مرّ عام واحد فقط على معركة "ردع العدوان"، لكنه بدا كأنه عقد كامل من التحوّلات بالنسبة للبنان. لم يكن هذا الحدث مجرّد محطة إقليمية كبرى، بل زلزالاً ارتدّت هزّاته مباشرة على بلد يعيش أصلاً فوق خطوط تصدّع سياسية وطائفية واقتصادية، ولبنان الذي كان دائم التأثر بسوريا أكثر مما يريد، ويتورّط في تحولاتها أكثر مما يحتمل، ويعجز عن الفصل بين مصيره ومصيرها مهما حاول أن يقنع نفسه بالعكس.
لكن ومع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى الرئاسة في دمشق، ثم بدء إعادة تشكيل بنية الدولة السورية من الصفر تقريباً، صار على لبنان أن يعيد ترتيب علاقته بالجغرافيا التي ظلّت لعقود تشكل سقفاً أمنياً وسياسياً لملفه الداخلي، على اعتبار أن الجغرافيا "قدر" من الصعوبة التملص منها.
في هذا العام، لم يتغيّر لبنان مباشرة، لكن أشياء كثيرة تحرّكت في داخله، بعضها إلى الأفضل، وبعضها نحو توتّرات جديدة.
وفي استعراض للمواقف السياسية بالتزامن مع انطلاق ردع العدوان، يمكن العودة لخطاب حزب الله، حيث استعاد خطاب "الممانعة" في لبنان نبرته التقليدية، تلك اللغة التي تتغذّى على الخوف. حاول أن يصنع من المعركة قصة عن "تكفيريين" يعودون إلى المسرح، وعن مؤامرة تستهدف العمق اللبناني، وعن ضرورة أن يبقى حزب الله متيقظاً لأنه الحامي الوحيد في وجه هذه الرياح.
وبدا المشهد كأن الحزب يريد أن يعيد إنتاج لحظة 2013، يوم كانت المعركة في سوريا ذريعة لبناء حالة طوارئ داخلية. لكن الفرق الجوهري أن الجمهور اللبناني اليوم ليس جمهور الأمس. الناس أنهكتهم الأزمات، ولم تعد سرديات الخطر التكفيري تنجح في حشد الخوف كما كانت تفعل. كل ما يرونه هو بلد متعب، لا يحتاج إلى أعداء جدد، بل إلى دولة تحفظ ما تبقّى من حياته اليومية.
راحت العلاقة اللبنانية – السورية تدخل منحى جديداً أهدأ بكثير مما عرفه لبنان طوال عقود.
في المقلب الآخر، وجدت الأحزاب اليمينية في ردع العدوان، بلحظته الأولى فرصة مثالية لتحريك مارد الهواجس الطائفية حول ملف اللاجئين. فالسقوط المفاجئ، وإن لم يرافقه نزوح واسع إلى لبنان، تحوّل في خطابهم إلى نذير كارثة ديموغرافية جديدة. وكأن العملية في ريف حلب تعني تلقائياً أن آلاف السوريين سيعبرون الحدود غداً. هذه القوى أعادت تصوير اللاجئ كخطر أمني ووجودي، لا كملف اجتماعي – اقتصادي يحتاج إدارة عقلانية. وبهذا المعنى، شكّل العام الماضي فرصة لإعادة شدّ عصب قاعدتها الشعبية عبر استحضار نفس الخطاب الذي بُني عليه حضورها السياسي خلال العقد الأخير. لقد بدا وكأن سقوط الأسد لم يسقط معه سرديات الخوف في لبنان، بل أحياها من جديد.
لكن الفئة الأكثر ارتباكاً أمام ما جرى كانت تلك التي أمضت عقداً كاملاً تروّج لصورة النظام السوري القوي الذي لا يسقط، ثم وجدت نفسها فجأة تواجه نهاية الرواية. لجأ حلفاء الأسد في لبنان إلى تفسير مُعتاد، أن ما جرى كان نتيجة ضغط إسرائيلي مباشر، وأنه امتداد لتهديدات نتنياهو بأن "الأسد يلعب بالنار". بدا التفسير وكأنه محاولة لتخفيف وطأة الهزيمة لا أكثر.
فالسقوط لم يكن يحتاج قراءة أكبر من مشهد دولة أنهكها الفساد، وحليف إقليمي منهك هو إيران، وجيش غير قادر على الاستمرار. ومع مرور الأشهر، تراجعت تلك الرواية تدريجياً إلى الخلف، وبدأ بعض الذين تبنّوها يقتربون بحذر من دمشق الجديدة، وكأنهم يخشون أن يُضبطوا في موقع الخاسر في زمن تتغيّر فيه التحالفات.
وفي المقابل، راحت العلاقة اللبنانية – السورية تدخل منحى جديداً أهدأ بكثير مما عرفه لبنان طوال عقود. الرئيس أحمد الشرع، منذ أسابيعه الأولى في الحكم، تعمّد إرسال إشارات واضحة إلى بيروت، لسنا قوة وصاية، ولا تدخل، ولا إعادة إنتاج لنموذج النفوذ الذي مارسه النظام الأسدي على لبنان.
بدا الرجل متصالحاً مع فكرة أن سوريا الجديدة بحاجة أولاً إلى تثبيت أقدامها داخلياً قبل الالتفات إلى محيطها، وأن علاقتها بلبنان يجب أن تعود إلى شكلها الطبيعي، دولتان على حدود واحدة، لا مظلة فوق واحدة منهما. هذا الخطاب أعطى لبنان الرسمي شيئاً من الطمأنينة، لكنه لم يلغِ التعقيدات الموروثة، من ملف الموقوفين، إلى المعابر والتهريب، إلى ملف اللاجئين، وصولاً إلى النقاط الحدودية غير المحسومة. ومع ذلك، ساد شعور عام بأن الحقبة التي كان فيها لبنان ساحة خلفية لدمشق قد انتهت فعلاً.
غير أن المفارقة الأكثر حساسية في العام المنصرم كانت تحوّل لبنان إلى ملاذ غير معلن لبعض ضباط الفرقة الرابعة الهاربين من سوريا. هؤلاء الذين شكّلوا العمود الأمني للنظام السابق، وجدوا في لبنان مساحة لالتقاط الأنفاس والاختباء من مستقبل مجهول في دمشق الجديدة. لكن وجودهم لم يبقَ سرّاً طويلاً. فصدور مذكرات توقيف فرنسية بحق بعضهم جعل من الملف عبئاً سياسياً ودبلوماسياً على بيروت، التي وجدت نفسها بين مطرقة التعاون القضائي مع باريس، وسندان رغبتها في عدم إظهار نفسها كأنها تستثمر في الانتقام من رموز النظام السابق. كان المشهد أقرب إلى ورطة مفتوحة، الدولة لا تريد احتضان هؤلاء، لكنها في الوقت نفسه لا تملك بنية قانونية وأمنية تسمح بتحويل وجودهم إلى قضية واضحة المعالم.
إذا كان العام الماضي قد علّم لبنان شيئاً، فهو أن سقوط نظام في دولة مجاورة لا يعني بالضرورة سقوط الخطابات المرتبطة به.
بعد عام على السقوط، لا يمكن القول إن لبنان تغيّر كلياً. لكنه حتماً لم يبقَ كما كان. النفوذ السوري الذي كان يمرّ عبر قنوات الأمن والقهر تراجع، والخطاب الممانع لم يعد يمتلك نفس القدرة على تعبئة الجمهور، واليمين البنيوي وجد في هذا الحدث مادة جديدة لتغذية خطابه. أما العلاقة مع دمشق الجديدة، فهي ما تزال في طور اختبار النوايا المتبادلة، بينما الملفات العالقة تنتظر تفاوضاً هادئاً قد يطول.
المؤكّد أن لبنان يعيش اليوم في مساحة رمادية، يتأثر بسوريا لكنه لم يعد ساحة لها، ويخاف من ارتداداتها لكنه لم يعد يعيش تحت ظلها الكامل.
وهذه ربما المرة الأولى منذ زمن طويل التي يجد فيها اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد سوري يعيد تشكيل نفسه.. من دون أن يكون للبنان فيه أي دور أو كلفة مباشرة. لكنه أيضاً مشهد يذكّرهم بأن بلدهم ما زال هشّاً بما يكفي كي تهزّه الأحداث من وراء الحدود، حتى لو تغيرت الأسماء والوجوه.
Loading ads...
وإذا كان العام الماضي قد علّم لبنان شيئاً، فهو أن سقوط نظام في دولة مجاورة لا يعني بالضرورة سقوط الخطابات المرتبطة به. بعضها يستمر، وبعضها يتهالك، وبعضها يتكيّف. أما لبنان، فيبقى عالقاً بين ما يريد أن يكونه، وما تفرضه عليه جغرافيا لا تتغيّر… حتى عندما يتغيّر كل شيء فوقها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





