2 ساعات
سياسة "لا غالب ولا مغلوب".. الطريق إلى تفكيك العقد السورية
الثلاثاء، 17 فبراير 2026
مرت سوريا خلال السنوات الأخيرة بمرحلة معقدة وشديدة التحديات؛ إذ كانت أمام امتحان كبير بعد تحريرها من سيطرة نظام الأسد. ومع انتهاء العمليات العسكرية المباشرة في بعض المناطق، واجهت الدولة السورية سلسلة من المشكلات الكبرى في إعادة بناء مؤسساتها وإعادة توحيد البلاد. تجسدت هذه التحديات في ثلاث بؤر رئيسية ملتهبة بشدة، هي: مناطق «قسد» في الشمال الشرقي، ومدينة السويداء في الجنوب، والساحل السوري؛ حيث كانت كل منطقة من هذه البؤر تمثل عقدة كبيرة في طريق الدولة الجديدة.
وما زاد من تعقيد الوضع هو التحالف غير الرسمي بين هذه البؤر، إذ تشابكت مصالحها بشكل مباشر، وارتبطت بالمطالب الرافضة للحكومة الجديدة، بالإضافة إلى وجود مطالب محلية خاصة بكل منطقة لا تتلاقى مع توجهات الدولة. وقد شكّل هذا كله خطرًا كبيرًا على إمكانية تجاوز هذه الأزمات، وهدد باندلاع انفجار واسع يمكن أن يعصف باستقرار سوريا بالكامل.
لقد كان هذا الامتحان ليس للحكومة السورية الجديدة فحسب، بل لجميع الأطراف المعنية، سواء مؤيدي الحكومة أم خصومها؛ إذ إن التحدي كان يتطلب وعيًا واستراتيجية مشتركة لمعالجة الأزمات دون الانزلاق إلى صراع شامل. ومن بين هذه التحديات، برزت مشكلة «قسد» على رأس أولويات الحل، من دون التقليل من أهمية أزمة السويداء، خصوصًا بعد تورط عناصر متفرقة تتبع للحكومة السورية في مجازر داخل المحافظة، وهو ما أدى إلى فقدان شبه كامل لثقة أهالي السويداء في الدولة الجديدة، وجعلهم غير راغبين في التعاون مع الحكومة، مما زاد من صعوبة الوضع في الجنوب السوري.
لقد أثبت التعامل السياسي الراشد مع «قسد» أن الملفات المعقدة يمكن حلها بالوسائل السياسية قبل اللجوء إلى أي مواجهات عسكرية، وأن سياسة «لا غالب ولا مغلوب» ليست مجرد شعار، بل أسلوب لإدارة الصراع، يُعطي كل طرف مساحة للحفاظ على كرامته.
واجهت الحكومة السورية الجديدة هذه التحديات بعقلية سياسية مختلفة، تقوم على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، وهي سياسة تهدف إلى معالجة الملفات الحساسة بطريقة تحافظ على كرامة الجميع، وتمنع تصعيد الخلافات إلى مواجهات عسكرية. وكان ملف «قسد» في الشمال الشرقي من أبرز هذه الملفات؛ إذ إن تشكيلها العسكري وعلاقاتها الدولية شكّلا عقدة صعبة. ومع مرور الوقت، وبفضل المراوغة السياسية الدقيقة، والتعامل مع «قسد» بطريقة غير استعلائية، وترك مساحات للحوار، بدأت الثقة بين الأطراف تتشكل تدريجيًا.
لم يكن الهدف إذلال الطرف الآخر أو فرض الهيمنة، بل بناء أرضية مشتركة للحوار والتسوية السلمية. وقد لعب المرسوم رقم (13) الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع دورًا مهمًا في هذا السياق، من خلال معالجة الحقوق الثقافية والاجتماعية للأكراد، بما في ذلك حقهم في استخدام لغتهم، والحفاظ على طقوسهم ومناسكهم الثقافية، وضمان حقهم في المناهج التعليمية وأعيادهم. وقد أسهم هذا الإجراء بشكل ملموس في تبديد المخاوف لدى الأكراد، وخلق شعورًا بالاطمئنان لدى الشارع الكردي، وكذلك لدى «قسد» نفسها.
لقد أثبت التعامل السياسي الراشد مع «قسد» أن الملفات المعقدة يمكن حلها بالوسائل السياسية قبل اللجوء إلى أي مواجهات عسكرية، وأن سياسة «لا غالب ولا مغلوب» ليست مجرد شعار، بل أسلوب لإدارة الصراع، يُعطي كل طرف مساحة للحفاظ على كرامته، وفي الوقت نفسه يحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها. وبفضل هذا النهج، انخفضت حدة المناوشات الميدانية تدريجيًا، وتراجعت المخاوف من اندلاع حرب شاملة. كما أسهمت إعادة التموضع الجزئي للحلفاء الدوليين لـ«قسد»، سواء الأميركيين أم الأوروبيين، في تقليص تأثير الدعم الخارجي، مما دفع «قسد» إلى إعادة النظر في استراتيجياتها وأهدافها، وخلق حالة من إعادة الحسابات السياسية الداخلية.
لم يقتصر أثر تفكيك عقدة «قسد» على الشمال الشرقي، بل انعكس أيضًا على الساحل السوري، حيث بدأت الثقة بين أبناء الساحل والإدارة الجديدة تعود تدريجيًا. وقد أظهر انخفاض التحريض في المنطقة، وتقليل الاحتكاكات الأمنية، أن النهج السياسي التفاوضي ينجح في معالجة ملفات معقدة دون الدخول في مواجهات عسكرية، وهو ما شكّل مؤشرًا واضحًا على إمكانية معالجة ملفات أصعب، مثل السويداء، التي لا تزال تواجه تعقيدات كبيرة بسبب فقدان الثقة بين الأهالي والدولة. وقد زاد الأمر سوءًا استمرار بعض العناصر المسلحة في أعمال عنف سابقة أثرت في سمعة الحكومة، وعمّقت حالة العداء في المحافظة.
كل الأمل اليوم أن تُعالَج عقدة السويداء بالطريقة نفسها التي عولجت بها عقدة «قسد»، أي من خلال الحوار والتفاوض، وتبني سياسة «لا غالب ولا مغلوب».
وعلى الرغم من هذه النجاحات، فإن هناك من راهن على فشل هذه التسويات، سواء لأسباب موضوعية أم سياسية أو كيدية، تهدف إلى تشويه صورة الحكومة الجديدة أو تأكيد فشل سياسات التسوية؛ إلا أن النتائج العملية أظهرت عكس ذلك، إذ نجحت الدولة في دمج «قسد» بطريقة سلمية، وأثبتت أن الحلول السياسية القابلة للتنفيذ ممكنة إذا توافر الحوار الحقيقي والمساحات المفتوحة للتفاوض. ويعطي هذا النجاح مثالًا ملموسًا على كيفية معالجة الملفات المعقدة دون الانزلاق إلى الصراع المسلح، ويؤكد أن الاستقرار يمكن تحقيقه عبر سياسة التفاهم والشراكة.
أما فيما يتعلق بالسويداء، فإن التحديات لا تزال قائمة؛ فقد خرج الأهالي منذ يومين في مظاهرات حاشدة، يطالبون فيها بالاستقلال والانفصال الكامل عن الدولة السورية، وتغيير الانتماء بشكل مطلق. ويعكس هذا الخطاب تصاعد التوتر وعمق الأزمة في المحافظة؛ إذ إن أي مواجهة عسكرية مباشرة ستشكل كارثة حقيقية، ليس فقط للسويداء، بل للبلاد ككل. وكل الأمل اليوم أن تُعالَج عقدة السويداء بالطريقة نفسها التي عولجت بها عقدة «قسد»، أي من خلال الحوار والتفاوض، وتبني سياسة «لا غالب ولا مغلوب». فهذا النهج لا يضمن الحفاظ على وحدة الدولة فحسب، بل يمنح كل طرف حقه، ويحفظ كرامته، ويحوّل الخلاف من صراع مفتوح إلى تفاهم متبادل.
Loading ads...
إن سياسة «لا غالب ولا مغلوب» ليست مجرد شعار مرحلي، بل رؤية شاملة لإدارة الصراعات داخل سوريا؛ فهي تحمي كرامة الجميع، وتمنع الانزلاق إلى حروب صفرية، وتعيد تعريف مفهوم الانتصار بوصفه استقرارًا جماعيًا لا غلبة فردية. وما تحقق في ملف «قسد» يمكن اعتباره خطوة أولى نحو معالجة الملفات الأكثر تعقيدًا، وبناء سوريا موحدة وقوية، قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. فهذه السياسة تمثل أملًا حقيقيًا لكل السوريين، وتسهم في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومكوناتها المختلفة، وهو ما يحتاج إلى الصبر والمثابرة لضمان استمرار الاستقرار على المدى الطويل، وتحويل التعددية داخل سوريا من مصدر صراع إلى مصدر قوة، بما يحقق مصالح الجميع ويصون وحدة البلاد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

