لطالما ارتبطت كلمة "الضرائب" في أذهان كثيرين بالعبء المالي والاقتطاعات التي تقلل من دخل الأفراد والشركات، لكن خلف هذه الصورة التقليدية توجد حقيقة أكثر عمقاً: الضرائب هي أحد أهم الأدوات التي تمتلكها المجتمعات لبناء مستقبل أفضل.
الضرائب هي التي تمول المستشفيات والمدارس والبنية التحتية، وتحدد قدرة الحكومات على مواجهة الأزمات، كما أنها تلعب دوراً حاسماً في تقليص الفجوات بين الأغنياء والفقراء.
بيد أن هذه القوة التي يمكن أن تجعل العالم أكثر عدلاً تعرضت لعقود طويلة من التآكل بسبب نظام ضريبي عالمي سمح للشركات متعددة الجنسيات والأثرياء بنقل الأرباح والثروات إلى أماكن أقل خضوعاً للضرائب، ما حرم دولاً كثيرة من موارد تحتاجها بشدة لتحسين حياة مواطنيها.
ويرى أليكس كوبهام، مؤلف كتاب "ما الذي نعرفه وما الذي ينبغي أن نفعله بشأن العدالة الضريبية؟"، أن العالم يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء النظام الضريبي الدولي، عبر قواعد أكثر إنصافاً، وضرائب تصاعدية، وتعاون عالمي جديد يمكن أن يعيد للضرائب دورها كأداة لتحقيق التنمية والعدالة.
يصف كوبهام الضرائب بأنها "القوة الاجتماعية الخارقة" التي تمنح المجتمعات القدرة على العيش بشكل أفضل، فهي لا توفر الأموال فقط، بل تصنع علاقة جديدة بين الحكومات والمواطنين. فالدولة التي تعتمد على الضرائب كمصدر رئيسي للدخل تصبح أكثر ارتباطاً باحتياجات شعبها، لأنها مطالبة بتبرير كيفية إنفاق الأموال التي تجمعها.
وتقوم أهمية الضرائب على خمسة أدوار رئيسية. أولها توفير الإيرادات التي تسمح للدول ببناء مؤسسات فعالة وتمويل الخدمات العامة مثل التعليم والرعاية الصحية والنقل. أما الدور الثاني فهو إعادة التوزيع، إذ تسمح الضرائب التصاعدية بتحقيق قدر أكبر من التوازن وتقليل الفجوات الاقتصادية التي تهدد الاستقرار الاجتماعي.
أما الدور الثالث فيتمثل في إعادة تسعير الأضرار الاجتماعية، مثل فرض ضرائب على المنتجات التي تسبب أضراراً صحية أو على الانبعاثات الكربونية، بهدف دفع الأفراد والشركات إلى اتخاذ قرارات أكثر مسؤولية تجاه المجتمع والبيئة.
لكن الدور الأكثر أهمية والأقل تقديراً هو دور الضرائب في تعزيز التمثيل السياسي. فالتجارب التاريخية تظهر أن الحكومات التي تعتمد على ضرائب مواطنيها تكون عادة أكثر عرضة للمساءلة، وأكثر اهتماماً بتلبية مطالب الناس مقارنة بالحكومات التي تعتمد على مصادر أخرى مثل عائدات الموارد الطبيعية أو المساعدات الخارجية.
بمعنى آخر، العلاقة بين المواطن والحكومة لا تقوم فقط على دفع الضرائب، بل على مبدأ المشاركة: المواطن يدفع، وفي المقابل يطالب بالخدمات والشفافية والمحاسبة.
ضرائب أكثر .. إنفاق أكثر كفاءةً
تشير الدراسات إلى أن زيادة اعتماد الحكومات على الإيرادات الضريبية لا تؤدي فقط إلى توفير أموال إضافية، بل تجعل طريقة إنفاق هذه الأموال أكثر كفاءة. فالسلطات التي تعتمد على الضرائب تكون أكثر حرصاً على تحقيق نتائج ملموسة، لأنها تدرك أن المواطنين قادرون على مساءلتها.
ويظهر ذلك بشكل واضح في قطاع الصحة. فحتى عندما تكون ميزانية الصحة متساوية بين دولتين، فإن الدولة التي تعتمد بدرجة أكبر على الضرائب المباشرة غالباً ما تحقق نتائج أفضل، لأن نظامها المالي والسياسي يكون أكثر ارتباطاً بالمجتمع.
وتشمل الضرائب المباشرة ضرائب الدخل والثروة والأرباح والمكاسب الرأسمالية، وهي الأدوات الأكثر قدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية. في المقابل، فإن الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة قد يؤدي إلى زيادة الأعباء على الفئات الأقل دخلاً، لأنها تدفع نسبة أكبر من دخلها على الاستهلاك مقارنة بالأثرياء.
ولهذا فإن بناء نظام ضريبي عادل لا يتعلق فقط بجمع المزيد من الأموال، بل يتعلق بمن يدفع، وكم يدفع، وكيف تستخدم هذه الموارد لخدمة المجتمع.
فاتورة ضخمة بسبب التهرب الضريبي
على الرغم من أهمية الضرائب، فإن النظام العالمي الحالي سمح بانتشار واسع لما يعرف بالتلاعب الضريبي عبر الحدود. وتشمل هذه الممارسات نقل الشركات أرباحها إلى دول منخفضة الضرائب، أو إخفاء الأثرياء أصولهم في ملاذات ضريبية، ما يؤدي إلى خسائر هائلة للاقتصادات حول العالم.
ويقدر كوبهام أن العالم يخسر نحو نصف تريليون دولار سنوياً بسبب هذه الممارسات، وهي أموال كان يمكن أن تستخدم لتمويل المستشفيات والمدارس ومواجهة تغير المناخ وتحسين الخدمات العامة.
وفي المقابل، يمكن لفرض ضرائب وطنية على الثروات الكبرى أن يوفر أكثر من تريليوني دولار سنوياً وفق تقديرات تستند إلى نماذج ضريبية مطبقة في بعض الدول، ما يكشف حجم الموارد التي تضيع بسبب ضعف القواعد الحالية.
المشكلة ليست جديدة، إذ تعود جذور النظام الضريبي الدولي الحالي إلى قرارات اتخذت قبل نحو قرن، عندما وضعت القوى الاستعمارية قواعد أعطت الأفضلية للدول الغنية ومقار الشركات الكبرى. وعلى الرغم من تغير الاقتصاد العالمي، بقيت أجزاء كبيرة من هذه القواعد دون إصلاح جذري.
الشركات الكبرى تغيّر خريطة الأرباح
أحد أبرز مظاهر الخلل هو قدرة الشركات متعددة الجنسيات على فصل الأرباح المسجلة عن أماكن النشاط الاقتصادي الحقيقي. ففي بداية تسعينيات القرن الماضي، كانت الشركات الأمريكية الكبرى تعلن عن نحو 5% فقط من أرباحها العالمية في دول غير تلك التي تمارس فيها نشاطها الفعلي. لكن بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تجاوزت النسبة 20%، واستمرت في الارتفاع.
ولم تعد الخسائر مقتصرة على الدول النامية فقط، إذ بدأت الاقتصادات الكبرى نفسها تتأثر بهذه الممارسات. لكن تأثيرها يبقى أكثر قسوة على دول الجنوب العالمي، لأن الأموال المفقودة تمثل نسبة أكبر من ميزانياتها العامة وقدرتها على تمويل الخدمات الأساسية.
كما أن الإجراءات الدولية لمكافحة إخفاء الثروات في الخارج لم تحقق العدالة المطلوبة، إذ استفادت منها الدول الغنية بدرجة أكبر، بينما بقيت دول كثيرة في الجنوب العالمي خارج دائرة الاستفادة الحقيقية.
نحو اتفاق ضريبي عالمي جديد
أمام هذه التحديات، برزت الحاجة إلى إطار دولي جديد يضع قواعد أكثر شمولاً وعدالة. ويرى كوبهام أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التعاون الضريبي الدولي تمثل فرصة نادرة لإعادة تشكيل النظام العالمي.
ويهدف هذا الإطار إلى تعزيز الشفافية، وتبادل المعلومات بين الدول، وإعادة توزيع حقوق فرض الضرائب بحيث تحصل الدول على نصيب عادل من الأرباح الناتجة عن النشاط الاقتصادي داخل حدودها، بدلاً من تركيز القوة الضريبية في الدول التي تستضيف مقار الشركات الكبرى.
ويؤكد كوبهام أن إعادة هذه القدرة إلى الحكومات ستسمح لكل دولة بتحديد مستوى الضرائب على الدخل والأرباح والثروات بما يتناسب مع احتياجاتها، مع وجود تعاون دولي يمنع التهرب والتلاعب.
فالعدالة الضريبية لا تعني فقط جمع أموال إضافية، بل تعني بناء نظام عالمي أكثر توازناً، تستطيع فيه الدول تمويل التنمية، وتقليل الفوارق الاجتماعية، وتحسين الخدمات العامة.
الطريق نحو عالم أكثر عدلاً
بعد عقود من القواعد التي سمحت بتراكم الثروة في أيدي قلة، أصبحت إصلاحات النظام الضريبي العالمي ضرورة وليست خياراً. فالضرائب ليست مجرد أرقام في ميزانيات الحكومات، بل هي انعكاس لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأداة تحدد من يتحمل تكلفة التنمية ومن يستفيد من ثمارها.
إن إعادة بناء نظام ضريبي أكثر عدالة يمكن أن تمنح الحكومات القدرة على الاستثمار في الإنسان والبيئة والخدمات الأساسية، كما يمكن أن تعيد الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
وفي النهاية، فإن المعركة من أجل العدالة الضريبية ليست مجرد نقاش اقتصادي، بل هي معركة حول شكل العالم الذي يريد البشر العيش فيه: عالم تتراكم فيه الثروات بعيداً عن الرقابة، أم عالم تستخدم فيه الموارد لبناء مجتمعات أكثر صحة واستقراراً وإنصافاً.
Loading ads...
المصدر: موقع إل إس إي
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ثورة الضرائب .. هل يبدأ عصر العدالة المالية؟
منذ ساعة واحدة
0

20/10 .. مفتاح السيطرة على أموالك
منذ 2 ساعات
0



