2 ساعات
فلسطينيو سوريا بين حملة أمنية غامضة وجرائم جنائية مجهولة ومرجعية غائبة
الثلاثاء، 5 مايو 2026
على مدار شهر نيسان/أبريل الماضي، عاش الفلسطينيون في سوريا بين ثالوث الأمن والجريمة وغياب التمثيل، إذ لا تبدو الصورة التي تتشكل اليوم في مخيمات وتجمعات فلسطينيي سوريا عادية، ولا يمكن قراءتها كحوادث متفرقة أو تطورات معزولة عن بعضها بعضاً، بل هي أقرب إلى مشهد مركب تتقاطع فيه ثلاثة مسارات في وقت واحد:
جرائم جنائية مقلقة، وحملة أمنية غامضة، وغياب واضح لأي حضور سياسي فلسطيني فاعل يواجه هذا الحال ويتصدى لتحدياته المفجعة بطبيعة الجرائم، والمؤلمة بشكل ومضمون الحملة الأمنية، والقديمة الجديدة في الإهمال والتقصير عبر غياب المرجعية في ظل ادعاء التمثيل وزعم القيادة.
في الظاهر، قد تبدو هذه الملفات منفصلة، لكن عند النظر إليها من داخل المجتمع نفسه، تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة تتمثل في الإحساس المتزايد بعدم اليقين والخوف من المستقبل والقلق من المجهول تحت ضغط الغموض.
حيث برزت خلال الفترة الأخيرة حوادث خطف وقتل في عدد من المخيمات وبلدات ريف دمشق، من بينها مخيم خان الشيح ومخيم السبينة ومخيم اليرموك.
هذه الحوادث، بغض النظر عن نتائج التحقيق التي لم تحسم بعد، تركت أثراً واضحاً في المزاج الشعبي العام، لأنها لم تقرأ بوصفها وقائع منفصلة، بل كمؤشرات على خلل أمني أوسع.
إن زيارة وفد السلطة الفلسطينية إلى دمشق نهاية الشهر الماضي واجتماعه مع الرئيس السوري أحمد الشرع أعادت طرح سؤال لا يمكن تجاهله: من يمثل فلسطينيي سوريا فعلياً؟
وما عزز هذا الشعور ليس فقط طبيعة الجرائم، بل غياب الوضوح حولها. فعندما تتكرر الحوادث دون رواية رسمية مكتملة، يتحول السؤال من "ماذا حدث؟" إلى "ما الذي يحدث؟" و"كيف حدث ولماذا؟"، وهذا من دون شك يشكل فارقاً كبيراً في التعاطي مع تتالي هذه الأحداث، مع تخوف بارز من تحولها إلى ظواهر، وهواجس محقة من تداعياتها المجتمعية.
بالتوازي مع ذلك، جاءت الحملة الأمنية التي طالت عدداً من الفلسطينيين في بعض المخيمات والمناطق المحيطة بالعاصمة دمشق، ضمن ما يوصف بـ"قضايا أمنية"، من دون وضوح كاف حول طبيعتها أو مسارها القانوني. والإشكالية هنا لا تتعلق فقط بالإجراءات، بل بالسياق الذي تمت فيه، بداية من غياب معلومات كافية، إلى صعوبة الوصول إلى التفاصيل، ومن ثم تداول روايات متباينة، وحتى الإفراجات الجزئية لم تكن مفهومة أصلاً في أسباب الاحتجاز، وزادت غموضاً بعد إطلاق سراح الموقوفين. فلم يسمح بزيارات، ولم تعرف أماكن الاحتجاز، ولم تتح فرصة لتوكيل محامين، وكل ذلك بذريعة أن القضايا الأمنية، وفي فترة التحقيق، تبقى طي الكتمان ولا يمكن التدخل بها؟!
وفي مثل هذا المناخ، لا يبقى المجال مفتوحاً للفهم، بل للتخمين فقط، فضلاً عن تعدد الروايات وانتشار الشائعات، وهنا تتعقد الصورة أكثر.
وما بين الجرائم الجنائية غير المحسومة والإجراءات الأمنية غير الواضحة، يجد المجتمع نفسه أمام فراغ في المعلومات، وفراغ المعلومات بطبيعته لا يبقى معلقاً، بل تمتلئ مساحته سريعاً بالروايات والتفسيرات التي غالباً ما تنعكس سلباً في التعليقات.
وهذا ما ظهر بوضوح خلال التفاعل الواسع مع التقرير الرقابي الأولي الذي أصدرته مبادرة فلسطينيي سوريا للرقابة الشعبية "مرصد" عن الموضوع، حيث تدفقت عشرات الروايات عبر التعليقات والرسائل الخاصة، في محاولة لفهم ما يجري.
لكن هذه الكثافة في التداول لا تعني بالضرورة وضوحاً، بل تعكس حاجة ملحة إلى رواية دقيقة وموثوقة تقدمها الجهات المعنية بكل شفافية.
وفي هذا المشهد المعقد، يبرز غياب لافت، ليس متعلقاً فقط بغياب الإجابات، بل بغياب المرجعية، رغم ضجيج الحديث عن التمثيل.
إذ إن زيارة وفد السلطة الفلسطينية إلى دمشق نهاية الشهر الماضي واجتماعه مع الرئيس السوري أحمد الشرع أعادت طرح سؤال لا يمكن تجاهله: من يمثل فلسطينيي سوريا فعلياً؟
ففي لحظة يعيش فيها هذا المجتمع تحديات تمس حياته اليومية بشكل مباشر، لا يظهر أن صوته حاضر بالقدر الكافي في النقاش السياسي، ولا أن أولوياته تنعكس بوضوح في أجندة هذا النقاش في مثل هذه اللقاءات.
وهنا لا يتعلق الأمر بالتمثيل الرمزي، بل بالقدرة على نقل الواقع كما هو، وإدخاله في صلب صناعة القرار، ليصار إلى ترجمته بما ينعكس إيجاباً على واقع فلسطينيي سوريا.
الحوادث الجنائية ما تزال ضمن مسار التحقيق، والروايات المتداولة لم تثبت رسمياً، والإجراءات الأمنية، رغم غموضها، تحتاج إلى توضيح من الجهات المختصة، وهذا ما يجعل من الشفافية ضرورة، لا ترفاً.
هذه الفجوة بين ما يعيشه الناس وما يناقش على المستوى السياسي ليست جديدة، لكنها اليوم تبدو أكثر وضوحاً. فالناس تتعامل مع خوف يومي وأسئلة مفتوحة وواقع غير مستقر، بينما يتحرك الخطاب السياسي في المقابل ضمن مسارات أخرى، لا تبدو متقاطعة بشكل مباشر مع هذه التفاصيل والاحتياجات الأساسية اليومية الضرورية والملحة في ظل الظروف الصعبة على جميع الصعد.
ومع ذلك، وفي ما يتعلق بهذه المجريات، لا يمكن القفز إلى استنتاجات حاسمة، فالحوادث الجنائية ما تزال ضمن مسار التحقيق، والروايات المتداولة لم تثبت رسمياً، والإجراءات الأمنية، رغم غموضها، تحتاج إلى توضيح من الجهات المختصة، وهذا ما يجعل من الشفافية ضرورة، لا ترفاً.
ليس فقط لكشف الحقيقة، بل لضبط النقاش العام ومنح المجتمع أساساً واضحاً لفهم ما يجري. وفي المقابل، يتحمل المجتمع نفسه دوراً لا يقل أهمية، ففي بيئة حساسة كهذه يصبح التمييز بين المعلومة والإشاعة أمراً حاسماً، ليس فقط للحفاظ على الدقة، بل أيضاً لمنع تضخم القلق أو انزلاقه نحو اتجاهات غير مبنية على معطيات موثوقة.
في النهاية، لا يمكن قراءة هذه المرحلة من خلال ملف واحد فقط. فالجرائم الجنائية، والإجراءات الأمنية، وغياب المرجعية السياسية، ليست خطوطاً متوازية، بل عناصر في مشهد واحد، مشهد يعبر عن مجتمع يبحث عن وضوح، ويحتاج إلى إجابات، وينتظر أن يصبح حاضراً، لا غائباً، في ما يناقش باسمه.
Loading ads...
وحتى يحدث ذلك الأمر، ستبقى الأسئلة مفتوحة، ليس لأن الإجابات غير موجودة، بل لأنه لم يقدمها أحد بعد؟!
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

