بجرأة وبتوسع غير مسبوق، تواصلت اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين خلال موسم قطاف الزيتون الحالي في أكثر من 100 قرية في الضفة الغربية، وشملت مهاجمة المزارعين وسرقة المحاصيل وإحراق أشجار وممتلكات وقتل مواشٍ، واقتلاع مئات أشجار الزيتون وإشعال النار في بساتين الزيتون.
وحسب بعض الإحصائيات، فقد تجاوز عدد الاعتداءات التي استهدفت موسم قطاف الزيتون 176 اعتداءً خلال الأسبوع الذي سبق 12 أكتوبر فقط، وقد شملت الاعتداءات اعتداءات على الإنسان الفلسطيني والمتضامن الأجنبي، فقد اعتدى المستوطنون على وفد يضم دبلوماسيين أوروبيين، وحطموا نافذة سيارة للقنصلية البلجيكية، وتعرض رئيس بلدية فرنسي كان مشاركاً في وفد يزور الطيبة شمال رام الله للاعتداء أيضاً.
وقال رئيس بلدية أولنوا-إيميري الواقعة شمالي فرنسا، برنار بودو، الذي كان ضمن وفد الدبلوماسيين الأجانب، إن الهجوم يُظهر تساهل حكومة إسرائيل اليمينية مع عنف المستوطنين. وأضاف أن المستوطنين ركلوه وضربوه بقضبان حديدية، وألقوا به على الأرض.
وتابع: "إن ما يصدمني هو الطابع غير المبرر لهذا العنف. لقد وصلوا وهم في حالة غضب عارمة. ويجب أن يعرف العالم بأسره ما يحدث هنا".
وفي هذا السياق، دانت بلجيكا الاعتداء على قنصلها العام والمبعوثين الآخرين، ودعت إسرائيل إلى تقديم المسؤولين عنه إلى العدالة. كما دان الجيش الإسرائيلي ما وصفه بالعمل العنيف الخطِر، وقال إنه يحقق في الحادث.
لكن ديوان رئيس الحكومة الإسرائيلي شكك فيما حدث، وأشار إلى أنه قد يكون جزءاً من حملة منسقة لتشويه سمعة إسرائيل، ودعا مكتب نتنياهو إلى "توخي الحذر قبل استخلاص الاستنتاجات" من التقارير المتعلقة بالهجوم. وقال إن الصور المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي "لا تثبت التسلسل الكامل للأحداث أو المسؤولية الفردية".
وهذا الموقف يشير إلى التوجه الإسرائيلي الرسمي الذي يوفر الغطاء لهذه الجرائم من المستوطنين، وأنه لا يوجد فرق بين حكومة الاحتلال الإسرائيلي والعصابات الاستيطانية التي تستهدف المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية.
أما هدف الاعتداء الآخر، فهو وسائل بقاء الإنسان الفلسطيني على هذه الأرض، فقد استهدف المستوطنون الأشجار والمحاصيل والمواشي والمركبات الزراعية والمدنية.
وبالتالي، يجمع المستوطنون المدعومون من حكومة وجيش الاحتلال الإسرائيلي بين الاعتداء الجسدي على المزارعين الفلسطينيين وضرب مصادر رزقهم، ويضاف إلى ذلك رفع كلفة الوصول إلى المزارع والبساتين من خلال قطع الطرق وإقامة الحواجز، فضلاً عن تخويف العائلات من الذهاب إلى أراضيها خوفاً من اعتداءات المستوطنين على أبنائها.
ولعل الهدف الثالث هو استهداف من يوثق هذه الجرائم والانتهاكات وينقلها إلى الرأي العام العالمي، فقد تعرضت مصورة صحيفة واشنطن بوست، الصحفية هايدي ليفن، للضرب والركل في أثناء تغطيتها لاعتداءات المستوطنين على المزارعين الفلسطينيين شمال رام الله خلال قطاف الزيتون، ونُقلت إلى المستشفى بحالة متوسطة الخطورة، وخضعت لعملية جراحية.
ولعل هذا الحدث يشير أيضاً إلى سعي المستوطنين لتخويف الصحفيين الأجانب ومراسلي القنوات الأجنبية من تغطية هذه الاعتداءات.
وفي ظل العلاقة الوثيقة بين منظمي هذه الاعتداءات وأحزاب إسرائيلية تشكل الائتلاف الحكومي، فإنه ليس مستبعداً أن تكون هذه التصرفات والانتهاكات قد جاءت ضمن تنسيق مع الجهات الرسمية أو وفق ضمانات بالإفلات من العقاب.
حوالي 94% من الجرائم التي ارتكبها المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية انتهت من دون لوائح اتهام، وهذه إحصائية لأكثر من عقد كامل من الانتهاكات.
واليوم، تتم مهاجمة المزارع الفلسطيني لمنعه من الوصول إلى أرضه وجعل المحصول يتضرر والأشجار تموت، ثم تتم مهاجمة المزارعين الفلسطينيين الذين يستطيعون الوصول إلى أراضيهم، وكذلك الاعتداء على الصحفيين والمتضامنين.
وفي أثناء كل هذه العمليات، التي تجاوزت في أسبوع واحد 170 اعتداءً، لم يتم تحديد المعتدين رغم توثيق هذه الاعتداءات، ولم يتم توجيه اتهامات.
ولا تعد هذه الاعتداءات جديدة، فهي اعتداءات متكررة على مدار السنوات الماضية، فقد تم توثيق 185 اعتداءً في موسم قطاف الزيتون في عام 2025، أصيب خلالها 120 شخصاً، وتضررت أكثر من 2500 شجرة زيتون حينها.
إن نمط اعتداءات المستوطنين يشير إلى عدم وجود ما قد يردعهم عن الاستمرار في المستقبل، ولذلك، في ظل عدم وجود محاسبة أو عقوبات، يُتوقع أن تستمر اعتداءات وانتهاكات المستوطنين في تحويل موسم الزيتون من موسم رزق جميل وحصاد إيجابي للمزارعين إلى موسم خوف وترهيب وحرق.
يفرض هذا الواقع ضرورة وجود تحركات تحمي الإنسان الفلسطيني والمزارع الفلسطيني، وتحمي الصحفيين والمتضامنين، وأهمية المطالبة بوجود ضغط دولي على الاحتلال والمستوطنين.
وفي هذا السياق، دان وزير الخارجية البلجيكي مكسيم بريفو هجمات المستوطنين، وقال إن على إسرائيل مسؤولية تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة. وقال: "يواجه الفلسطينيون هذا العنف كل يوم، كما يستهدف المستوطنون الصحافيين الذين يغطون هذه الأحداث والدبلوماسيين. وينبغي ألا يُعرّض جني الزيتون أو نقل الأخبار أو أداء الواجبات الدبلوماسية أي شخص لخطر التعرض لهجوم أبداً".
وأضاف: "بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، يجب على السلطات الإسرائيلية حماية الفلسطينيين، وضمان سلامة الدبلوماسيين والصحافيين، وتقديم المسؤولين عن ذلك إلى العدالة. يجب أن تنتهي حالة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها المستوطنون الذين يمارسون العنف".
لا تعد اعتداءات مواسم الزيتون حوادث معزولة تنتهي بانتهاء القطاف، بل تكشف خطورة استمرار العنف حين يغيب الردع وتغيب القدرة على تدفيع كلفة الإقدام على الانتهاكات التي يقوم بها المستوطنون من المجتمع الفلسطيني ومن المجتمع الدولي، فاستهداف المزارع وشجره ومحصوله يضغط على قدرته على البقاء، في حين يهدد الاعتداء على الصحفيين والمتضامنين إمكان توثيق الانتهاكات وكشفها.
لذلك، لا تكفي الإدانات ولا الوعود المتكررة بالتحقيق، فالمطلوب حماية فعلية للمزارعين، وضمان وصولهم الآمن إلى أراضيهم ومحاسبة المعتدين وكل من يثبت دعمه أو تسهيله لهذه الجرائم. كما تقع على المجتمع الدولي مسؤولية تحويل مواقفه إلى إجراءات قانونية وسياسية واقتصادية مؤثرة، لا الاكتفاء بالتعبير عن القلق.
Loading ads...
وفي المقابل، يبقى الصمود الفلسطيني والمقاومة ركيزتين لحماية الأرض عبر إسناد المزارعين وتوثيق الاعتداءات وتوسيع التضامن ومتابعة المساءلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

