يوم واحد
من الداخل.. كيف تطورت ترسانة “الحوثيين” إلى تهديد إقليمي متصاعد؟
الأربعاء، 13 مايو 2026
في غضون عقد واحد، بنت جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، ترسانة عسكرية تجاوزت حدود الفاعل المحلي، بعد أن خاضت حروباً غير متكافئة مع الدولة اليمنية، في جبال صعدة أقصى شمال البلاد.
واليوم، تمتلك جماعة “الحوثي” ترسانة متنوعة، تضم صواريخ باليستية ومجنحة، وطائرات مسيّرة، وزوارق هجومية، وألغاماً بحرية، ما منحها القدرة على نقل المواجهة من الداخل اليمني، إلى واحد من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
هذا التحول جاء عبر مسار متداخل، بدأ بالاستيلاء على مخزونات الجيش اليمني، عقب الانقلاب على الدولة عام 2014، ثم توسع لاحقاً عبر شبكات تهريب معقدة ودعم تقني ولوجستي ارتبط بإيران وشبكاتها الإقليمية، وفق تقارير ميدانية وتحقيقات دولية متخصصة.
وخلال الأشهر الماضية، أعادت عمليات اعتراض شحنات بحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، تسليط الضوء على البنية الفعلية لهذه الترسانة، بعد ضبط مئات المكونات المرتبطة بصواريخ وطائرات مسيرة، بعضها يحمل مؤشرات فنية مرتبطة بمنظومات إيرانية، وفق تقرير حديث صادر عن مركز أبحاث التسلح في النزاعات “CAR“.
ومع انتقال “الحوثيين” إلى استهداف السفن التجارية والعسكرية، منذ أواخر 2023 تحت مظلة الحرب في غزة، بات ملف التسليح “الحوثي” متصلاً مباشرة بأمن الطاقة العالمي، وسلاسل الإمداد الدولية، وتوازنات الأمن البحري في المنطقة، بعد أن كان شأناً يمنياً داخلياً.
عندما سيطر “الحوثيون” على صنعاء في 2014، استولوا على جزء كبير من القدرات العسكرية اليمنية، بما في ذلك مخازن صواريخ وأسلحة بحرية ودفاعات جوية ومعدات رادارية.
ووفق تقارير عسكرية يمنية ومنصة “ديفانس لاين” المتخصصة بالشؤون الأمنية والعسكرية، حصلت الجماعة على صواريخ مضادة للسفن من طراز C-801 صينية الصنع، وأعادت تسميتها باسم “المندب”، كما استحوذت على صواريخ ساحلية ومنظومات دفاع جوي ورادارات، إضافة إلى زوارق دورية وقطع بحرية وألغام، كانت ضمن ترسانة القوات البحرية اليمنية.
وفرت هذه المخزونات نقطة انطلاق حاسمة للجماعة “الحوثية”، وقاعدة تسليح جاهزة مدعومة بخبرات عسكرية سابقة، داخل وحدات الجيش والأجهزة الفنية التي وقعت تحت سيطرتها، أو أٌجبرت على العمل معها.
وفي تلك المرحلة، اعتمد النشاط العسكري “الحوثي” بصورة كبيرة على إعادة تشغيل وصيانة ما استولت عليه الجماعة، مع إدخال تعديلات محدودة على بعض الأنظمة، قبل الانتقال لاحقاً إلى تطوير قدرات هجومية معقدة.
مع اتساع الحرب اليمنية، انتقلت العلاقة بين “الحوثيين” وإيران، من مستوى الدعم السياسي والإعلامي إلى شراكة أعمق، قائمة على نقل المعرفة والخبرات والتكنولوجيا العسكرية.
تحقيق حديث لمنصة “ديفانس لاين” قدم أدلة موثقة على تلقي قيادات “حوثية” تدريبات داخل إيران، عبر صور ووثائق أظهرت رئيس هيئة الأركان “الحوثية” السابق محمد عبد الكريم الغماري، والقيادي زكريا حجر المسؤول عن برنامج الطيران المسيّر، داخل مختبرات ومجمعات مرتبطة بالقوة الجوفضائية التابعة لـ”الحرس الثوري الإيراني”.
وتكتسب هذه الأدلة، أهمية خاصة لأنها تقوض سردية “التصنيع المحلي” التي تكررها جماعة “الحوثي”، وتكشف أن تطوير القدرات جاء عبر بناء تدريجي لمنظومة تشغيل وتطوير وصيانة وإعادة تجميع.
كما أشار تحليل صادر عن مركز “CAR” إلى أن مكونات صواريخ وطائرات مسيرة مرتبطة بـ”الحوثيين” حملت تسميات وأنماط ترميز إيرانية، بينها رموز مرتبطة بصواريخ مثل “غدير-110″ و”358” و”351″، وهو ما يعزز فرضية انتقال المعرفة الفنية ومنظومات التجميع من إيران إلى داخل اليمن.
وبهذا، ساهمت طهران في تزويد جماعة “الحوثي” بأدوات القتال، وفي بناء بنية تقنية وعسكرية داخلها.
اعتمد تطور هذه الترسانة على شبكة تهريب فعالة عبر البحر، فبين آب/ أغسطس 2024 حزيران/ يونيو 2025، اعترضت قوات الحكومة الشرعية عدة شحنات بحرية متجهة إلى “الحوثيين”، بينها سفينة “الشروا”، التي وصفتها القيادة المركزية الأميركية، بأنها أكبر عملية ضبط أسلحة موجهة للجماعة.
وبحسب تقرير مركز “CAR”، احتوت الشحنة على أكثر من 800 مكوّن لصواريخ وطائرات مسيرة، شملت أنظمة ملاحة، ومحركات، ووحدات GPS، وهوائيات، ومعالجات دقيقة، ومكونات إلكترونية مزدوجة الاستخدام.
وأٌخفيت المواد داخل معدات صناعية، وأرفقت بوثائق شحن تصف الحمولة بأنها “معدات زراعية وأسمدة”، في نمط يكشف مستوى متقدماً من التمويه والتنظيم.
وفي معلومات حصل عليها “الحل نت” خلال وقت سابق، كشف الناطق باسم المقاومة الوطنية العميد صادق دويد، أن التحقيقات مع طاقم السفينة المضبوطة أظهرت أنها الشحنة رقم 13 ضمن شبكة تهريب يديرها قيادي “حوثي” يدعى محمد أحمد الطالبي، المعروف باسم “أبو جعفر الطالبي”.
ووفق هذه المعطيات، نجحت 12 شحنة سابقة في الوصول إلى جماعة “الحوثي”.
تمتلك جماعة “الحوثي” منظومة تسليح متشعبة، تشمل صواريخ بحرية وباليستية، وطائرات مسيرة، وزوارق هجومية، وألغاماً بحرية، وهو ما منحها قدرة متزايدة على تنفيذ عمليات تتجاوز الجغرافيا اليمنية.
وفي الجانب البحري، كشفت الجماعة خلال السنوات الأخيرة، عن عدد من الصواريخ المضادة للسفن، بينها صواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى مثل: المندب 1، المندب 2، سجّيل، صياد، تنكيل، البحر الأحمر، وقدس Z-0.
وتشكل هذه المنظومات العمود الفقري لقدرات “الحوثيين”، في تهديد الملاحة التجارية والعسكرية، في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
وفي المجال البحري أيضاً، وسعت الجماعة قدراتها عبر إدخال زوارق هجومية ومسيّرة مفخخة، من بينها سلسلة زوارق “طوفان”، بما فيها “طوفان المدمر”، الذي تقول الجماعة إنه مزود برؤوس حربية كبيرة، ويستخدم في الهجمات البحرية أحادية الاتجاه ضد السفن والأهداف الثابتة.
ولا تقتصر الترسانة الحوثية على القدرات الهجومية المباشرة، إذ تمتلك الجماعة كذلك ألغاماً بحرية متنوعة مثل “مرصاد” و”كرّار” و”عاصف” و”شواظ”، وهي ألغام تشكل تهديداً دائماً للممرات الملاحية، خصوصاً قرب السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر.
إلى جانب ذلك، تعتمد الجماعة “الحوثية” على منظومات رصد ومراقبة، تشمل رادارات بحرية وأنظمة وكاميرات حرارية وليزرية، ما يعزز قدرتها على تعقب الأهداف وتوجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة في بيئات قتالية معقدة.
ومنذ اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، صعّدت جماعة “الحوثي” عملياتها ضد السفن في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، قبل توسيع نطاق هجماتها إلى البحر العربي.
وأدى هذا التصعيد إلى تدخل عسكري دولي واسع تحت عناوين حماية الملاحة الدولية، عبر تحالفات بحرية وعمليات عسكرية أميركية وبريطانية، فيما شنت إسرائيل عدة ضربات ضد مواقع مرتبطة بـ”الحوثيين”، رداً على إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاهها.
تكشف بيانات مركز “CAR” أن 5 في المئة فقط، من المكونات الموثقة مرتبطة بإنتاج إيراني مباشر، بينما جاءت بقية المكونات من شركات وعلامات تجارية موزعة على 16 دولة.
وهذا يعني أن “الحوثيين” لا ينتجون منظوماتهم بالكامل، وإنما يعتمدون على شبكة توريد معقدة لمكونات تجارية وتقنيات مزدوجة الاستخدام، يعاد تجميعها أو دمجها داخل اليمن.
وتٌظهر مراجعة مسار تطور القدرات “الحوثية” أن الجماعة تجاوزت منذ وقت مبكر حدود “التمرد المحلي”، وأصبحت جزءاً من بنية تسليح وتكتيكات ترتبط بصراعات الإقليم وممراته الحيوية.
Loading ads...
ومع استمرار شبكات الإمداد والتهريب في رفد هذه القدرات، يبدو أن احتواء هذا التهديد لم يعد مرتبطاً فقط بمواجهة الجماعة داخل اليمن، وإنما بفهم البنية التي أوصلتها إلى هذا المستوى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

