2 ساعات
من "إيكاردا" إلى حقول سوريا.. كيف تحيي البذور عالية الجودة القطاع الزراعي؟
الثلاثاء، 5 مايو 2026
بعد نحو أسبوعين على إعلان المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة "إيكاردا" عن إطلاق خطوات عملية لاستعادة نظام البذور في سوريا، تتضح ملامح مسار أوسع لإعادة بناء القطاع الزراعي، ينطلق من أبسط أدواته: البذور عالية الجودة، بوصفها نقطة ارتكاز لأي تعافٍ إنتاجي مستدام.
تهدف المبادرة التي أطلقتها "إيكاردا" ضمن مشروع مشترك مع منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" بدعم من الحكومة البريطانية، إلى إعادة ربط المزارعين السوريين بأصناف محسّنة وعالية الإنتاجية من البذور، بعد سنوات من التدهور الذي طال منظومة الإنتاج الزراعي.
وتشير البيانات إلى تأمين 1625 كيلوغراماً من البذور الأولية لمحاصيل الحبوب والبقوليات، إلى جانب إنشاء سبع منصات إكثار، وتأسيس جمعيات لمزارعي البذور في حلب وحماة وحمص، في خطوة تمهّد لإنتاج مئات الأطنان من البذور المعتمدة بحلول 2027.
ولم تقتصر المبادرة على توفير البذور الأولية، بل دخلت مرحلة الإكثار الفعلي، حيث جرى إنشاء سبعة حقول لإكثار البذور في محطات بحثية تابعة لمركز "إيكاردا" و"الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية"، و"المؤسسة العامة لإكثار البذار"، حيث تشكل هذه الحقول نواة سلسلة إنتاج متكاملة يُنتظر أن تفضي إلى طرح بذور معتمدة في الأسواق خلال المواسم المقبلة.
وبالتوازي مع ذلك، تم تأسيس أربع جمعيات لمزارعي البذور في كل من حلب وحماة وحمص، يعمل ضمنها حالياً 49 مزارعاً على مساحة تقارب 200 هكتار لإنتاج بذار قمح معتمدة باستخدام أصناف مطوّرة محلياً.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على زيادة الكميات، بل تتصل بجودة "المادة الوراثية" المستخدمة في الزراعة، فالأصناف التي يجري العمل عليها، مثل "شام 9" من القمح القاسي، تم تطويرها محلياً لتكون أكثر تحملاً للجفاف والأمراض، وهو عامل حاسم في ظل التغيرات المناخية التي تضغط على الزراعة السورية بشكل عام.
وتشير تقديرات محلية إلى أن استخدام الأصناف المحسنة يمكن أن يرفع الإنتاجية بنسبة تصل إلى 40 - 50% مقارنة بالبذور التقليدية، وهو ما يعيد طرح مسألة البذور كمدخل رئيسي لمعالجة فجوة الإنتاج الغذائي، خاصة في ظل تراجع المحاصيل البعلية خلال السنوات الأخيرة بسبب الجفاف.
يضاف إلى ذلك أن إعادة تفعيل نظام إكثار البذور داخل سوريا تقلل الاعتماد على الاستيراد، وتعيد للمزارع دوراً مركزياً في إنتاج محاصيله، بدلاً من بقائه رهينة سلاسل توريد خارجية متقلبة.
ويتقاطع هذا المسار مع جهود أوسع لإعادة بناء البنك الوراثي في حلب، والذي كان يُعد أحد أهم مستودعات الموارد الوراثية في المنطقة قبل تضرره خلال السنوات الماضية.
ويحتفظ هذا البنك، التابع لمركز "إيكاردا"، بعشرات آلاف العينات من القمح والشعير والبقوليات، تشكل الأساس العلمي لبرامج التربية الزراعية.
ورغم الأضرار التي لحقت به، أُعيدت نسخة احتياطية من هذه الموارد من بنوك دولية، ما يفتح الباب أمام استئناف عمليات الاستنباط والتطوير.
وتبرز أهمية هذه الخطوة في الحفاظ على أصناف محلية متكيفة تاريخياً مع البيئة السورية، وهو ما يمنح الزراعة قدرة أكبر على مواجهة التقلبات المناخية.
من جانب آخر، تعكس هذه التحركات توجهاً لإعادة بناء "نظام البذور" كجزء من إعادة هيكلة القطاع الزراعي، وليس مجرد تدخل تقني محدود، حيث يرتبط نجاح هذا المسار بعوامل موازية، تشمل توفير التمويل، دعم البحث العلمي، وتأمين مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب.
كما يتطلب الأمر ربط إنتاج البذور بشبكات توزيع فعالة، وتفعيل الإرشاد الزراعي، بما يضمن وصول الأصناف المحسّنة إلى المزارعين في مختلف المناطق، لا سيما في ظل الضغوط المناخية والاقتصادية، حيث تصبح البذور عالية الجودة أداة مزدوجة: لرفع الإنتاجية من جهة، وتعزيز صمود المجتمعات الريفية من جهة أخرى.
Loading ads...
ووفق "إيكاردا"، تبدو استعادة البذور في سوريا أكثر من مجرد عملية زراعية، إذ تمثل خطوة أولى في مسار طويل لإعادة بناء الأمن الغذائي، واستعادة دور القطاع الزراعي كأحد أعمدة التعافي الاقتصادي في البلاد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


