في عالم ريادة الأعمال، يُنظر إلى المؤسس الذي يعمل بلا توقف على أنه نموذج للنجاح؛ أول الواصلين إلى المكتب، وآخر المغادرين، وصاحب القرار الذي لا تتحرك الشركة من دونه.
لكن هذه الصورة، التي تبدو ملهمة للوهلة الأولى، قد تخفي واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة.
كلما ازداد اعتماد الشركة على مؤسسها، تقلصت فرص نموها وارتفعت مخاطرها وانخفضت قيمتها السوقية، حتى يصبح صاحبها أسيراً لمشروع أنشأه بحثاً عن الحرية، فإذا به يتحول إلى أكثر موظفيه انشغالاً وأقلهم قدرة على الابتعاد عنه.
هذا الإدراك لا يأتي عادة في لحظة نجاح، بل بعد سنوات من العمل المتواصل. فالكثير من رواد الأعمال يقضون أعواماً طويلة وهم يعتقدون أن وجودهم الدائم ضرورة لبقاء الشركة، وأن غيابهم، ولو لأيام قليلة، قد يؤدي إلى خسارة العملاء أو انهيار الصفقات.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه القناعة إلى نمط حياة يفرض عليهم السفر المستمر، والعمل لساعات طويلة، والتضحية بالمناسبات العائلية والإجازات، تحت شعار أن هذه المرحلة "مؤقتة".
غير أن المؤقت غالباً ما يصبح دائماً، ويكتشف المؤسس بعد سنوات أنه لم يبنِ مؤسسة مستقلة، بل صنع منظومة لا تستطيع العمل من دونه.
ويبرز هذا التناقض بصورة لافتة عندما يقارن بعض المؤسسين أنفسهم برواد أعمال نجحوا في بناء شركات عالمية. فمن المفارقات أن مؤسس شركة صغيرة قد يرفض إجازة قصيرة لأنه يعتقد أن شركته لن تصمد في غيابه، بينما يستطيع مؤسس إمبراطورية عالمية الابتعاد أياماً أو أسابيع دون أن يتأثر سير أعماله. والسبب ليس حجم الشركة، بل طريقة بنائها.
الفرق الحقيقي يكمن في أن الشركات الناجحة تُدار عبر أنظمة واضحة وفرق تمتلك صلاحيات اتخاذ القرار، بينما تعتمد الشركات الأخرى على شخص واحد يمثل "نقطة الفشل الوحيدة". فإذا غاب تعطلت القرارات، وتأجلت الاجتماعات، وتوقفت الموافقات، وكأن المؤسسة بأكملها تدور حول فرد واحد.
ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين الثراء والحرية. فكثير من أصحاب الشركات يركزون على تحقيق الأرباح وزيادة الإيرادات، لكنهم يغفلون أن الثروة وحدها لا تعني امتلاك الوقت أو القدرة على الابتعاد عن العمل.
وقد يحقق صاحب الشركة ملايين الدولارات سنوياً، لكنه يظل مرتبطاً بهاتفه ورسائل بريده الإلكتروني واجتماعاته اليومية، فلا يستطيع السفر أو التفرغ لعائلته أو حتى الحصول على إجازة حقيقية.
في الواقع، لا يبني كثير من رواد الأعمال شركة بالمعنى المؤسسي، بل يؤسسون وظيفة تحمل شعاراً تجارياً. ثم يصبحون أغلى موظف فيها، وأكثرهم ضغطاً، والأقل قابلية للاستبدال.
لا تعمل الشركة بفضل أنظمتها، وإنما بفضل وجود صاحبها في كل تفصيلة، من التفاوض مع العملاء إلى اعتماد القرارات اليومية.
القيمة المالية للشركة
ولا تقتصر آثار هذا النموذج على فقدان الحرية الشخصية، بل تمتد إلى القيمة المالية للشركة نفسها.
لا ينظر المستثمر أو المشتري المحتمل فقط إلى حجم الأرباح، وإنما إلى قدرة الشركة على الاستمرار بعد خروج مؤسسها. فإذا كانت جميع العلاقات والقرارات والخبرات متركزة في شخص واحد، فإن قيمة الشركة تنخفض بشكل ملحوظ، لأن المشتري يدرك أنه يشتري وظيفة تعتمد على صاحبها أكثر مما يشتري مؤسسة مستقلة.
في المقابل، ترتفع قيمة الشركات التي تمتلك هيكلاً إدارياً واضحاً، وأنظمة تشغيل مستقرة، وفرقاً قادرة على إدارة العمل دون تدخل مباشر من المؤسس. ففي بعض القطاعات، قد تُقيَّم الشركة المعتمدة على مؤسسها بما يعادل ضعفين أو ثلاثة أضعاف أرباحها السنوية، بينما تصل قيمة الشركة القابلة للعمل بشكل مستقل إلى خمسة أو سبعة أضعاف أرباحها، وربما أكثر.
وهذا يعني أن شركة تحقق مليوني دولار أرباحاً سنوية قد تتراوح قيمتها بين أربعة ملايين و14 مليون دولار، ليس بسبب اختلاف الأرباح، وإنما بسبب اختلاف درجة اعتمادها على مؤسسها.
لكن إذا كانت الفوائد واضحة، فلماذا لا يتراجع المؤسسون خطوة إلى الخلف؟
الإجابة غالباً لا ترتبط بضعف الفريق أو نقص الوقت، بل بالخوف، وهو خوف يتخذ عدة صور.
أولى هذه الصور الاعتقاد بأن أحداً لن يؤدي العمل بالجودة نفسها التي يقدمها المؤسس. وقد يكون ذلك صحيحاً في المراحل الأولى، لكن الهدف ليس الوصول إلى الكمال، بل إلى مستوى أداء يسمح للشركة بالنمو والاستمرار دون الحاجة إلى وجود المؤسس في كل اجتماع وكل قرار.
أما الصورة الثانية فهي الاعتقاد بأن العملاء لا يريدون سوى التعامل مع المؤسس شخصياً.
والحقيقة أن معظم العملاء يبحثون عن نتائج جيدة وخدمة موثوقة، بينما يكون ارتباطهم بالمؤسس نتيجة طبيعية لاعتياد الشركة على تقديمه باعتباره نقطة الاتصال الوحيدة.
ومع انتقال العلاقة تدريجياً إلى أعضاء الفريق، يكتشف كثير من أصحاب الشركات أن غالبية العملاء يتأقلمون سريعاً طالما بقي مستوى الخدمة ثابتاً.
الخوف الثالث يتمثل في القلق من أخطاء الموظفين. فلا شك أن الأخطاء ستقع، لكنها جزء طبيعي من عملية التعلم. وجميع المؤسسين أنفسهم تعلموا من خلال التجربة والخطأ، وبالتالي فإن منع الفريق من تحمل المسؤولية خوفاً من الأخطاء يعني بقاء الشركة رهينة لشخص واحد إلى الأبد.
أما السبب الأعمق، فهو ارتباط هوية المؤسس بالشركة. إذ يشعر بعض أصحاب الأعمال أن قيمتهم الشخصية مستمدة من كونهم الشخص الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وأن نجاح المؤسسة في العمل من دونهم قد ينتقص من أهميتهم. غير أن هذه الفكرة تخالف الواقع؛ فالعائلة والأصدقاء لا يقيسون قيمة الإنسان بحجم أرباحه أو بهوامش الربح التي يحققها، بل بما يمثله في حياتهم.
وفي المقابل، لا تتردد الشركة في استهلاك كل ما يستطيع المؤسس تقديمه. فهي تستنزف وقته، وعطلاته، وصحته، وعلاقاته الأسرية والاجتماعية، ولن تكافئه على ذلك، لأنها في النهاية كيان اقتصادي لا يملك مشاعر الامتنان.
وللخروج من هذه الدائرة، يمكن البدء بإجراء مراجعة عملية لتحديد نقاط الاختناق داخل الشركة.
ويقوم ذلك على تسجيل جميع المهام التي ينفذها المؤسس خلال يوم عمل كامل، ثم طرح ثلاثة أسئلة على كل مهمة: هل يستطيع شخص آخر القيام بها؟ وهل سبق تدريب أحد عليها؟ وهل مُنح بالفعل فرصة تنفيذها بصورة مستقلة؟
غالباً ما يكتشف المؤسس أن المشكلة لا تكمن في غياب التدريب، وإنما في غياب الثقة. فكثير من أصحاب الشركات يدرّبون فرقهم، لكنهم يستمرون في مراجعة كل قرار، وحضور كل اجتماع، واعتماد كل خطوة. وتبقى المسافة بين "تدريب الفريق" و"منحه الاستقلالية" هي المساحة التي يختبئ فيها الخوف الحقيقي.
ولهذا، ينصح بتحديد أكثر ثلاث مهام يصعب التخلي عنها، ثم نقل مسؤوليتها بالكامل إلى أعضاء الفريق خلال فترة زمنية محددة، مع الامتناع عن التدخل أو المراجعة اليومية، والاكتفاء بتقييم النتائج بعد مرور شهر. فهذه الخطوة لا تختبر كفاءة الفريق فحسب، بل تختبر أيضاً استعداد المؤسس للتخلي عن دوره التقليدي.
في النهاية، لا يكون التحدي الأكبر أمام رواد الأعمال هو المنافسون أو نقص التمويل أو حتى أخطاء التوظيف، بل قدرتهم على التحرر من الاعتقاد بأن الشركة لا تستطيع العيش من دونهم.
الهدف الحقيقي من تأسيس أي مشروع ليس العمل بلا نهاية، وإنما بناء مؤسسة تمنح صاحبها الحرية، لا أن تحوله إلى أكثر موظفيها انشغالاً.
Loading ads...
وعندما يصبح المؤسس قادراً على الابتعاد بينما تواصل الشركة نموها بثقة، يمكن عندها القول إنه لم يعد يمتلك وظيفة تحمل شعاراً تجارياً، بل شركة حقيقية قادرة على الاستمرار والازدهار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الأسواق الأمريكية في عطلة رسمية
منذ ساعة واحدة
0

العمل بلا توقفٍ .. فخ مؤسسي الشركات
منذ ساعة واحدة
0



