ساعة واحدة
تعهيد الموت.. سوريا مقاولا إقليميا في عين السياسة الأميركية
الثلاثاء، 30 يونيو 2026
لم يكن ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن دفع سوريا إلى مواجهة حزب الله في لبنان زلّةً عابرة على هامش قمةٍ دولية. فخلال أقل من أسبوعين من حزيران الحالي انتقلت الفكرة من تلميحٍ تلفزيوني إلى اقتراحٍ علني أمام الصحافة، ثم إلى إلحاحٍ متكرر بثقةٍ ترامبية بالغة، حتى بدا الرئيس الأميركي كمن يبحث عن «مقاولٍ» بديل يتولّى ما عجزت إسرائيل عن إنجازه. وقد كشف التوجّس السوري واللبناني الكبير تجاه هذه الدعوات عمّا يحمله المشهد من تناقضاتٍ فجّة بين واقع المنطقة والقواعد التي تحكم القوى الفاعلة فيها على أساسها.
ورغم أن احتمال تدخّلٍ عسكري سوري مباشر في لبنان قد تراجع سياسيًا لعوامل عديدة أبرزها توجّس إسرائيل، إلا أن علينا أن نأخذ ما حدث تحذيرًا عمليًا صارمًا يفترض منّا الريبة والحذر في التعاطي مع النظرة الغربية برمّتها تجاه سوريا الجديدة؛ خاصةً أن احتمال دورٍ سوري غير عسكري لا يزال قائمًا، ولا تزال التوقّعات الأميركية من سوريا ضمن مشروع رؤيةٍ جديدة للمنطقة قائمةً كذلك.
بدأ الخيط العلني في السابع من حزيران، حين قال ترامب في مقابلةٍ تلفزيونية إنه يريد «ضربةً أكثر دقة» ضد حزب الله، وأن واشنطن يمكن أن تساعد في ذلك أو «توصي بسوريا» للقيام به، مكيلًا المديح للرئيس السوري أحمد الشرع بأنه قائدٌ جيد «يرغب في المساعدة». وبعدها بأقل من عشرة أيام، وعلى هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية، خلال لقاءٍ ثنائي مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، قال ترامب العبارة الأوضح: «اقترحتُ على إسرائيل أن تدع سوريا تتولّى أمر حزب الله»، مضيفًا: «بصراحة، أعتقد أنهم سيقومون بذلك بشكلٍ أفضل». ثم مضى أبعد من ذلك مشيرًا إلى الرئيس السوري: «إذا لم تستطع إسرائيل إنجاز المهمة من دون قتل كل الآخرين، فهو سينجز المهمة. سوريا ستنجز المهمة».
وفي اليوم التالي، أكّد ترامب أنه تحدّث إلى الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن حزب الله؛ فعندما سُئل إن كان قد ناقش الأمر معه أومأ وقال: «نعم». وعندما سُئل إن كان الشرع مستعدًا لمواجهة الحزب، لم يؤكّد ولم ينفِ، بل قال إنه «سيتحدّث عن ذلك لاحقًا». ثم بلغ الإلحاح ذروته مطلع الأسبوع الماضي، حين عاد في مقابلةٍ مع فوكس نيوز إلى الفكرة بصيغةٍ أفجّ، قائلًا: «أنا محبط لأن إسرائيل لا تستطيع القضاء على حزب الله»، ومضيفًا: «لا يستطيعون فعل أي شيء من دون هدم المباني». ثم ختم: «أنا قريبٌ من تسليم الأمر إلى سوريا»، لأنها، أو لأن الشرع، «سيقوم بالمهمة على نحوٍ أدق».
ولم تولد الفكرة للتوّ على خلفية الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية حين باتت آثارها الممتدة ورطةً لا مخرج منها؛ فقد كشفت وكالة رويترز قبل ثلاثة أشهر، نقلًا عن خمسة مصادر مطّلعة بينهم مسؤولان سوريان، أن الإدارة الأميركية شجّعت دمشق على دراسة إرسال قواتٍ إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، وأن الفكرة طُرحت في قنواتٍ بين الجانبين منذ العام السابق، ثم أُعيد تداولها مع اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران مطلع آذار/مارس. إذًا، لا تبدو التصريحات اقتراحًا عابرًا للتخلّص من الحرج الذي تسبّبه إسرائيل في لبنان، بل جاءت وجهًا علنيًا لمسارٍ من التداول غير المعلن يمتدّ منذ أواخر 2025 على الأقل.
تكمن أهمية هذا السياق المتتابع في أنه يمنع قراءة كلام ترامب كفلتة لسانٍ معتادة؛ فنحن أمام فكرةٍ كانت تتجوّل في الكواليس وقتًا طويلًا حتى أنضجتها ظروف الحرب العبثية. وحين خرجت إلى العلن، جاءت بلغة ترامب المعروفة: لغة المقاول، ولغة الصفقة، ولغةٍ ترى الحرب مشروعًا يمكن إدارته وتغيير متعهّديه ومراجعة كلفته، لا كارثةً سياسية وأخلاقية يجب وقفها. فجوهر المقترح هو نزع ملف حزب الله من يد مقاولٍ إقليمي عجز عن إنجازه — وهو إسرائيل — وتسليمه إلى مقاولٍ آخر يبدو أكثر ملاءمةً للحظة، وهو سوريا ما بعد الأسد. أي أن الاعتراض ليس على الحرب نفسها ولا على الموت نفسه، بل على الكلفة وأسلوب التنفيذ حين يصبح مزعجًا على نحوٍ لا يمكن إدارته؛ فإسرائيل تُسرف في القتل والهدم، وفوق ذلك إنجازها بطيء، لذا يُغيَّر المنفّذ، أما الهدف فثابتٌ بلا شك.
كان كل هذا الإلحاح متزامنًا مع موقفٍ سوري رسمي يصرّ على رفضه المطلق؛ فقد نفى الرئيس السوري تقارير التدخّل، واصفًا ما يُتداوَل بأنه «غير صحيح بالمطلق» و«مجرّد إشاعات». وأكّد مستشارٌ في الرئاسة السورية أن دمشق «غير معنية بأي تدخّلٍ عسكري» في لبنان، وأنها تفضّل تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية على الفعل العسكري الخارجي. بل إن وزارة الداخلية السورية شدّدت على أن «لبنان دولةٌ ذات سيادة وليس حديقةً خلفية كما كان النظام السابق ينظر إليه»، فيما أوضحت مصادر في دمشق أنه «لا يوجد حتى الآن أي طلبٍ أميركي رسمي» بهذا الشأن. لكن خريطة المشهد تجعل القلق حيال الإلحاح الأمريكي أجدى وأَولى من الطمأنينة حيال الرفض السوري، وهو ما ظهر في ردود الفعل اللبنانية والسورية، الرسمية منها وغير الرسمية.
ويمكن تتبّع منطق المقاولة هذا في النمط الخطابي ذاته الذي تُطرح به الفكرة:
في كل مرة طرحت غابت عنها سيادة لبنان وأي قرارٍ لبناني داخلي غيابًا تامًّا، وتكشف تعبيرات ترامب من قبيل «do the job» و«take care of it» عن حربٍ تُعامَل كمشروعٍ قابل لإعادة التلزيم، ودولٍ تظهر كمجرد أدوات تنفيذ، وحدود كخطوط على ورق. وحين يعترض ترامب على كلفة المدنيين، فإنه لا يفعل ذلك لمراجعة الهدف، بل لتبرير تغيير المنفّذ. وفوق ذلك كله، تُختزل معضلةٌ لبنانية-سورية-إقليمية معقّدة في تقييمٍ شخصي لأحمد الشرع وحده، استنادًا إلى ثقة ترامب بأنه «جيد مع حزب الله» ولا يحبّه، فتختفي الدولة والمجتمع والتاريخ خلف صورة رجلٍ «قادر» أو «مفيد» في لحظةٍ بعينها. ولا يُزعج ترامبَ الوضعُ اللبناني في ذاته، بل أن حرب لبنان تُلقي «ضوءًا سلبيًا» على مساره مع إيران، فيغدو لبنان مجرّد عقبةٍ تُعطّل صفقةً أكبر، وتعهيده لسوريا حلًّا يبدو ناجعًا. وفي هذا كله، لا يظهر اللبنانيون ولا السوريون كفاعلين سياسيين يملكون حقّ تقرير مصيرهم، بل يظهر لبنان ساحة مشكلة وسوريا جهةً يمكن تكليفها، فيما تغيب الدولة اللبنانية والمجتمع السوري وذاكرة العلاقة بين البلدين عن المعادلة بأسرها. وهذا الغياب ليس ثغرةً في الخطاب، بل جزءٌ من بنيته.
لكن لغة الصفقة هذه لا تطفو في فراغ؛ إنها تقف على أرضيةٍ تصوّرية تجعلها معقولةً ومبرَّرة. فما يطرحه ترامب هو، في جوهره، التطبيق العملي لتشخيصٍ قدّمه مبعوثه إلى سوريا توم باراك على مدى العام والنصف الماضيين منذ سقوط نظام الأسد. فلم يكتفِ باراك خلال العام السابق بإدارة ملفّي سوريا ولبنان كملفّين دبلوماسيين، بل قدّم مرارًا تصوّرًا كاملًا للمشرق باعتبار فضاءً قبليًا حتمي الهشاشة، عاجزًا عن الدولة، وقابلًا لإعادة التركيب من الخارج باسم الواقعية والسلام والازدهار.
في مقابلةٍ مع صحيفة «ذا ناشونال» في تموز من العام الماضي، قال باراك إنه إذا لم يتحرّك لبنان في ملف حزب الله فقد «يعود إلى بلاد الشام»، مضيفًا أن «السوريين يقولون إن لبنان منتجعنا البحري». لمست هذه الفكرة جرحًا لبنانيًا ملتهبًا، فباراك يقول صراحةً إن سيادة لبنان ليست حقًّا ناجزًا، بل وضعٌ مؤقت ومشروط بحسن سلوكه السياسي، وإنه هامشٌ جغرافي قابلٌ للردّ إلى مركزٍ أكبر إذا لم ينسجم مع هندسة واشنطن للمنطقة.
وفي قصر بعبدا، انفعل باراك على الصحافيين اللبنانيين طالبًا منهم أن يتصرّفوا «بشكلٍ متحضّر»، وأضاف: «في اللحظة التي يصبح فيها الوضع فوضويًا، كالحيواني، سنغادر»، قائلًا إن هذا السلوك «هو المشكلة فيما يحدث في المنطقة».
لم تكن تلك زلّةً لفظية على الإطلاق، بل نظرةً وصائية متعالية أثارت جدلًا كبيرًا دفعه للاعتذار لاحقًا قائلًا إنه لم يقصد الإهانة؛ إلا أن نمطًا واضحًا ظهر في تصريحاتٍ أخرى لاحقة. ففي مؤتمر حوار المنامة في تشرين الثاني من العام الماضي، وصف باراك لبنان بدولةٍ فاشلة، محيلًا إلى انهيار المصرف المركزي والنظام المصرفي والدين العام، وقال: «ما هي الدولة؟ الدولة هي حزب الله» في سياق حديثه عن الخدمات والرواتب والسلاح في الجنوب.
قد يبدو ذلك تشخيصًا محايدًا لدولةٍ فاشلة بالفعل، لكنه أراد منه استشكال المنطقة ككل؛ إذ قال: «منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية، كل ما فعله الغرب كان خطأ… وضع الانتداب الاستعماري فوق قبائل وأعلام وسياقٍ ديني لم ينجح قط»، و«كل النماذج المركزية فشلت. ما نجح هو الملكيات الخيّرة»، ثم ربط ذلك بـ«توافق المصلحة الدينية والسياسية». لم يكن يقول ذلك احترامًا لاستقرار الممالك في المنطقة بقدر ما كان يطرد المنطقة ككل من سياق التاريخ الحديث، بدولها المستقرة والمرتبكة معًا — لا لأنها لم يُسمح لها بأن تكون دولًا مستقرة بفعل جيرة الاحتلال الذي فُرض عليها قسرًا، وقيامها على أنقاض استعمار قسّمها إلى جغرافيات مشوّهة، بل لأن هذا الفشل، في نظره، محتومٌ عليها بفعل طبيعتها الديموغرافية "المعقّدة".
تأكّدت هذه النظرة لاحقًا في مؤتمر الدوحة في كانون الثاني من هذا العام، حين كرّر أن الدول القومية في المنطقة صنيعة أوائل القرن العشرين، بينما الحضارات هنا مبنيّةٌ على نموذجٍ «قبلي، عائلي»، وأن «لم تكن لدينا قط ديمقراطية في [الشرق الأوسط]… لا أرى ديمقراطية»، و«يمكن لإسرائيل أن تزعم أنها ديمقراطية، لكن في هذه المنطقة، ما نجح بشكلٍ أفضل، سواء أعجبك ذلك أم لم يعجبك، هو الملكية الخيّرة/المستنيرة».
هنا يتداخل الخطابان الباراكي والترامبي ويكمّل أحدهما الآخر: ترامب يقول «دعوا سوريا تتولّى الأمر»، وباراك يقدّم الخلفية النظرية التي تجعل هذا القول ممكنًا ومفهومًا. فإذا كان المشرق، في هذا التصوّر، قبائل وطوائف وعائلات أكثر مما هو دولٌ ومواطنون ومؤسسات، فلا غرابة أن يُفكَّر فيه رقعة يمكن تحريك كتلها بعضها ضد بعض: سوريا «السنّية» الجديدة تُدفع لكبح حزبٍ «شيعي» لبناني.
بهذا المعنى، لم يكن مقترح تعهيد لبنان لسوريا طارئًا على عقل الإدارة الأميركية، بل هو التطبيق العملي لذهنيةٍ سابقة عليه. يقوم المقترح، في عمقه، على قراءةٍ للمنطقة كخريطةٍ مذهبية في الأساس والجوهر: أكثريةٌ سنّية سورية يمكن استخدامها في مواجهة حزبٍ شيعي لبناني، برعايةٍ أميركية ورضًى إسرائيلي محتمل، بهدف ضبط ملفٍّ إيراني أوسع. فهو في أصله إعادةُ تفعيلٍ لما يُتصوَّر أنها «قواعد اشتباكٍ طائفية راسخة» في المشرق، بما يخدم المصالح الأميركية.
تنظر العدسة الاستشراقية الكسولة إلى الطائفية كجوهرٍ أزلي لمجتمعات المنطقة، تحكمها أحقادٌ بدائية متوارثة؛ أي أنها بنيةٌ ثابتة في طبيعة شعوب المنطقة تجعلها غير قابلةٍ للإدارة إلا عبر هندسة صراعاتها المذهبية. وهذا التصوّر بالضبط هو ما يحوّل فكرة التدخّل السوري من اعتداءٍ على سيادة دولةٍ جارة، يُفترض أن تحكمها علاقة جوارٍ طبيعية قائمة على المصالح والامتدادات المشتركة، إلى فكرةٍ «واقعية جدًا» تتعامل مع المنطقة «كما هي عليه فعلًا».
يستشكل المؤرّخ الفلسطيني أسامة مقدسي جوهر هذه المغالطة، فيبيّن في عمله «ثقافة الطائفية» أن الطائفية في أصلها ليست بقيّةً من ماضٍ سحيق ولا جوهرًا أزليًا لمجتمعاتنا، بل تعبيرٌ عن الحداثة نفسها. أي أنها تكوينٌ سياسي حديث تبلور في القرن التاسع عشر عند تقاطع إصلاحات التنظيمات العثمانية مع التدخّل القنصلي الأوروبي وإعادة تشكّل النخب المحلية، متمحورًا حول عنف جبل لبنان عام 1860. في هذه اللحظة تحديدًا، حُوّل الانتماء المذهبي من رابطةٍ اجتماعية بين روابط أخرى إلى مبدأٍ للتمثيل والامتياز والمحاصصة، ثم إلى أداةٍ لإدارة الخوف وتوزيع السلطة وتفتيت السيادة.
ما يقوله مقدسي ببساطة هو أن الطائفية ليست ما تتذرّع به القراءة الاستشراقية الباراكية لتبرير هندسة الصراعات في المنطقة، بل هي ذاتها أحد منتجات تلك الهندسة الاستعمارية التي بدا أن باراك ينتقدها من حيث كان يؤصّلها. والقول بأن المشرق «طوائف بطبيعته» ليس وصفًا محايدًا للواقع، بل إعادةُ إنتاجٍ لبنيةٍ سياسية صُنعت لتُدار من الخارج.
وخلف هذا كله يقف منطقٌ أعمق يضيئه مفهوم «سياسات الموت» (Necropolitics) للمفكّر الكاميروني أشيل مبيمبي، حيث يصبح التعبير الأقصى عن السيادة سلطةً على الموت قبل أن يكون سلطةً على الحياة: سلطةُ تحديد من يُسمح له أن يعيش، ومن يُترك ليموت، ومن يمكن قتله أو تعريضه للموت من دون أن يُعَدّ ذلك جريمةً كاملة في نظر السلطة. وفي فضاءات الاستعمار والحرب والاحتلال، تُدار هذه السلطة عبر صنع ما يسميه مبيمبي «مناطق الإماتة»، وهي مساحاتٌ لا يُعامَل سكانها كذواتٍ سياسية، بل كأجسادٍ قابلة للإدارة أو الحصار أو الإزالة. ولا يحدّدها شكلها الجغرافي، بل المنطق الذي يحكمها: أن موت سكانها يمكن ترتيبه بقراراتٍ تُتّخذ في أماكن بعيدة، ثم تُنفَّذ بأدواتٍ محلية أو إقليمية. وبهذا المعنى، تغدو سوريا ولبنان معًا منطقتَي إماتةٍ مُدارتين في عين السياسة الأميركية.
بهذه العدسة نفهم قول ترامب «من دون قتل الجميع» لا اعتراضًا إنسانيًا على القتل، بل اعتراضًا على فوضويّته وإحراجه، فيما يبقى الموت نفسه غايةً مُدارة بحدّ ذاتها. وما يُطرح على سوريا حينئذٍ ليس تدخّلًا عسكريًا تقنيًا، بل تعهيدٌ لحقّ القتل ذاته: إدارةٌ للموت بالوكالة في فضاءٍ يُنظر إليه كساحةٍ مفتوحة، يتولّى فيها وكيلٌ إقليمي تنفيذ ما لا يريد المركز الأميركي ولا حليفه الإسرائيلي تحمّل كلفته السياسية والأخلاقية. ويصبح اللبنانيون والسوريون، بالتالي، ضحاياه المباشرين وضحايا عواقبه، ولكن دون أن يكونوا ضحايا محرجين.
وقد أدّت هذه البنية الطائفية، منذ تأسيسها في بلاد الشام، وظيفتين متلازمتين: التعبئة، عبر إشعال هواجس البقاء والخوف من الآخر وتحويل القلق الوجودي إلى وقودٍ سياسي؛ والإخضاع، عبر تفتيت المجال الوطني إلى جماعاتٍ قابلة للاستدعاء والتخويف والمقايضة، بما يسهّل مراقبة المجتمعات وحكمها من الخارج. وحين تُطرح اليوم فكرة دفع سوريا إلى لبنان لمواجهة حزب الله، تعود الآلية ذاتها بثوبٍ جديد: إدارةٌ عن بُعد لصراعات الطوائف والحدود، تتولّى فيها قوةٌ إقليمية تنفيذ ما يتعفّف المركز عن تحمّل كلفته.
إنّ خطورة هذا المقترح لا تكمن في احتمال جرّ سوريا إلى مستنقعٍ لبناني جديد فحسب، ولا في احتمال إشعال توتراتٍ طائفية داخل البلدين، بل في كونه يكشف استمرار البنية الفكرية ذاتها التي حكمت نظرة الغرب إلى المشرق منذ قرن. والاستمرارية هنا ليست في المفردات، بل فيما يقبع تحتها: عقل إمبراطوري لم يتغيّر جوهره وإن تغيّرت لغته وأطرافه ولاعبوه، فانتقل من «عبء الرجل الأبيض» الأوروبي إلى «عقد المقاولة» الأمريكي. عقلٌ لا يسأل كيف تُمنع الحرب، لأنه يراها فكرةً أزلية في المنطقة، بل يبحث دومًا عمّن ينفّذها بكلفةٍ أقل؛ ولا تشغله سيادة أحدٍ بقدر ما يشغله من يمكن استئجاره لتعطيل سيادة الآخرين بما يخدم مصالحه.
وفي خضمّ هذا المشهد تجد الشعوب نفسها خارج المعادلة كلها، غير مرئيةٍ كذواتٍ فاعلة لها إراداتٌ وجراحاتٌ وأولويات. فسوريا، الخارجة لتوّها من حربٍ طويلة والمتعثّرة في مخاضٍ عسير لمعنى الدولة بعد عقودٍ من الاستبداد والوصاية والاحتلالات المتعدّدة، تُخاطَب لا لتُمنح صفة الفاعل، بل لتؤدّي وظيفة: مرةً حاجزًا، ومرةً ممرًّا، ومرةً خزّان مقاتلين، ومرةً مقاولًا أمنيًا. والمفارقة الأعمق أنها تُدعى لتكرار دور النظام السابق نفسه، لكن بانزياحٍ جوهري: فالنظام السابق احتلّ لبنان فاعلًا إقليميًا لحسابه الخاص — وإن قمعيًا — أما سوريا الجديدة فتُستدعى لتدخله منفّذًا لحساب غيرها. وهذا الانزلاق من الفاعل المستقلّ إلى المنفّذ المُتعهَّد هو التعريف الدقيق للتبعية في صيغتها الاستعمارية الجديدة.
Loading ads...
ولعلّ في الرفض السوري الرسمي ما يكشف إدراكًا عميقًا للفخّ. فحين تقول دمشق إن «لبنان دولةٌ ذات سيادة وليس حديقةً خلفية كما كان النظام السابق ينظر إليه»، فإنها لا تمارس حذرًا تكتيكيًا فحسب، بل تأتي بفعل كلامٍ يكسر النصّ الاستشراقي من داخله، ويرفض أن يكون السوريون بندقيةً احتياطية في يدٍ أخرى. غير أن هذا الرفض، على أهميته، يبقى هشًّا ما لم يتأسّس على وعيٍ كامل بما يُراد من سوريا أن تكونه، لا بما يُطلب منها أن تفعله. فالسؤال الحقيقي، في النهاية، ليس هل تتدخّل سوريا في لبنان، بل لماذا ما زال بوسع القوى الكبرى أن تتخيّل المشرق رقعةً تُكلَّف فيها جماعةٌ بضرب جماعة، ودولةٌ بكسر دولة، وطائفةٌ بتأديب طائفة؛ ولماذا يُطلب من السوريين، بعد كل ما عاشوه، أن يتحوّلوا مرةً أخرى أداةً في حربٍ لا تشبه أولوياتهم ولا تبني دولتهم. وما دامت الإجابة تُصاغ في حسابات اللحظة وحدها، فستبقى سوريا مرئيةً كأداة، وغائبةً كصاحبة إرادة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

