح عبارة باراك عن "مواءمة المصالح المشتركة" أكثر أهمية من التفاؤل العام بالسلام، فهي تحدد منهجه في البحث عن حل، لكنها لا توضح أي المصالح ستُعتمد، وأي المطالب ستُعامل باعتبارها قابلة للمساومة، وكيف سيُحمى حق سوريا في السيادة عندما يتعارض مع المطالب الأمنية الإسرائيلية.
تظهر تصريحات المبعوث الأميركي حدود موقفه من الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، حيث دعا في منتدى الدوحة إلى وقفها، لكنه أبدى تردداً بشأن تدخل الولايات المتحدة لإيقافها، من دون تحديد أدوات هذا التدخل، وفي تصريحه بعد لقاء الرئيس الشرع، تحدث عن المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي.
ويشير ذلك إلى رغبة أميركية في التهدئة، لكن لا توضح ما ستفعله واشنطن إذا رفضت إسرائيل متطلباتها، وهذه مسألة بالغة الأهمية بالنسبة إلى سوريا، لأن اتفاقاً لا يحدد تبعات الخروقات قد يترك تنفيذ الالتزامات مرهوناً بالقرار الإسرائيلي، ويعيد الأمر إلى الوساطة الأميركية عند كل اعتداء.
كما أن دوافع باراك لوقف العمليات تتجاوز الملف السوري، حيث استحضر في تصريحاته بالدوحة الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في آب الماضي، محذراً من احتمال تسببها بمواجهة مع تركيا.
ويشير ذلك إلى اهتمام أميركي بمنع اتساع الصدام، لكنه لا يثبت التزاماً بإنهاء الاحتلال أو معالجة جميع المطالب السورية، فالحد من العمليات التي قد تستفز تركيا يحقق غرضاً مختلفاً عن ضمان أمن السوريين ووقف الاعتداء على أراضيهم.
وقد يتقاطع منع الصدام بين تركيا وإسرائيل ووقف الاعتداءات على سوريا، لكن نجاح الوساطة الأميركية بالنسبة إلى دمشق يتطلب التزاماً يشمل الأراضي السورية وسيادتها، ولا يقتصر على منع الاحتكاك بين القوى الإقليمية.
ترتبط تصريحات باراك بشأن سوريا بتصوره للدور الأميركي في المنطقة، حيث استشهد، خلال منتدى الدوحة، بما وصفه بـ23 تجربة أميركية لتغيير الأنظمة لم تحقق النجاح، مؤكداً على رفض الاعتقاد بأن تغيير الحكام بالقوة ينتج استقراراً.
وفي هذا التفصيل، لا يشرح نقد التدخلات الأميركية السابقة الرؤية التي يقترحها باراك اليوم، فتجنب التدخلات العسكرية وتغيير الأنظمة لا يمنع استخدام النفوذ السياسي والدبلوماسي لوقف اعتداءات حليف، وفي الحالة السورية، لا تتوقف الخيارات الأميركية على التدخل العسكري، بل تشمل الضغط على إسرائيل وربط التفاهمات معها بالتزامات واضحة.
ولذلك، فإن السؤال الذي تطرحه تصريحات المبعوث الأميركي تتعلق بالمسؤولية التي تريد الولايات المتحدة تحملها في الاتفاق الذي تدفع نحوه: هل ستكتفي بتقريب المواقف، أم ستضمن تنفيذ التعهدات وتتعامل مع خرقها؟
كما ينسجم حديث باراك عن "مواءمة المصالح المشتركة" مع دعوة دول المنطقة إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها وبناء شراكات إقليمية مع رغبته في تقليص الاعتماد على التدخل الأميركي المباشر، ويمكن قراءة ذلك باعتباره محاولة لتوزيع أعباء الأمن، مع احتفاظ واشنطن بدور في تشكيل الترتيبات السياسية.
Loading ads...
في المحصلة، تضع تصريحات المبعوث الأميركي سوريا داخل تصور لتفاهمات إقليمية أوسع، من دون أن تحدد الالتزامات الإسرائيلية المقابلة، ويُقاس هذا التصور بما يحققه من انسحاب ووقف للاعتداءات وحماية للسيادة، وبالضمانات التي تمنع تكرار الخروق، فـ"مواءمة المصالح" قد تساعد على إنهاء الاحتلال، وقد تتحول إلى وسيلة لإدارته إذا بقيت المطالب السورية رهناً بما تقبله إسرائيل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

