من دمشق إلى حمص وصولا إلى حلب، تتبدل ملامح المدن على جانبي الطريق، وتتغير حركة الشوارع وأشكال المباني، في حين تتكرر مشاهد مألوفة عند محطات الانطلاق والوصول: نفايات متناثرة، وغبار متراكم، وأرصفة متضررة، وحفر تعترض خطوات المسافرين وهم يحملون أمتعتهم.
استوقفت هذه التفاصيل أحد المسافرين خلال رحلة برية بين المدن الثلاث، بعدما لاحظ تشابه المشكلات الخدمية في كراجات تستقبل أعدادا كبيرة من الركاب يوميا، وتشكل إحدى الواجهات الأولى التي يراها القادمون، وآخر ما يودعه المغادرون.
ويقول المسافر لموقع تلفزيون سوريا إن المشاهد التي رافقته أعادته إلى صورة مألوفة في البيوت السورية، إذ يحرص أصحاب المنازل على تنظيف عتباتها وترتيبها استعدادا لاستقبال الضيوف، متسائلا عن نصيب مداخل المدن من هذه العناية.
ومن هذه المقارنة، بدأت حكاية رحلة كشفت مشكلات تتجاوز المظهر العام للكراجات، وتطرح أسئلة عن واقع النظافة والصيانة والتنظيم، والجهات المسؤولة عن مرافق يعتمد عليها السوريون في تنقلاتهم اليومية.
بدأت الرحلة في دمشق، ولاحظ المسافر مخلفات متناثرة قرب الأرصفة، وغبارا يغطي أجزاء من الساحات، وسط حركة متداخلة للحافلات والركاب تزيد من ازدحام المكان.
ولفتت انتباهه، بين مسافرين يبحثون عن حافلاتهم وآخرين يستعدون للمغادرة، حالة بعض الممرات والأرصفة وما تحتاج إليه من عناية لتسهيل حركة الركاب، ولا سيما الذين يحملون حقائب ثقيلة أو يرافقون أطفالا وكبارا في السن.
وتكررت المشاهد بصورة مشابهة عند وصوله إلى حمص: حفر في الساحات والممرات، وأرصفة متضررة، ومخلفات متروكة في زوايا الكراج، وبدت آثار الاستخدام اليومي واضحة في المساحات المخصصة لانتظار الركاب وتنقلهم.
أما في حلب، المحطة الأخيرة، فرصد مشكلات تتعلق بتراكم القمامة والغبار وضعف تنظيم بعض المساحات، لتكتمل أمامه صورة ثلاث محطات تتباين في مواقعها والجهات المشرفة عليها، وتتقاطع في جانب من احتياجاتها الخدمية.
ويشير المسافر إلى أن بساطة بعض هذه المشكلات كانت أكثر ما أثار استغرابه، فجمع المخلفات وترحيلها يحتاج إلى متابعة منتظمة، فيما تستدعي الحفر والأرصفة المتضررة أعمال صيانة تضمن سلامة المارة وسهولة تنقلهم.
وتزداد أهمية هذه التفاصيل في مرافق يقصدها الطلاب والموظفون والعمال والعائلات، ويضطر بعضهم إلى قضاء ساعات فيها بانتظار مواعيد انطلاق الحافلات.
تتقاطع مشاهدات المسافر مع شكاوى سابقة تناولت واقع النقل البري والخدمات المقدمة للركاب، في وقت أعلنت فيه الجهات الرسمية مشاريع لتحسين البنية التحتية وتنظيم حركة النقل بين المحافظات.
ففي الثاني من حزيران 2026، أشارت وكالة الأنباء السورية (سانا) إلى واقع النقل في كراج البولمان بمدينة حمص، ودوره في ربط المحافظة بمناطق سورية مختلفة، وسط حركة يومية للمسافرين من طلاب وموظفين وعائلات.
ونقلت الوكالة آراء عدد من الركاب بشأن أجور النقل ومواعيد الرحلات وحالة الحافلات. وتحدث بعضهم عن تحسن سهولة التنقل واختصار زمن الوصول، في حين أشار آخرون إلى ارتفاع الأجور وتأخر الرحلات والحاجة إلى تجديد أسطول النقل وتحسين الخدمات المرافقة.
وإلى جانب هذه الشكاوى، يبرز واقع الساحات والأرصفة والممرات الذي رصده المسافر خلال مروره بحمص، وما يفرضه من احتياجات تتصل بسلامة الركاب وراحتهم.
ويتطلب الوصول إلى الحافلة أو الانتظار في الكراج ممرات آمنة، وأماكن جلوس مناسبة، وحاويات للنفايات، ودورات مياه صالحة للاستخدام، خصوصا في محطات تشهد حركة كثيفة على مدار اليوم.
وتتعرض هذه المرافق لضغط مستمر مع تكرار الرحلات وتوافد الركاب، ما يستدعي برامج تنظيف وصيانة دورية تواكب حجم استخدامها.
شهد عام 2026 إعلان إجراءات ومشاريع حكومية لتطوير مرافق النقل والطرق ومراكز الانطلاق، شملت إعادة تأهيل بعض المواقع وتنظيم حركة المركبات.
ففي حزيران الماضي، أعلنت محافظة دمشق نقل مركز انطلاق حافلات درعا والسويداء من منطقة باب مصلى إلى مركز جديد في شارع الثلاثين، اعتبارا من مطلع تموز، عقب إعادة تأهيله.
وبحسب "سانا"، استهدفت الخطوة تخفيف الازدحام في مراكز الانطلاق القديمة، وتوفير مساحات أوسع لاستقبال وسائل النقل وتنظيم حركتها.
وفي حمص، أطلق مجلس المدينة، في تشرين الثاني 2025، حملة متعددة المراحل لتنظيف مداخل المدينة وإعادة تأهيلها، بدأت من المدخل الجنوبي على طريق دمشق–حمص، وشملت إزالة الأتربة والأوساخ وتحسين المشهد العام.
وتعكس هذه الإجراءات اهتماما معلنا بتطوير البنية التحتية ومداخل المدن ومراكز النقل، في حين تثير المشكلات التي رصدها المسافر تساؤلات عن مدى امتداد أعمال التحسين إلى التفاصيل الخدمية داخل الكراجات، وانتظام صيانتها ونظافتها.
وترتبط جودة تجربة السفر بحالة الطرق ووسائل النقل، وبما يجده الركاب أيضا عند الوصول إلى مراكز الانطلاق، من تنظيم وسلامة ومرافق مناسبة للاستخدام.
لاحظ المسافر خلال رحلته أن جانبا من المخلفات المنتشرة في الكراجات يرتبط بسلوكيات بعض مستخدميها، إذ تترك الأكواب والعبوات والأكياس قرب الأرصفة وأماكن انتظار الحافلات، وتتراكم مع استمرار حركة الركاب.
وتبرز هنا مسؤوليات متداخلة بين مستخدمي المرافق والجهات المعنية بإدارتها، فالتزام الأفراد بالأماكن المخصصة لرمي النفايات، وتوفير حاويات كافية وتفريغها بانتظام، عوامل تسهم في الحفاظ على نظافة الكراجات.
أما الحفر والأرصفة المتضررة، فتحتاج إلى تدخل الجهات المسؤولة عن الصيانة، في حين يرتبط تنظيم حركة الحافلات والمشاة بإدارة مراكز الانطلاق والرقابة على استخدامها.
وتختلف الجهات المشرفة على مرافق النقل بحسب تبعية كل مركز وطبيعة الخدمات فيه، ما يجعل وضوح المسؤوليات وتحديد الجهات المعنية بالنظافة والصيانة والتنظيم أساسا لمعالجة المشكلات ومتابعة الشكاوى.
وسبق لموقع تلفزيون سوريا أن تناول مشكلات في قطاع النقل بحلب وريفها، بينها شكاوى سائقين في مدينة مارع من غياب الكراجات المخصصة لسيارات الأجرة، واضطرارهم إلى الانتظار في الساحات العامة ومداخل المدن، إلى جانب شكاوى من أجور الركوب وغياب مكاتب إصدار التذاكر في بعض كراجات حلب.
وتكشف هذه الشكاوى جوانب متعددة من التحديات التي تواجه القطاع، بدءا من تنظيم مراكز الانطلاق والرحلات والأجور، وصولا إلى صيانة المرافق وتحسين الخدمات والرقابة عليها.
استحضر المسافر خلال تنقله بين دمشق وحمص وحلب صورة المطارات التي تحظى عادة باهتمام في أعمال التأهيل وتحسين المرافق، بوصفها واجهات تستقبل القادمين إلى البلاد.
ومن هذه المقارنة، رأى أن كراجات النقل البري تؤدي دورا مماثلا على مستوى التنقل الداخلي، فهي تستقبل القادمين إلى المدن، وتودع المغادرين منها، وتشهد يوميا حركة لفئات واسعة من السوريين.
ويلتقي في هذه المحطات طلاب يتنقلون بين جامعاتهم ومنازلهم، وعمال وموظفون يسافرون لأسباب مهنية، وعائلات تقصد أقاربها، ومرضى يتوجهون إلى محافظات أخرى لتلقي العلاج.
وتتطلب خدمة هؤلاء مرافق تستجيب لاحتياجاتهم المختلفة، من سهولة الوصول إلى الحافلات وتوافر أماكن انتظار مناسبة، إلى سلامة الممرات ونظافة دورات المياه ووضوح اللوحات الإرشادية وتنظيم حركة المركبات والركاب.
ويشير المسافر إلى أن حالة الكراج تظهر منذ اللحظات الأولى للوصول إليه، عبر نظافة ساحاته وسلامة أرضياته وتنظيم ممراته، وهي تفاصيل تترك انطباعا مباشرا عن مستوى العناية بالمرفق.
وتتفاوت متطلبات التحسين بحسب طبيعة المشكلة، فالنفايات المتناثرة تستدعي انتظام التنظيف والترحيل، والأرصفة والحفر تحتاج إلى أعمال صيانة ومخصصات مالية، في حين يتطلب تنظيم الحركة متابعة إدارية ورقابة مستمرة.
انتهت رحلة المسافر عند وصوله إلى حلب، بعدما بدأت من دمشق ومرت بحمص، وبقيت في ذاكرته مشاهد متشابهة من المحطات الثلاث، تطرح تساؤلا عن مستوى العناية بمرافق يعبرها آلاف السوريين، ويعتمدون عليها في تنقلاتهم بين المحافظات.
وفي ختام الرحلة، يعود إلى صورة عتبات المنازل التي يحرص أصحابها على تنظيفها وترتيبها لاستقبال ضيوفهم، مقارنا بينها وبين مداخل المدن التي تستقبل المسافرين وتودعهم كل يوم، فالكراج - في نظره - عتبة المدينة التي تتشكل عندها انطباعات القادمين الأولى، وتبقى صورتها الأخيرة في ذاكرة المغادرين.
وتكشف المشاهدات بين دمشق وحمص وحلب حاجة هذه المرافق إلى عناية خدمية منتظمة، تبدأ بإزالة النفايات ومعالجة الحفر وتأهيل الأرصفة والممرات، وتمتد إلى تحسين التنظيم والرقابة، وهي مسؤوليات تتطلب إجراءات واضحة ومتابعة فعلية، بما يضمن سلامة المسافرين وراحتهم، ويجعل مستوى الخدمات متناسبا مع أهمية هذه المحطات وحجم استخدامها.
وربما يكون رصيف نظيف، وساحة منظمة، وممر خال من الحفر، أبلغ في استقبال القادمين من لافتة كبيرة تحمل أجمل عبارات الترحيب.
Loading ads...
وهكذا تنتهي الرحلة بين ثلاث مدن، ويبقى العتاب واحدا: للمدن عتبات كالبيوت، وما أقسى أن تكون عتبتها سببا في أوّل عتاب!
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

