5 أيام
من الفنّ إلى التبشير... ماذا نعرف عن جماعة "العَنصرة الجديدة" الدينية وعلاقتها باعتزال باسمة؟ - رصيف22
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

في نيسان/ أبريل 2024، رفض كاهن كنيسة مار سمعان العمودي المارونية، في قرية يحشوش الكسروانية اللبنانية، السماح للمغنّية المعتزِلة باسمة، المولودة في القرية، بالترنيم في القدّاس المُقام في ذكرى رحيل والدها، ما أثار جدلاً وانقساماً عبر منصّات التواصل الاجتماعي.
برّر الكاهن رفضه بانتماء باسمة إلى جماعةٍ "انشقّت عن الكنيسة الجامعة"، عانياً "العَنصرة الجديدة". وأشار إلى أنّه لاحظ، في أثناء القدّاس، أنّها وزوجها "لم يقفا احتراماً في أثناء تلاوة الإنجيل المقدّس وفي أثناء سرّ المُناولة".
فما هي هذه الجماعة؟ وما علاقتها بقرار باسمة اعتزال الفنّ وتحوّلها إلى "مبشّرة" و"مؤثّرة مسيحية" على تيكتوك؟
سنة 2017، أسّس طوني فرنجيّة -الذي لم يُكمِل تحصيله الأكاديمي، ويقول إنّه حاصلٌ على دكتوراه في اللاهوت من دون أن يحدّد الجامعة التي تخرّج منها- جماعة العنصرة الجديدة، بعد 14 سنةً من "توبته" إثر تجربة روحية يقول إنّه مرّ بها.
ينتمي طوني إلى أسرة فرنجيّة المارونية المعروفة في قضاء زغرتا، وقدّم في لقاء مطوّل أجراه معه نيشان ديرهاروتيونيان سنة 2018، "شهادة حياة" بدا فيها الأخير متحمّساً له، فشبّهه مرّةً ببولس وأخرى ببطرس.
قال فرنجيّة في اللقاء، وفي حواراتٍ أخرى، إنّه نشأ مسيحياً يشارك في القدّاسات ويصلّي قبل نومه، ولكنّه كان يكذب ويشتم ويعاقر الكحول والمخدّرات ويتّجر بها، ويقامر و"يزني"، حتّى بلغ التاسعة والعشرين من عمره.
بعد منتصف إحدى ليالي شتاء سنة 2003، "ظهر" له يسوع في أثناء قراءته إنجيل يوحنّا وهو منتشٍ بالكوكايين، بعدما طالبه بدليلٍ على وجوده. وأحسّ بنارٍ أو بمياهٍ مغليّةٍ تجتاح جسده، في ما وصفه بـ"امتلائه" بالروح القُدُس، ثمّ "مات عن ذاته" و"وُلِد من جديد".
وبعد هذه التجربة، كرّس نفسه لله، الذي يزعم أنّه شفاه من إدمانه الكحول والكوكايين في لحظة. ويقول إنّه لم يعد قادراً على الكذب أو الشتيمة، كأنّ جمراً مشتعلاً استقرّ على لسانه.
تُعرِّف العَنصرة الجديدة نفسها عبر حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها "جماعةً روحيةً مصلّيةً" تهدف إلى "نشر الإنجيل ومساعدة الناس على العودة إلى الصلاة وتحريرهم من قيود العالم".
وتقتصر منشوراتها على صورٍ ومقاطع فيديو يظهر فيها فرنجيّة وهو يعِظ مجموعات قليلة العدد من الحاضرين، بخلاف ادّعائه تبشير "الآلاف"، ويقودهم في صلوات حماسية و"رياضات روحية"، أو يخاطب المشاهدين وهو يقود سيّارته أو يجلس أمام الكاميرا، أو في حواراتٍ يجريها معه محاورون ينتمون إلى جماعته. كما تنشر دعوات إلى حضور "ليالي تسبيح وصلاة" تُعقد في مركز في قرية طبرجا الكسروانية، بجانب ورشات عمل ومؤتمرات في لبنان وعدد من دول العالم، بحضور فرنجيّة وفريقه من المرنِّمين، وعلى رأسهم "المرنِّمة" باسمة، وبمشاركة قساوسة أحياناً.
لا تقدِّم حسابات الجماعة معلومات واضحةً عن معتقداتها، إلّا أنّ تسمية "العنصرة الجديدة" قد تتيح مدخلاً إلى بعض الملامح التي تبرز في خطابها وممارساتها.
يشير لفظ "العنصرة" إلى اليوم الخمسين بعد قيامة يسوع، وفق رواية العهد الجديد من الكتاب المقدّس، حين اجتمع تلاميذه في مكان واحد، "فَحَدَثَ بَغْتَةً صَوتٌ منَ السَّماءِ كَصَوتِ ريحٍ شديدةٍ تَعْسِفُ، وَمَلأَ كُلَّ البيتِ الذي كانُوا جالسينَ فيه وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلسِنَةٌ مُتَقَسِّمَةٌ كَأنَّها مِنْ نَارٍ، فاستَقَرَّتْ على كُلِّ واحدٍ مِنهُم فامتَلأوا كُلُّهُمْ مِنَ الرُّوح القُدُسِ، وَطَفقوا يتكلَّمون بلغاتٍ أُخرى" (أعمال الرُسُل 2: 1-4).
لا يوجد، بحسب المعلومات المتوافرة، ما يثبت ارتباط العنصرة الجديدة ومؤسّسها، ذي الخلفية المارونية، بالحركة الخمسينية أو انتماءهما إليها مؤسسياً، إلّا أنّ بعض أقوال فرنجيّة وعظاته وممارسات جماعته تتقاطع مع معتقدات هذه الحركة وممارساتها.
الخمسينية حركة بروتستانتية تجديدية تركّز على التجربة المباشرة والشخصية مع الله. وهي اليوم واحدة من أكبر الحركات الدينية وأسرعها نموّاً في العالم، وتضمّ مئات الملايين من الأتباع.
يؤمن أتباع الكنائس الخمسينية بتجربةٍ تحدث بعد التوبة تُسمّى "معمودية الروح القُدُس"، وهي منفصلة عن الخلاص الأوّلي، وغالباً ما تتجلّى في "التكلّم بألسنة". كما يمارسون مواهب أخرى مذكورةً في العهد الجديد، مثل الشفاء الإلهي والنبوّة والأعاجيب. ويتبنّى كثيرٌ منهم تفسيراً محافظاً وحرفياً للكتاب المقدّس، ويعدّونه كلمة الله المعصومة. عادةً ما تكون العبادة حيويةً وعاطفيةً وعفويةً، تتّسم برفع الأيدي والتصفيق والرقص والغناء بصوتٍ عالٍ والصلاة الجماعية، مع تركيزٍ واضحٍ على التبشير وكسب مؤمنين جدد، في انتظار عودة يسوع المرتقبة.
تساعد هذه الملامح على فهم بعض ما يقوله فرنجيّة عن تجربته الروحية، وما تقوله باسمة عن تحوّلها الديني وعلاقتها بالروح القُدُس، من دون أن تكفي وحدها لإثبات انتماء العنصرة الجديدة إلى الحركة الخمسينية أو تماهيها معها.
أمّا في ما يخصّ علاقتها بالكنيسة الكاثوليكية، فقد أكّد بيان صادر عن المجلس الرسولي العلماني في لبنان، سنة 2021، أنّها ليست جماعةً كاثوليكيةً، ولا تعمل أو تتكلّم باسم الكنيسة الكاثوليكية أو تمثّلها. كما دعا بيان صادر عن أساقفة مونتريال الكاثوليك، سنة 2024، المؤمنين إلى "التمييز الروحي والرَعَوي في ما يخصّ العلاقة مع هذه الجماعة ومع السيّد طوني فرنجيّة تحديداً".
حلّت بولا كيروز التّرك، المعروفة باسمها الفنّي باسمة، الثلاثاء 15 أيلول/ سبتمبر 2026، ضيفةً في پودكاست "سقف عالي" الذي يقدّمه جوزيف حويك على شاشة قناة "الجديد" اللبنانية، في ظهورها الإعلامي الثاني خلال 3 أشهر.
وعلى الرغم من بعض أسئلة المُحاور الاستفزازية وغير المراعية، وحساسيّة الموضوعات التي ناقشاها، بما في ذلك تعرّضها للاعتداء الجنسي ومحاولتَي قتل، بدت على وجه باسمة علامات الارتياح والطمأنينة والرضا، كما لو أنّها كانت في جلسة حميمة مع صديقٍ. فقد أجابت عن مختلف الأسئلة بجرأة ومن دون تردّد، بصوت هادئ شابته أحياناً نبرة وعظية متكلّفة، وابتسامة قلّما فارقت وجهها، وهو ما قالت إنّه سبب اختيار المنتِج الراحل سيمون أسمر اسمها الفنّي.
ولعلّ "توبتها" و"ولادتها من جديد"، بانتسابها إلى العنصرة الجديدة، تلعبان دوراً في ذلك. فمن خلال إجاباتها، يمكن التعرّف على بعض معتقدات الجماعة، التي قالت إنّها عرّفتها بيسوع "الحقيقي" وتتبع الكتاب المقدّس -الذي نسبت إليه مراراً أقوالها من دون أن تقتبس منه، بخلاف اقتباسها الحرفي من فرنجيّة- وتؤمن بعمل الروح القُدُس.
تُعرِّف باسمة نفسها بوصفها مسيحيةً "ثمّ" لبنانيةً، وتَبْرُز في حديثها ثيمتان متلازمتان.
الأولى هي الخطّة الإلهية، التي تبدو حاضرةً في تفسيرها كثيراً من محطّات حياتها. فهي تُقدِّم نفسها، في مواضع عدّة، بوصفها شخصاً مفتقراً إلى الإرادة وبيدقاً في لعبة شطرنج إلهية؛ فالله أراد لها أن تغنّي، وهو من أراد لها أن تعتزل الغناء، سنة 2020، على الرغم من أنّها ردّت قرار الاعتزال، في موضعٍ آخر، إلى "رغبة وشوق في القلب وقناعة". وحتّى رغبتها في التنسّك لم تكن كافيةً لتغيير ما أراده الله لها: "أراد ربّنا أن أكون خادمةً متزوّجةً"، وبذلك برّرت أسلوب عيشها البعيد من الزهد أو التنسّك، بما في ذلك ارتياد الشواطئ وأماكن السهر وارتداء المايوه. وأكّدت أنّ المرء لا يختار حياته، بل "مشيئة الربّ"، على الرغم من وصفها نفسها بأنّها "مشروع قدّيس"، وعَدِّها أنّ أيّاً من القدّيسَين شربل ورفقة لا يَفْضُلُها بشيء.
أمّا الثيمة الثانية، فهي علاقتها الشخصية والمباشرة بالله، التي فسّرت بها تحوّلها من "الإلحاد"، أو التديّن الشكلي، إلى انتمائها الديني الجديد، الذي وصفته مراراً بـ"الاختبار"، أي "اختبار محبّة الله والروح القُدُس". إذ أرجعت هذا التحوّل إلى "قدرة إلهية" و"شيء يفوق العادة تدخّل بطريقة عجائبية". وعلى الرغم من تكرارها، بشيءٍ من التكلّف، أنّها خاطئة، شأن غيرها من البشر، أكّدت أنّها "كاملة في عينَي الله"، وأنّه "اختارها"، كما اختار شربل وغيره من القدّيسين، وأنّها "خلّصت" نفسها وأسرتها من جهنّم. ويحتلّ الروح القُدُس مكانةً مركزيةً في هذه العلاقة؛ فقد قالت إنّها "اختبرته" وصارت "هيكلاً" له، وإنّه يلازمها ويردّها عن ارتكاب الخطايا ويهبها "إعلانات إلهيةً".
ومن هذه العلاقة المباشرة بالله تنبثق مهمّة رأت أنّها موكلة إليها. فقد أبقت على اسمها الفنّي ليكون "صنّارة صيد"، تتصيّد بها النفوس و"تخلّصها بنعمة الله". وقالت إنّها تتمنّى أن تستطيع "تبشير" الزعماء السياسيين اللبنانيين، بمن فيهم المسيحيين، لأنّهم لا يعرفون يسوع "الحقيقي". كما تحدّثت عن مسامحتها من أساء إليها، بما في ذلك من اعتدى عليها جنسياً ومن حاول قتلها، عملاً بوصيّة يسوع: "بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الذينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ"، كي تتحرّر من "نير" الحقد.
في المقابل، لم ترَ إمكاناً للجمع بين امتهان الفنّ والقرب من الله، لأنّ "الربّ يريد قلبك بالكامل، يريدك أنت بالكامل"، مقتبسةً من فرنجيّة قوله: "أنا لحبيبي وحبيبي لي". وبذلك وضعت حدّاً فاصلاً بين مسيرتها الفنّية السابقة وحياتها الجديدة.
ويمتدّ هذا الحدّ إلى أتباع الديانات الأخرى، بمن فيهم المسلمين، الذين لا خلاص لهم لأنّهم يتبعون ديانات بشرية المصدر، وفق وصفها، بخلاف المسيحية التي هي "مشروع خلاص" لا ديانة، وهو وصفٌ كان فرنجيّة قد استخدمه في حواره مع نيشان. وميّزت بين "خليقة الله"، وهم البشر جميعاً، و"أبناء الله"، وهم أولئك الذين "اختبروا محبّة الله والروح القُدُس". وفي نهاية الحوار، قالت إنّها "تضمن"، حتّى الآن، دخولها الجنّة لأنّها "تتبع تعاليم المسيح".
Loading ads...
وفي ضوء ما تقدّم، لا تبدو العنصرة الجديدة جماعةً يمكن اختزالها بسهولة في انتماء كنسيّ أو طائفيّ محدّد؛ فهي لا تُقدِّم تعريفاً واضحاً لمعتقداتها أو موقعها المؤسَّسي، فيما تكشف خطابات مؤسّسها وأتباعها عن إيمان يضع الاختبار الشخصي لله، والروح القُدُس، والخلاص، والتبشير في مركز التجربة الدينية. وفي هذا السياق، لا يبدو موقف الكنيسة الكاثوليكية منها مجرّد خلافٍ حول مشاركة مرنِّمة في قدّاس.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





