3 دقائق
استنزاف أم إرباك.. لماذا يكرر الحوثيون استهداف معسكرات التدريب الحكومية؟
الخميس، 5 نوفمبر 2026
تكشف الهجمات الصاروخية المتكررة التي تنفذها جماعة أنصار الله (الحوثيين) على معسكرات التدريب والتجمعات العسكرية التابعة للقوات الحكومية والتشكيلات التابعة لها عن تحول متكرر ولافت في طبيعة الاستهداف، يتجاوز التركيز على مواقع المواجهة المباشرة إلى ضرب مراكز إعداد المقاتلين ورفد الجبهات بعناصر جديدة، بما يفتح جبهة استنزاف إضافية للقوات المناوئة للجماعة.
وبرز هذا النمط أمس الأربعاء في استهداف معسكر العللة بمنطقة مريس في محافظة الضالع، وهجوم سبقه بنحو أسبوعين على معسكر بمنطقة العلم في محافظة شبوة، حيث طالت الضربات تجمعات للمجندين وأسفرت عن سقوط المئات قتلى وجرحى، في توقيت تزامن مع وجود أعداد كبيرة من الأفراد داخل المعسكرات.
وتكتسب هذه الهجمات أهميتها من طبيعة الأهداف وتوقيت استهدافها؛ فهي لا تضرب مواقع عسكرية تقليدية على خطوط التماس فحسب، بل مراكز يُفترض أن تسهم في بناء القدرات البشرية والتنظيمية للقوات الحكومية بما فيها التشكيلات الجنوبية، مما يجعل تداعياتها المحتملة تتجاوز الخسائر البشرية إلى التأثير في عمليات التجنيد والتدريب وإعادة الانتشار.
ويمثل استهداف معسكرات التدريب أحد أنماط الحرب غير المتكافئة، إذ يتيح للطرف المهاجم إيقاع خسائر في تجمعات بشرية دون الاضطرار إلى خوض اشتباكات برية مباشرة أو التقدم نحو المواقع المستهدفة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الضربات الحوثية محاولة لإضعاف خطوط الإمداد البشري للقوات الحكومية، عبر استهداف المجندين في مرحلة التدريب والتأهيل، وقبل توزيعهم على الوحدات العسكرية أو الدفع بهم إلى جبهات القتال.
وتتضاعف أهمية هذا التكتيك في ظل تعدد التشكيلات العسكرية المناوئة للحوثيين، وما يُوصف بأنه تباين في تبعيتها القيادية، ومساعي إعادة تنظيمها ورفدها بمقاتلين جدد. فإيقاع خسائر في معسكرات التجنيد والتدريب قد يربك خطط بناء هذه القوات، ويؤخر انتقال الأفراد من مرحلة التأهيل إلى الانتشار الميداني.
كما يحمل استهداف المجندين الجدد بعدا نفسيا ومعنويا، إذ يبعث برسالة مفادها أن الالتحاق بالتشكيلات العسكرية لا يوفر بالضرورة الحماية من الضربات الصاروخية، حتى في المواقع الواقعة خلف خطوط المواجهة.
ويثير تكرار استهداف معسكرات تضم تجمعات عسكرية في أوقات معروفة تساؤلات بشأن مستوى الاختراق الاستخباراتي والأمني، وقدرة الحوثيين على تحديد مواقع التجمعات ومواعيد الأنشطة داخلها، ومدى فاعلية التدابير المتخذة لحماية هذه المنشآت.
وفي هذا السياق، يرجّح الخبير العسكري والإستراتيجي اليمني العميد علي الذهب وجود اختراق استخباراتي في المعسكرات المستهدفة، معتبرا أن تكرار الهجمات رغم إمكانية وجود إجراءات أمنية يشير إلى خلل في منظومة الحماية وتداول المعلومات داخل التشكيلات العسكرية.
ويقول الذهب إن معرفة الحوثيين بمواعيد تجمع المجندين، ولا سيما أوقات الطابور الصباحي ووجبات الطعام، تثير شكوكا بشأن تسرب المعلومات المتعلقة بالأنشطة اليومية للمعسكرات، سواء عبر "الاتصالات المخترقة" أو ضعف الانضباط الأمني لدى بعض الأفراد.
ويوضح أن المجندين الجدد قد يسهمون "من دون إدراك منهم أو بحسن نية بينهم، في تسريب معلومات عن مواقعهم ومواعيد تجمعاتهم"، من خلال التواصل مع زملائهم أو تبادل الرسائل عبر تطبيقات التواصل مثلا، بما يتيح وصول تفاصيل التحركات والأنشطة إلى الطرف الآخر.
ولا يستبعد الذهب أن تكون لدى الحوثيين وسائل تقنية واستخباراتية تتيح لهم مراقبة التجمعات العسكرية، مستفيدين من قرب بعض مواقعهم من المعسكرات المستهدفة وقدرتهم على جمع المعلومات بوسائل مختلفة.
ويكتسب هذا التقدير أهمية بالنظر إلى أن تحديد توقيت وجود أعداد كبيرة من المجندين داخل المعسكرات قد يكون عاملا حاسما في رفع فاعلية الضربات، وتقليل الحاجة إلى تنفيذ هجمات متكررة لتحقيق خسائر بشرية كبيرة.
وإلى جانب الاختراق الاستخباراتي المحتمل، يلفت الذهب إلى محدودية القدرات الدفاعية لدى القوات المستهدفة، مشيرا إلى أنها لا تمتلك، وفق تقديره، منظومات دفاع جوي متطورة وقادرة على التصدي بفاعلية للصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويصف ما يتوافر لديها من قدرات دفاع جوي بأنه غير كاف، بما يحد من قدرتها على اعتراض التهديدات الجوية، ويجعل المعسكرات والتجمعات العسكرية عرضة للاستهداف، حتى مع وجود تدابير أمنية مسبقة.
ويكشف هذا التقدير عن جانبين متداخلين في معادلة الاستهداف؛ أولهما قدرة الحوثيين على جمع معلومات عن الأهداف وتوقيت وجود الأفراد فيها، وثانيهما محدودية وسائل الإنذار والاعتراض لدى القوات المقابلة.
وبالتالي، فإن معالجة هذه الثغرات لا تقتصر على تعزيز التحصينات أو تشديد الإجراءات الأمنية داخل المعسكرات، بل تتطلب أيضا إعادة تنظيم الاتصالات العسكرية، وضبط تداول المعلومات، ورفع مستوى الوعي الأمني لدى المجندين، إلى جانب تطوير وسائل الرصد والإنذار المبكر والحماية من الهجمات الجوية.
يتجاوز استهداف معسكرات التدريب البعد العسكري المباشر إلى رسائل سياسية موجهة إلى مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومن خلفه التحالف، مفادها أن إعادة تشكيل القوات وتوسيع عمليات التجنيد والتدريب لا يمكن أن تتم بمعزل عن التهديد الصاروخي الحوثي.
كما يحمل استهداف معسكر تدريب في شبوة أهمية تتجاوز الموقع العسكري، بالنظر إلى مكانة المحافظة في الخريطة الاقتصادية اليمنية، واحتضانها موارد نفطية وغازية ومنشآت ذات أهمية إستراتيجية.
ومن ثم، فإن توسيع نطاق الاستهداف إلى هذه المحافظة يمكن أن يندرج ضمن مسعى لإظهار القدرة على تهديد مناطق تتجاوز خطوط التماس التقليدية، وإبقاء الضغط العسكري قائما على مناطق نفوذ الحكومة ومصادر قوتها الاقتصادية.
وعلى المستوى السياسي، قد يسهم استعراض القدرة الصاروخية في تعزيز موقف الحوثيين التفاوضي، خصوصا في الملفات الاقتصادية والمالية المرتبطة بالرواتب والموارد النفطية وترتيبات تقاسم الإيرادات. غير أن ربط الهجمات بهدف تفاوضي محدد يظل احتمالا تحليليا ما لم تقترن به رسائل سياسية أو مطالب معلنة من الجماعة.
ودأبت جماعة الحوثيين، مع كل هجوم من هذا النوع أو غيره، على القول إن ضرباتها تستهدف ما تصفه بـ"تحشيدات العدو" والتجمعات العسكرية للقوات المناوئة لها، في محاولة لتقديم تلك الهجمات باعتبارها ردا على التحركات والتعزيزات العسكرية المقابلة.
وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي حسين البخيتي، في تصريح سابق للجزيرة، عقب القصف الصاروخي الذي استهدف معسكر العلم بمحافظة شبوة، إن الهجوم استهدف موقعا عسكريا وتجمعات للتجنيد داخل المعسكر، معتبرا أنه يأتي ردا على التحشيدات والتعزيزات العسكرية الموجهة ضد القوات التابعة للحوثيين.
وأضاف البخيتي أن جهات عسكرية تابعة للجماعة كانت قد أطلقت تحذيرات مسبقة من عمليات التجنيد في المعسكرات الواقعة جنوبي اليمن وشرقيه، في إشارة إلى أن الجماعة تنظر إلى عمليات استقطاب المجندين وتجميعهم في تلك المواقع باعتبارها جزءا من التحركات العسكرية ضدها، ومبررا لاستهدافها.
وسبق أيضا أن أعلن الحوثيون أن استهدافهم المتكرر خلال الأسابيع الماضية لمطار عدن الدولي ومعسكر بدر المجاور، بزعم وجود مواقع وغرف عمليات وإمدادات عسكرية تابعة للقوات الحكومية والتحالف.
في المقابل، ترفض الحكومة اليمنية هذه المبررات وتصفها بالذرائع الواهية، معتبرة أن التصعيد يستهدف إرباك عملها في العاصمة المؤقتة عدن، وتهديد حركة الطيران المدني وسلامة المسافرين المدنيين.
وتطرح الهجمات المتكررة تساؤلات بشأن استمرار امتلاك الحوثيين قدرات صاروخية تتيح لهم استهداف مواقع عسكرية بعيدة نسبيا عن خطوط المواجهة، والمحافظة على قدرتهم على المبادرة الهجومية رغم الضربات الجوية المتكررة والضغوط العسكرية.
فقدرة الجماعة على تنفيذ ضربات متكررة ضد أهداف عسكرية في محافظات عدة تشير إلى أن قدراتها الهجومية لم تُشل بالكامل، وأنها لا تزال قادرة على توظيف "ترسانتها الصاروخية" ضمن تكتيكات تستهدف إرباك خصومها وإيقاع خسائر بشرية ومعنوية.
لكن هذه الهجمات لا تكفي وحدها لتحديد حجم الترسانة المتبقية أو مدى تطور قدراتها التصنيعية والتشغيلية، كما لا تثبت بالضرورة أن الضغوط العسكرية الحالية لم تؤثر في قدراتها.
والأهم أن استهداف المعسكرات يوفر للجماعة فرصة لتحقيق تأثير عسكري ونفسي دون الحاجة إلى تغيير خطوط السيطرة على الأرض، وهو ما يجعل الصواريخ أداة ضغط واستنزاف تتجاوز وظيفتها التدميرية المباشرة.
كما أن من المرجح أن تترك الهجمات المتكررة آثارا على البيئة الاجتماعية المحيطة بعمليات التجنيد، خصوصا إذا تكررت الخسائر في صفوف المجندين الجدد، وأصبحت المعسكرات ومراكز التدريب مرتبطة في الوعي العام بمخاطر الاستهداف الصاروخي.
فاستهداف الأفراد قبل التحاقهم الفعلي بالجبهات قد يضعف حماسة بعض الشباب للانخراط في التشكيلات العسكرية، ويزيد تحفظ الأسر على إرسال أبنائها إلى معسكرات التدريب.
وفي الوقت نفسه، قد تتصاعد الضغوط الشعبية والسياسية على القيادات العسكرية لتفسير أوجه القصور التي سمحت بتكرار استهداف تجمعات الجنود، ومراجعة إجراءات الأمن والحماية داخل المعسكرات.
وقد تفضي هذه الضغوط إلى فتح تحقيقات عسكرية ومراجعة المسؤوليات القيادية، وربما تغييرات في بعض المواقع، خصوصا إذا ثبت وجود إهمال في تقدير التهديدات أو عدم الالتزام بإجراءات الحماية.
وتكشف الهجمات الصاروخية على معسكرات التدريب بما فيها ما حدث مؤخرا، في الضالع وقبله في شبوة عن اتساع نطاق الاستهداف العسكري لدى الحوثيين، بحيث لم تعد المعسكرات الخلفية بمنأى عن المواجهة، وأصبحت عملية إعداد المقاتلين نفسها جزءا من ميدان الصراع.
وتضع هذه الهجمات القوات الحكومية أمام تحديين متوازيين: مواصلة بناء قدراتها البشرية والعسكرية، ومعالجة الثغرات الاستخباراتية والأمنية التي تجعل تجمعات المجندين عرضة للهجمات الصاروخية.
وفي المقابل، يمنح هذا النمط من العمليات الحوثيين وسيلة لاستنزاف خصومهم وإرباك خططهم العسكرية، حتى دون تحقيق تقدم ميداني أو تغيير في خريطة السيطرة.
وبذلك، فإن خطورة هذه الهجمات لا تكمن في حصيلتها البشرية وحدها، بل في استهدافها أحد أهم مقومات استمرار القوات وقدرتها على خوض المعارك، وهو تدفق المقاتلين الجدد.
وبين الاختراق الاستخباراتي ومحدودية الدفاعات الجوية، تصبح حماية معسكرات التدريب وتأمين الاتصالات والانضباط الأمني عوامل حاسمة في قدرة القوات المناوئة للحوثيين على إعادة بناء قوتها ومواجهة الهجمات المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه جبهات يمنية عدة مواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، واستمرار عملية "فجر اليمن" التي أطلقتها الحكومة اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، وذلك عقب تصعيد من الجماعة بدأ في يوليو/تموز 2026، وُصف بأنه الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة أبريل/نيسان 2022.
Loading ads...
الجزيرة + الصحافة اليمنية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




