في عالم تتسارع فيه وتيرة العمل وتزداد فيه المهام اليومية، يحاول كثير من الناس إنجاز كل شيء في وقت واحد عبر ما يُعرف بـ«تعدد المهام».
بيد أن الدراسات تؤكد أن هذه الطريقة لا تزيد الإنتاجية بل تضعفها، لأن أدمغتنا ببساطة لا تُجيد العمل على أكثر من مهمة في الوقت نفسه.
ولهذا أصبحت النصائح الحديثة في إدارة الوقت مثل «تقسيم الوقت» و«التركيز في كتل زمنية» من أكثر الأساليب شيوعاً، إذ تساعد على تركيز الانتباه في مهمة واحدة تُنجز بعمق وفاعلية.
لكنّ الواقع العملي يختلف عن النظرية. فقلة من الناس يستطيعون التفرغ التام لمهمة واحدة حتى إنجازها بالكامل. فالموظف الذي يعمل على تقريرٍ طويل الأجل، مثلاً، عليه في الوقت ذاته متابعة العملاء أو الرد على البريد الإلكتروني.
والكاتب الذي يسعى إلى إنهاء روايته لا يستطيع إهمال أعمال الكتابة القصيرة التي تؤمن دخله اليومي. لذلك فإن «التركيز على مهمة واحدة» لا يعني بالضرورة إنهاءها قبل البدء بغيرها، بل يعني تخصيص وقت محدد لكل مهمة، ثم العودة إليها في وقت لاحق.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: عندما نترك مهمة غير مكتملة، فإن أدمغتنا لا تتوقف عن التفكير فيها بسهولة. فقد أثبتت الباحثة «صوفي لوروا» عام 2009 أن الانتقال من مهمة إلى أخرى دون إغلاق ذهني للأولى يؤدي إلى ما يُعرف بـ«بقايا الانتباه» أو Attention Residue.
ويعني ذلك أن جزءاً من تركيزنا يظل عالقاً في المهمة السابقة، ما يقلل من قدرتنا على التركيز الكامل في المهمة التالية، ويعيدنا بشكل غير مباشر إلى فوضى تعدد المهام التي كنا نحاول تفاديها.
خطة الاستئناف الجاهزة
لكن الخبر الجيد أن هناك طريقة بسيطة لتجنب هذه الظاهرة، وهي ما يُعرف بـ«خطة الاستئناف الجاهزة».
وتعني هذه الخطة أن تخصص دقيقة أو اثنتين قبل ترك أي مهمة لتكتب خطة قصيرة تساعدك على استئناف العمل لاحقاً بسهولة. ويمكن أن تكون هذه الملاحظات على ورقة لاصقة، أو في دفتر الملاحظات، أو حتى في التقويم الإلكتروني.
تقوم هذه الخطة على فكرة «النوايا التنفيذية» التي درسها العالمان «بيتر غولفيتزر» و«أنيا آشتزيغر»، وتعتمد على مبدأ بسيط: «عندما يحدث كذا، سأفعل كذا».
على سبيل المثال: «عندما أعود لتقرير المبيعات، سأبدأ بإدخال أرقام الربع الأخير»، أو «عندما أعود إلى قائمة العملاء، سأتصل بالعميل (س) للمتابعة». ويمكنك أيضاً تدوين المشكلات التي واجهتك قبل التوقف: «يجب جمع أرقام المبيعات لكل قسم» أو «العميل (س) يشتكي من تأخر التسليم.
بهذه الطريقة، تُحرر ذهنك من التفكير المستمر في المهمة، لأنك منحت نفسك «تعليمات» جاهزة للعودة إليها لاحقاً.
هذا الفعل البسيط يمنح دماغك الإذن للتخلي مؤقتاً عن المهمة دون قلق أو انشغال ذهني.
حتى عند الانتهاء من مهمة بالكامل، قد تظل هناك بقايا ذهنية تمنع الإغلاق الحقيقي.
ولذلك، يُنصح بأن تكتب ملاحظة قصيرة عن الدروس المستفادة أو ما يمكن تحسينه في المهام المستقبلية، مثل: «في الجداول القادمة، ضع الهيكل أولاً قبل إدخال الأرقام» أو «ابدأ مشهد الحوار في القصة بوصف المكان.
ولكي تظل مرناً، حاول ألا تجعل نفسك عبداً للجدول الزمني. أعد ترتيب المهام أحياناً لتجنب الضغط، لأن الشعور بالاستعجال يجعل من الصعب تركيز الانتباه على المهام الجديدة.
ومن الأفضل ترك فترات راحة قصيرة بين المهام، لا للتصفح أو وسائل التواصل، بل لتمارين تنفس أو حركة جسدية تُعيد للذهن صفاءه.
في النهاية، «التركيز الأحادي» لا يعني الانعزال عن كل المهام الأخرى، بل يعني إدارة التحول بينها بوعي وهدف. فتركيزك هو أثمن ما تملك في زمن تتنازعه الملهيات. احمِه من التشتت، ولا تترك أجزاءً منه معلقة بين المهام غير المكتملة.
Loading ads...
المصدر: سيكولوجي توداي
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




