2 ساعات
ما بعد الاتفاق المحتمل بين طهران وواشنطن: هل تنجو المنطقة من حروب الوكلاء؟
السبت، 6 يونيو 2026

منذ الإعلان خلال الفترة الفائتة عن تقدم جديد ولافت في المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، والذي قضى بتمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، واستئناف المفاوضات خلال تلك الفترة حول البرنامج النووي، بينما ألمحت عدة مصادر إلى أن الاتفاق المحتمل سيتضمن تعهداً من طهران بعدم حيازة السلاح النووي، فضلاً عن ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز من دون قيود، وإزالة جميع الألغام خلال 30 يوماً، لا يبدو أن اتفاقاً نهائياً بات وشيكاً خلال أيام، لكن المفاوضات لم تصل أيضاً إلى طريق مسدود، وما زال المفاوضون يحاولون إبقاء باب التفاهم مفتوحاً.
لكن، وبعيداً عن التوقيت المحتمل للتوصل إلى اتفاق، إذ يبدو أن الاتفاق، أياً كان شكله، سواء أكان مؤقتاً ومرحلياً أم غير ذلك، سيحصل، لا سيما بعد اعتبار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس الجمعة، أن قادة إيران “ليس أمامهم خيار” سوى التوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق ينهي الحرب مع الولايات المتحدة، فإن المناخ السياسي ما زال يراكم غيوماً كثيفة تخفي احتمالات عديدة، وتبعث بأجواء غامضة وثقيلة بشأن تبعات ما بعد الاتفاق.
وليس خافياً حجم التوترات التي تشهدها المنطقة بفعل التهديدات الأمنية التي تضطلع بها وكلاء إيران في عدة دول منها لبنان والعراق واليمن، فضلاً عن محاور أخرى، خصوصاً في ظل اعتمادها على منظومة التسليح العسكرية التي يوفرها “حرس الثوري” الإيراني والتي تمثل شبكة ردع لخصوم طهران في الإقليم. من ثم، يظل غياب حسم قضية الصواريخ الباليستية ووضع الميلشيات الولائية ضمن الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران بمثابة لغم قد يعاود من جديد سيرة الحرب التي لن تتلاشى أو تنتهي بالكلية، بل قد تتجمع في نقطة جغرافية وتنحصر فيها كما هو الحال في لبنان، الذي يشهد تصعيداً عنيفاً ومتواصلاً ويتسع بين الفترة والأخرى بفعل الحرب المندلعة بين “حزب الله” وإسرائيل، بما يجعل احتمالات الحرب الإقليمية واتساع دائرة المواجهة أمراً قائماً في أي لحظة.
ومن غير المتوقع أن تتخلى إيران عن شبكة وكلائها المسلحين في الإقليم أو تحييد هذه القوى العسكريتارية المتفلتة بسلاحها غير الشرعي. بالتالي، سيظل سلوكها الإقليمي العدواني، الذي لا يتوانى عن شن هجماته ضد خصوم “الولي الفقيه” الإقليميين، وتنفيذ الأجندة ذاتها القائمة على فرض النفوذ السياسي والميداني في نطاق ما يضمن مصالح طهران الجيوسياسية، يبعث بتهديدات جمّة للأمن الإقليمي والدولي، خاصة مع معاودة اعتداءاتها على دول الخليج، حيث أطلقت صواريخ مجدداً على الكويت والبحرين.
ويفاقم هذا الوضع احتمالات أن يسفر الاتفاق عن رفع العقوبات بخصوص الأموال الإيرانية المجمدة، الأمر الذي سيمثل فرصة للاقتصاد الإيراني أن يلتقط أنفاسه ويشهد انفراجة، بل وقد يوظفها لجهة توفير اقتصاديات لحروب الوكلاء ونفوذه الإقليمي.
لهذا، لا تبدو الجبهة اللبنانية ضمن أي حيز عملي محتمل للدخول في هدنة، وذلك على خلفية استمرار المواجهة والتصعيد بين “حزب الله” وإسرائيل. إذ إن الأخيرة ترد على تهديدات “الحزب” المدعوم من إيران بقصف مناطق نفوذه، كما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه سيواصل تقويض وتصفية البنية العسكرية والأمنية “للحزب”، ومنعه من إعادة ترميم ترسانته المسلحة التي تكبدت خسائر فادحة في حرب الإسناد الأولى والثانية. فيما تتواصل الاشتباكات والغارات المتبادلة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
وقد سبق “للقناة 12” الإسرائيلية أن نقلت قبل فترة وجيزة عن مصدر أميركي، قوله إن مذكرة التفاهم “تهدف إلى دفع جميع الأطراف نحو طاولة المفاوضات”، وذلك في إشارة إلى أن الاتفاق المحتمل يشمل لبنان ضمن الهدنة مع الإبقاء على حرية الحركة الميدانية لإسرائيل في التعامل مع أي “تهديدات ملحة”. كما حذر المصدر ذاته من أن فشل إيران في تقديم تنازلات فعلية في الملف النووي سيبقي “كل الخيارات مطروحة أمام ترامب، بما فيها الخيارات العسكرية”.
في حين ألمحت مصادر إسرائيلية إلى احتمال وجود تباين داخل القيادة الإيرانية بين فريق التفاوض والمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، مشيرة إلى أن وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف “قد يكونان توصلاً إلى تفاهمات، لكنهما لا يملكان صلاحية الحسم النهائي”.
ذلك ما يبدو واضحاً مع التصعيد أو الخرق في مسار التفاوض الذي تقوده باكستان، في الوقت الراهن، حيث شهدت منطقة الخليج، تصعيدات عسكري خطيرة منذ بدء سريان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في نيسان/ أبريل الماضي، بعدما تبادلت واشنطن وطهران الضربات العسكرية على خلفية حوادث بحرية وقعت في مضيق هرمز، ما هدد عملياً بإفشال المساعي الدبلوماسية. بل إن القوات الإيرانية أطلقت نيراناً تحذيرية في الأيام الماضية أربع سفن حاولت عبور مضيق هرمز من دون “تنسيق مسبق” بحسب زعمها. وفي أعقاب ذلك، شنت الولايات المتحدة ضربات استهدفت منشأة للتحكم بالطائرات المسيّرة في محيط ميناء بندر عباس جنوب إيران. كما تم إسقاط أربع طائرات هجومية مسيّرة إيرانية، ودمرت محطة التحكم قبل إطلاق طائرة خامسة، إلى جانب إعلان القوات الأميركية، اليوم السبت، إنها قصفت مواقع رادار ساحلية إيرانية بعد إسقاط طائرات مسيّرة أطلقتها إيران باتجاه مضيق هرمز، بجانب هجمات إيران العدائية على البحرين والكويت حديثاً.
واستمرت حالة التصعيد، التي تزامن معها إعلان الكويت تفعيل دفاعاتها الجوية للتصدي لما وصفته بـ”أهداف معادية”، مؤكدة سماع دوي انفجارات ناجمة عن عمليات اعتراض لصواريخ وطائرات مسيّرة قبل نحو أسبوع، إلى جانب إدانة كل من الكويت والبحرين للهجمات الإيرانية الأخيرة. ووصفت وزارة الخارجية الكويتية الهجمات الإيرانية، بما فيها الهجوم الأخير اليوم السبت، بأنها عدوان “صارخ” يهدد المواطنين والمقيمين والأمن الإقليمي، وفقاً لبيان صادر عنها. غير أن التلفزيون الرسمي الإيراني نقل عن “الحرس الثوري” قوله إن قواته استهدفت قاعدة أميركية في البحرين والكويت رداً على الضربات الأميركية.
بالمقابل، اعترض الجيش الإسرائيلي، قبل نحو 10 أيام، طائرة مسيّرة قال إنها تابعة لـ”حزب الله” فوق جنوب لبنان. وأوضح الجيش الإسرائيلي أن “هدفاً جوياً مشبوهاً” جرى رصده فوق منطقة تنتشر فيها قوات إسرائيلية داخل جنوب لبنان، مشيراً إلى أن محاولات اعتراضه أدت إلى انطلاق صفارات الإنذار في بلدتي “مسغاف عام” و”مرغليوت” المحاذيتين للحدود اللبنانية.
وفي موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته في جنوب لبنان، عبر تصنيف مناطق جديدة كـ”مناطق عسكرية” وفرض أوامر إخلاء، في تصعيد متواصل ضد “حزب الله”.
رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان بوساطة أميركية منذ نيسان/أبريل الماضي، لا تزال مناطق واسعة من جنوب لبنان تشهد موجات نزوح متفاقمة بفعل استمرار الغارات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء المتكررة. وأسفرت العمليات العسكرية المستمرة عن تهجير مئات الآلاف من المدنيين من جنوب لبنان، وفق “رويترز”، مضيفة أن إسرائيل قد نشرت، عقب إعلان الهدنة، خريطة لمنطقة عازلة تمتد على نحو 600 كيلومتر مربع، سيطرت عليها قواتها البرية، وحددت فيها 57 بلدة وقرية طلبت من سكانها الإخلاء. غير أن نطاق العمليات توسّع لاحقا، إذ نفذ الجيش الإسرائيلي مئات الغارات الجوية خارج المنطقة المحتلة، وأصدر أوامر إخلاء إضافية شملت أكثر من 100 بلدة وقرية لبنانية أخرى، وفق مراجعة لبيانات وتصريحات عسكرية إسرائيلية.
وبذلك، باتت المناطق المشمولة بالإخلاء والعمليات العسكرية تمتد على مساحة تقارب ألفي كيلومتر مربع، أي نحو خمس مساحة لبنان، ما جعل أجزاء واسعة من الجنوب شبه خالية من سكانها، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي يشهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة.
ويبدو المشهد أكثر قتامة مع تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 25 أيار/مايو الفائت، بتوسيع الضربات العسكرية، ما دفع سكان الضاحية الجنوبية لبيروت إلى النزوح مجدداً، بينما أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء جديدة شملت أكثر من عشر بلدات إضافية، معلنا أجزاء واسعة من الجنوب “منطقة قتال”.
إذاً، يمكن القول إن الاتفاق المحتمل لا يبدو هشاً بقدر ما يؤشر إلى لحظة تهدئة في نطاق محدود، بينما تبقى باقي الأطراف لديها الجاهزية على إحداث التوترات ونقلها في باقي الجسد الذي قد تنبعث فيه الفوضى بامتداد الإقليم مرة أخرى، طالما لا تنتهي معضلة القوى والجماعات الميلشياوية التي ترهن عواصم عربية لحساباتها ومصالحها الفئوية الضيقة. ومن دون تسوية للأنشطة التي تقوم بها الفصائل المسلحة بالعراق ومثيلاتها في لبنان واليمن، سيظل الأمن الإقليمي والدولي تحت طائلة فرص تسوية مؤقتة.
من هنا، لا تعدو الخلافات المتزايدة أو بالأحرى التناقضات في المواقف بشأن ملف الميلشيات، بوجه خاص، كونها أمراً جديداً ومباغتاً، بل تتزايد التحفظات في الخليج وإسرائيل وقوى إقليمية، ترى أن المفاوضات النووية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة الوصول إلى عتبة الاستقرار النهائي، وأن التسوية تتطلب إنهاء تموضع وكلاء طهران بالمنطقة وتصفية طموحاتها بخصوص التوسع الجيوسياسي والنفوذ الإقليمي. فيما تمارس إيران نفوذها الخارجي وابتزازها السياسي، الإقليمي والدولي، من خلال هذه المنظومة الميلشياوية التي تمتد من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق وسوريا وفلسطين بإشراف “الحرس الثوري”.
هذا العمق الاستراتيجي لإيران هو ما كشفت عن مخاطره حرب غزة بفعل ما ترتب على هجمات “حماس” المباغتة على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وظهور ما بات يعرف بـ”حروب الإسناد” والتهديد بحرب إقليمية شاملة. إذ إن الحرب التي تمت بهندسة إيرانية، أبرزت استراتيجية توسيع نطاق الصراع في أي مواجهة مع نظام الملالي كما تكرر في النزاع الأخير الذي اندلع في نهاية شباط/ فبراير الماضي، الأمر الذي يكبد الأطراف المختلفة فاتورة حرب هائلة وخسائر فادحة. فحرب غزة قد مثّلت انعطافة قصوى في ديناميات الصراع الإقليمي، خصوصاً بعدما شهدت المنطقة تصعيداً خطيراً من عدة جبهات مرتبطة بإيران.
ففي لبنان، كثف “حزب الله” هجماته الصاروخية والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف إسرائيلية. وفي العراق وسوريا والأردن، تعرضت القوات الأميركية لسلسلة من الهجمات شملت أكثر من 170 عملية صاروخية أو بطائرات مسيّرة، بحسب شهادات تم تقديمها في “الكونغرس”.
أما في اليمن، فقد وسع “الحوثيون” عملياتهم ضد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في حركة الشحن وإعادة توجيه مئات السفن. كما أن طبيعة الدعم الإيراني لوكلائها لم تعد تقتصر على التمويل والتسليح، بل تطورت لتشمل نقل المعرفة التقنية وتمكين بعض الجماعات من تصنيع الأسلحة محلياً، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ. هذا التحول يعزز قدرة هذه الجماعات على الاستمرار والعمل بشكل شبه مستقل، حتى في حال تعرض خطوط الإمداد الإيرانية للضغط أو الاستهداف.
لهذا، كان من اللافت تصريحات الأمين العام لـ”حزب الله”، نعيم قاسم، والتي هدد فيها بإسقاط الحكومة وتوتير الوضع السياسي في لبنان، بينما حرض حواضنه على العنف وكذا رفض المسار الدبلوماسي الذي يهدف لطي صفحة الحرب مع إسرائيل. وقد مثّلت هذه التصريحات محطة سياسية وأمنية شديدة الدلالة في توقيتها ومضمونها، إذ لا تعكس فقط موقف “الحزب” الولائي من المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، بل تكشف بصورة أوضح طبيعة الدور الذي ما زال “الحزب” يسعى إلى تكريسه داخل الدولة اللبنانية باعتباره سلطة فوق الدولة، مرتبطة عضويا وبنيويا بالمشروع الإيراني الإقليمي أكثر من ارتباطها بالمعادلات الوطنية اللبنانية.
فالخطاب جاء في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الضغوط الدولية والإقليمية لإنهاء جبهات الحرب المفتوحة في المنطقة، مع مساع أميركية وغربية لإعادة ضبط الحدود اللبنانية الإسرائيلية ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة. وقد بدا موقف قاسم بمثابة إعلان اعتراض صريح ومباشرة على أي مسار سياسي قد يؤدي إلى تقليص وظيفة “الحزب” العسكرية أو إعادة حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية.
لغة التهديد القصوى والعنيفة التي استخدمها قاسم ضد الحكومة اللبنانية، حين دعاها إلى “الرحيل” إذا كانت عاجزة عن “حماية السيادة”، تحمل في جوهرها دلالتين خطيرتين. الأولى، أن “الحزب” لا يعترف فعلياً بشرعية أي سلطة لا تنسجم مع أولوياته الاستراتيجية. والثانية، أن مفهوم “السيادة” لدى “حزب الله” لا يرتبط باحتكار الدولة للسلاح، بل بالعكس، يقوم على شرعنة وجود قوة عسكرية موازية للجيش، تمتلك قرار المواجهة الإقليمية بمعزل عن المؤسسات الدستورية.
هذا المنطق الراديكالي يعكس معضلة مزدوجة، دولة تواجه ميلشيا تملك بنية عسكرية وأمنية وعقائدية ترتبط مباشرة بـ”ولاية الفقيه” و”الجمهورية الإسلامية” في طهران التي تشكل المرجعية السياسية والعقائدية العليا “للحزب”، وتوفر له الغطاء المالي والعسكري. ومن هنا، فإن تمسك “الحزب” بسلاحه لا يرتبط فقط بالصراع مع إسرائيل، بل بوظيفته الإقليمية داخل المشروع الإيراني الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت.
ولذلك، فإن ربط نعيم قاسم بين وقف الحرب ومناقشة “الاستراتيجية الدفاعية” ليس سوى إعادة إنتاج للمعادلة القديمة ذاتها التي سبق أن استخدمها “الحزب” لعقود، ومفادها تأجيل أي نقاش جاد حول السلاح إلى أجل غير مسمى، مع إبقاء لبنان ساحة أو منصة مفتوحة لخدمة الحسابات الإيرانية. فـ”الحزب” يدرك أن أي انتقال فعّلي نحو دولة طبيعية ذات سيادة كاملة يعني تلقائيا نهاية دوره كقوة عسكرية بسلاح غير شرعي ومتفلت، وتحوله إلى فاعل سياسي داخلي خاضع لقواعد الدولة، وهو ما يتناقض مع بنيته العقائدية والأمنية الحالية.
الأكثر دلالة في الخطاب كان حديث أمين عام “الحزب” عن أن إيران “ستخرج مرفوعة الرأس” وستصبح “قوة استثنائية”. هذه العبارة تكشف بوضوح أن “الحزب” لا ينظر إلى نفسه كقوة لبنانية مستقلة القرار، بل كجزء عضوي من محور تقوده إيران. فالأولوية في الخطاب لم تكن لمصلحة لبنان المنهك اقتصادياً والمنقسم سياسياً ووضع المدنيين ممن تكبدوا تبعات “حرب الإسناد”، بل لصورة إيران الإقليمية وقدرتها على تثبيت نفوذها بعد الحرب.
من هنا، يمكن فهم رفض أو ممانعة “الحزب” للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ليس فقط باعتبارها مسألة سياسية أو أيديولوجية، بل لأن أي تسوية مستقرة على الحدود الجنوبية قد تؤدي تدريجياً إلى تقليص مبررات وجوده العسكري. فـ”حزب الله” تاريخياً استمد جزءًا كبيراً من شرعيته بلبنان من استمرار حالة “المقاومة” المزعومة والمتوّهمة بخلق أعداء متخيلين محلياً أو إقليمياً (قوى سنية ومسيحية/ إسرائيل/ الخليج) والتوتر الدائم معهما. أما الانتقال إلى مرحلة تهدئة طويلة الأمد أو ترتيبات أمنية مستقرة، فقد يفتح الباب أمام أسئلة أو مسائلة لبنانية مؤجلة منذ سنوات حول جدوى السلاح وكلفته على الدولة والمجتمع، خصوصاً بعد النزوح والقتل والتشريد.
وبخلاف موقف زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر، الذي أعلن تفكيك ميلشيا “سرايا السلام” التابعة له، وإلحاقها في تبعية للدولة العراقية، الأمر الذي مثّل حرجاً أو انكشافاً للفصائل الولائية التابعة لإيران، وقد دعا الصدر “الحشد الشعبي” الامتثال لخطوة مماثلة والانفكاك عن الرهان الطائفي والحزبي، فإن “حزب الله” في لبنان مازال يرى سلاحه هو الشرعي بينما الدولة بمؤسساتها لا تحوز السيادة أو الشرعية.
وقال الصدر إن “هذه الخطوة تمثّل مساراً مهما لتعزيز الاستقرار الداخلي وترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة ودعم الأجهزة الأمنية في أداء واجباتها الدستورية”.
Loading ads...
في المحصلة، لا يمكن قراءة خطاب نعيم قاسم أو فهم الموقف الولائي والميلشياوي في لبنان باعتباره مجرد موقف سياسي عرضي أو مؤقت في لحظة مشحونة بالاستقطاب والتوتر السياسي كما الأمني والعسكري، إنما إعادة تأكيد على أن “حزب الله” ما زال يرى لبنان جزءًا من ساحة الصراع الإقليمي الإيراني، لا دولة مستقلة تمتلك قرارها السيادي الكامل. ولذلك، فإن جوهر الأزمة بلبنان كما في العواصم التي تحتلها قوى الأمر الواقع التابعة “للحرس الثوري”، لم يعد فقط في وجود سلاح خارج الدولة، بل في وجود مشروعين متناقضين: مشروع دولة وطنية لها مؤسساتها السيادية وشرعيتها وأجهزتها تسعى إلى التسوية والاستقرار واستعادة القرار الوطني، ومشروع عابر للحدود عقائدي يعتبر لبنان منصة متقدمة ضمن استراتيجية “ولاية الفقيه” وموازين القوة الإيرانية في الشرق الأوسط.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


