في كل عصر، كانت الحضارات تُبنى حول نوعٍ معين من العقول، حيث قاد الفلاسفة العصور القديمة، والحرفيون بنوا الإمبراطوريات، ثم جاء عصر المهندسين الذين أشعلوا الثورة الصناعية ودشنوا العالم الرقمي الحديث.
لكن مع صعود الذكاء الاصطناعي، تظهر مفارقة غير متوقعة: كلما أصبحت الآلات قادرة على أداء المهام المنطقية والتحليلية بكفاءة أعلى، زادت الحاجة إلى التعاطي مع الجوانب غير الهندسية لهذه النماذج.
ولذلك، يقود التطور التكنولوجي الفائق الفلسفة والعلوم الإنسانية للعودة إلى قلب الاقتصاد والتكنولوجيا، ليس هروبًا من الآلة، بل لفهمها، وتوجيهها، والتعايش معها.
وبالفعل بدأت شركات الذكاء الاصطناعي الرئيسية مثل "أنثروبيك" و"ديب مايند"، توظيف فلاسفة متخصصين مثل "أماندا أسكيل" و"هنري شيفلين"، لمعالجة المخاوف التي يثيرها الذكاء الاصطناعي المتقدم.
لكن كيف للفلاسفة أن يتعاطوا مع مخاطر الذكاء الاصطناعي؟ أليس جديرًا بهذا الدور أن يلعبه المهندسون وعلماء البرمجة؟ في الحقيقة لا، لأن هؤلاء الفلاسفة سيتعاملون مع نوع مختلف من المخاطر، وليس تلك المتعلقة بالأمن السيبراني ودقة النتائج.
- يركز هؤلاء الفلاسفة على تطوير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومواءمته، ونمذجة "شخصيته"، بما يتجاوز الهندسة التقليدية ويعكس تحولاً أوسع نطاقاً.
- مع أتمتة النماذج لمزيد من عمليات التفكير والبرمجة الروتينية، تكتسب المهارات البشرية الفريدة (الإبداع، والتفكير النقدي، والحكم الأخلاقي) قيمة اقتصادية وثقافية.
- الاحتياجات الأخلاقية: تُثير أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية تساؤلات أخلاقية واجتماعية وفلسفية عميقة (مثل التحيز، والوعي، والحقوق) والتي غالبًا ما تتجاهلها فرق الهندسة والمبرمجين.
- هنا يأتي دور المفكرين، حيث يساعد الفلاسفة هذه الأنظمة على صياغة الإجابة عن سؤال "ماذا ينبغي أن يفعل الذكاء الاصطناعي؟" إلى جانب سؤال "ماذا يمكنه أن يفعل؟".
- يتعاون خبراء الفلسفة في مجال مواءمة الذكاء الاصطناعي وسلامته، حيث يحددون القيم، ويضعون مبادئ توجيهية أخلاقية (مثل "دستور أنثروبيك").
- كما يُجرون اختبارات سلوكية لنمذجة السلوكيات بحثًا عن التحيز أو الضرر، ويصممون سيناريوهات لاختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على اتخاذ القرارات.
- تتولى "أماندا أسكيل"، وهي فيلسوفة حاصلة على دكتوراه من أكسفورد وجامعة نيويورك، قيادة فريق "مواءمة الشخصية" لنموذج "كلود" من "أنثروبيك"، حيث تُعلّم النموذج الآداب والصدق والاتساق الأخلاقي.
- أما "ديب مايند" التابعة لـ "جوجل"، فعينت "هنري شيفلين"، وهو باحث متخصص في فلسفة العقل لدى جامعة كامبريدج، ليركز على وعي الآلة، والعلاقات بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وجاهزية الذكاء الاصطناعي العام.
لكن لماذا هذا التحول؟
- يتوقع مراقبون تزايد الطلب على المهارات التي تتمحور حول الإنسان بشكل كبير بحلول عام 2030. ويشير تقرير لمجلة "فورتشن" إلى أن "التفكير النقدي والإبداع" في اقتصادٍ قائم على الذكاء الاصطناعي سيكونان أكثر أهمية من أي وقت مضى.
- في بدايات جهود البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، كانت المسائل الفلسفية محصورة إلى حد كبير في النقاشات الأكاديمية، لكن مع انتشار الأنظمة الحديثة على نطاق واسع، أدت الإخفاقات (الخوارزميات المتحيزة، والأضرار غير المتوقعة) إلى مطالبات بالتركيز على الأخلاقيات.
- أظهرت الجهود المبكرة أن الحوكمة المؤقتة غير كافية، وبحلول عام 2026، بدأت مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة بضم خبراء في الفلسفة إلى كوادرها الداخلية بدلاً من الاستعانة بمستشارين خارجيين.
- هذا يعكس ثورات تكنولوجية واقتصادية أوسع نطاقًا: ففي حين شهد القرن العشرون نقاشات بين المهندسين والمحامين حول السياسة النووية؛ يتعاون المهندسون مع الفلاسفة اليوم لتوجيه مسار الذكاء الاصطناعي.
- مع التطور التكنولوجي السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي في المهام المنطقية (كالبرمجة والرياضيات وتحليل البيانات)، باتت الميزة البشرية تكمن فيما تُعاني منه الآلات: المشكلات الغامضة وغير المنظمة.
- تُدرك المختبرات الرائدة أن الذكاء الاصطناعي عالي القدرات يُثير قضايا غير مألوفة (مثل: هل يُمكن لروبوت محادثة أن يُطور "أهدافه الخاصة"؟)، ولذا، تُوظّف بعض الشركات فلاسفةً لمعالجة المسائل الأخلاقية والمجتمعية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي المتقدم.
- باختصار، يعمل الفلاسفة جنبًا إلى جنب مع المهندسين، ويُساعدون في صياغة بيانات التدريب ونماذج المكافآت بحيث تعكس مُخرجات الذكاء الاصطناعي القيم الإنسانية.
كيف يؤثر ذلك؟ (فلسفيًا)
- يركز الفلاسفة في مجال الذكاء الاصطناعي على مسائل القيم والوعي والفاعلية، فعلى سبيل المثال، يدرس فريق "أسكيل" أنماط تفكير "كلود"، ويُجري معه حوارات مطولة لاستكشاف كيفية تعامله مع المواقف المعقدة أخلاقيًا.
- تساعد "أسكيل"، "كلود"، على بناء هوية مستقرة كمساعد إنساني نافع، بدلًا من كونه نظامًا سهل التلاعب به، وبالمثل، يتعامل "شيفلين" مع مسألة "وعي الآلة" والعلاقات بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ويحاول استكشاف ما إذا كان بإمكان النماذج المتقدمة أن تكون واعية أو أن تمتلك حقوقًا.
- تشير التحليلات إلى أن فرق الذكاء الاصطناعي والبشر التي تضم فلاسفة تركز أكثر على تحديد القيم وتحليل السيناريوهات بدلًا من الهندسة، وتساعد في بناء أطر السياسات واختبارات التحقق من الثغرات الأخلاقية.
- باختصار، يطبق الفلاسفة أدوات أخلاقية ومفاهيمية (المنطق، والأخلاق المعيارية، والفلسفة السياسية) لتوجيه سلوك الذكاء الاصطناعي وحوكمته، لضمان عدم استناد القرارات إلى خوارزميات غامضة.
كيف يؤثر ذلك؟ (اقتصاديًا)
- يُشير تقرير "مستقبل الوظائف 2025" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنه في حين تنمو مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة بوتيرة أسرع، فإن "التفكير الإبداعي" والمرونة والحكم الأخلاقي تتزايد أهميتها أيضًا.
- عمليًا، صرّحت شركات مثل "ماكينزي" بأنها تُعيد ترتيب أولوياتها فيما يتعلق بخريجي العلوم الإنسانية كمصادر للإبداع تُكمّل العمل الخوارزمي. هذا يُوحي بأن العديد من وظائف "اقتصاد المعرفة" ستجمع بين الخبرة التقنية والإنسانية.
- مع ذلك، يُخالف بعض القادة هذا الرأي: فقد حذّر الرئيس التنفيذي لشركة "بالانتير" من أن الذكاء الاصطناعي قد "يُدمر وظائف العلوم الإنسانية" ويُعزز المزيد من الوظائف المهنية.
- إجمالًا، تُشير الأدلة إلى نموذجٍ تنتقل فيه المهام المعرفية الروتينية إلى الذكاء الاصطناعي، فيما تُصبح الوظائف التي تتضمن الاستراتيجية والأخلاقيات وسرد القصص والإشراف النقدي أكثر قيمة.
- كما يُشير دمج الفلسفة في فرق الذكاء الاصطناعي إلى أن الشركات تُقدّر التصميم الشامل (الأخلاقيات، ثقة المستخدم، الإبداع) وليس الأداء فحسب، وقد يُنذر هذا باقتصادٍ يُكمّل فيه الاستراتيجيون المبدعون والخبرات الإنسانية الأدوار التقنية.
- هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال نهاية عصر المهندسين، بقدر ما يبشر ببداية عصرٍ جديد تتداخل فيه التقنية مع الفلسفة، والمنطق مع القيم الإنسانية، فكلما أصبحت الآلات أكثر قدرة على التفكير والتنفيذ، ازدادت أهمية الإنسان القادر على الفهم، والحكم، والتوجيه.
- لهذا، قد لا يكون السؤال الأهم في المستقبل: "ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟" بل "كيف نريد لها أن تفعل ذلك؟ ولمصلحة من؟".
Loading ads...
المصادر: أرقام- وول ستريت جورنال- المنتدى الاقتصادي العالمي- فورتشن- بزنس إنسايدر- ميديوم- إد تك إنوفيشن- ديجيتيمز
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

العودة إلى المنطق
منذ ساعة واحدة
0




