يوم واحد
هل دخل “اقتصاد الكبتاغون” مرحلة أكثر خطورة بعد انهيار نظام الأسد؟
الأربعاء، 13 مايو 2026
أحدث تقرير لمركز “إيتانا” للأبحاث والتوثيق صورة مختلفة عمّا كان يُعرف لسنوات بوصفه “اقتصاد الكبتاغون” في سوريا، فالمشهد لم يختفِ بعد سقوط نظام بشار الأسد، لكنه خرج من طوره الصناعي الواسع إلى طور أكثر تفتتاً ومحليةً وأقلّ حمايةً وأعلى مخاطرة.
وبحسب التقرير، انخفضت محاولات التهريب عبر الحدود بنحو 40 بالمئة، لكن معدلات النجاح ارتفعت بوضوح، ما يعني أن الشبكات التي بقيت على قيد العمل أصبحت أقل عدداً وأكثر انتقائية في الحركة، وأقدر على التكيّف مع الفراغ الأمني الجديد في الجنوب السوري.
تقول “إيتانا” إن هذه ليست مجرد تبدلات تشغيلية، بل إعادة صياغة كاملة لديناميكيات التهريب بعد انهيار المنظومة التي وفّرها النظام السابق.
ولفهم حجم التحول، لا بد من العودة إلى الجذور التي صاغت هذا الاقتصاد خلال سنوات الحرب، حيث ذكر التقرير أن سوريا، في ذروة هذا المسار، تحولت إلى المركز العالمي الأبرز للكبتاغون، بحصة قُدرت بنحو 80 بالمئة من الإمدادات العالمية، وبعائدات سنوية تراوحت بين 2 و5 مليارات دولار دعمت اقتصاد الحرب الذي اعتمد عليه النظام.
ولم تكن تلك الصناعة مجرد تجارة موازية، بل بنية متشابكة من الإنتاج والتخزين والنقل والغطاء الأمني والفساد، امتدت من المصانع إلى المستودعات ثم إلى المعابر غير الرسمية والحدود مع الأردن، ومنها إلى أسواق الخليج. هذا التراكم جعل من الكبتاغون جزءاً من بنية السلطة نفسها، لا هامشاً عليها.
لكن ما حدث بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 كان، وفق القراءة الواردة في تقرير “إيتانا”، بداية تفكيك لتلك البنية لا مجرد تقليص لنشاطها، فمع انهيار النظام، شنت السلطات الجديدة والمجموعات المحلية عمليات مداهمة ومصادرة وتفكيك لمنشآت إنتاج كانت تعمل سابقاً تحت حماية مرتبطة بالنظام، وهو ما أدى إلى انكماش سريع في القدرة الصناعية على تصنيع الكبتاغون داخل سوريا.
يؤكد تقرير الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة أن السلطات السورية فككت منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024 خمسة عشر مختبراً صناعياً وثلاثة عشر موقعاً أصغر للتخزين، مع الإشارة إلى أن التصنيع الواسع للكبتاغون تعرّض لتعطيل كبير بعد التغيير السياسي، وهو لا يعني انتهاء السوق، لكنه يعني أن مركز الثقل لم يعد داخل سوريا كما كان.
الأهم في التحول، بحسب “إيتانا”، هو تبدّل أدوات التهريب نفسها، فبعد أن كانت الشبكات تعتمد على الوسطاء البشريين والطائرات المسيّرة بدرجة أساسية، انتقلت في منتصف 2025 إلى وسيلة أبسط وأقل كلفة، وهي البالونات المحمولة جواً.
هذه التقنية، كما يوضح التقرير، خففت احتمال الرصد لأنها تُطلق بعيداً عن خط الحدود المباشر، كما أنها قادرة على حمل شحنات أكبر بكثير من الدرونز، مع كلفة أدنى من عمليات التهريب التقليدية.
تربط “إيتانا” هذا التحول بواقع جديد أصبح فيه التهريب أقل تعقيداً لكنه أكثر مرونة، وأشد اعتماداً على سرعة التبدل والاختفاء، لا على السيطرة المؤسسية التي كانت متاحة في عهد الأسد.
وفي المقابل، تقلص التصنيع المحلي ليصبح الكبتاغون القادم إلى سوريا يدخل غالباً كمنتج نهائي عبر لبنان، مع كميات إضافية من الميثامفيتامين عبر العراق، ما حوّل البلاد من منتج صناعي إلى وسيط لوجستي.
كما تظهر الخرائط الجديدة للتهريب في الجنوب السوري كيف تغيّرت الجغرافيا نفسها بعد السقوط، فوفق بيانات “إيتانا”، كانت السويداء خلال الأشهر الخمسة عشر الأخيرة من حكم الأسد تمثل أكثر من 80 بالمئة من محاولات العبور إلى الأردن، مقابل 4 بالمئة فقط من البادية السورية، لكن هذه النسبة انقلبت تقريباً بعد انهيار النظام، إذ أصبح نحو 80 بالمئة من محاولات العبور ينطلق من البادية، فيما تراجعت السويداء إلى 12بالمئة فقط.
يعزو التقرير ذلك إلى الفراغ الأمني في المناطق الصحراوية وقلة السكان فيها، وإلى تبدل خريطة السيطرة بعد إغلاق قواعد التحالف، مشيراً إلى أن عدد محاولات التهريب انخفض بأكثر من 40 بالمئة خلال الأشهر الأربعة عشر التالية للسقوط مقارنة بالفترة المماثلة السابقة، لكن نسبة النجاح ارتفعت من نحو 25 بالمئة في عهد الأسد إلى 57 بالمئة بعده، ما يعني أن الشبكات أصبحت أقل كثافة وأكثر قدرة على الوصول إلى الهدف.
بالنسبة للجانب الأمني، يلفت التقرير إلى أن السلطات السورية الجديدة لم تشن حملات منهجية واسعة ضد التهريب، وأن الاعتقالات المتفرقة كثيراً ما أعقبها إطلاق سراح محتجزين، في مؤشر على محدودية القدرات وتراجع الأولوية السياسية لهذا الملف وسط تعدد الأزمات.
وإلى جانب ذلك، لا تزال الحدود السورية الأردنية، وفق “إيتانا”، تعاني ضعفاً كبيراً في الانتشار الأمني وغياب قوات حرس حدود متخصصة، ليدفع هذا الفراغ الأردن إلى مواصلة سياسة الضربات الاستباقية، إذ أفادت وكالة “رويترز” للأنباء بأن عمّان ودمشق اتفقتا في كانون الثاني/ يناير 2025 على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لمكافحة تهريب السلاح والمخدرات، بينما تواصلت الغارات الأردنية داخل جنوب سوريا خلال 2025 وبلغت ذروتها في كانون الأول/ ديسمبر 2025 ثم في أوائل أيار/ مايو 2026، مستهدفة مواقع تخزين وتحضير ونقل في السويداء وريف دمشق.
كما ذكرت تقارير لاحقة أن السلطات الأردنية واجهت في أكثر من مناسبة محاولات تهريب عبر المسيّرات والبالونات والاقتحامات المسلحة على الحدود.
على الرغم من أن بعض المؤشرات توحي بتراجع الحجم الكلي للتجارة، فإن المعنى الأعمق الذي يخرج به تقرير “إيتانا” هو أن اقتصاد الكبتاغون لم ينتهِ، بل فقد مركزه الصناعي وتحوّل إلى اقتصاد تهريب أصغر، أكثر تكيّفاً، وأشد اعتماداً على الهشاشة الحدودية والتفكك الأمني والطلب الإقليمي المستمر.
Loading ads...
وهذا ما يجعل المخاطر قائمة في الجنوب السوري وعلى الامتداد الأردني والخليجي معاً، لأن انخفاض المحاولات لا يعني بالضرورة انخفاض العائد أو الخطر، بل قد يعني فقط أن الشبكات باتت تعمل بطريقة أذكى وأخف أثراً وأكثر قابلية للبقاء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

