41 دقائق
الخيام والبطانيات أو ما نتوارثه نحن اللبنانيين جيلاً بعد جيل - رصيف22
الإثنين، 26 أكتوبر 2026

في الخامسة من عمري، انتسبت إلى الكشّافة. كان والدي كشفياً في صغره أيضاً، وأرادني أن أسلك الطريق عينه، إيماناً منه بأنّ الكشّافة تصقل شخصية الفرد وتجعل منه عنصراً فاعلاً داخل مجتمعه.
تدرّجت داخل الكشافة في مختلف المراحل، وأمضيت أجمل سنوات عمري فيها، حيث تنقّلنا بين مختلف المناطق اللبنانية، وبنينا أطيب الصداقات مع رفاقنا.
طوال تلك المرحلة، كان يراودني السؤال التالي: لماذا كان يتغيّب والدي دائماً عن زيارتي في المخيم الكشفي، حيث كنت أمضي أياماً عدة، أسوةً بآباء بقية رفاقي في الكشاف؟
برغم ذلك، لم أقف كثيراً عند هذه القضية، فربما منحني ذلك نوعاً من الاستقلالية والاعتماد على الذات.
كنت برفقة والدي نشاهد التلفاز معاً ونتابع الأخبار العاجلة عندما وقعت الحرب الإسرائيلية على لبنان في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبعد موجات النزوح الكبيرة من الجنوب اللبناني إلى مناطق مختلفة من الأراضي اللبنانية. من التقارير التي شاهدناها، تقرير عن النازحين في وسط بيروت، حيث نُصبت الخيام لعشرات العائلات داخل ساحة مباني العازارية.
لم يتكلّم والدي في البداية، لكن ملامح الحزن على الأهالي النازحين كانت باديةً على وجهه. سألته: إلامَ سنبقى نشاهد مشاهد المخيّمات والخيام؟
نظر إليّ وأجابني: هل تعلم أنّ لدي صدمةً من مشاهد الخيام؟ وهل تعلم أنني أتحسس من مشاهد المخيمات وإن كانت كشفيةً؟ لأنّ مشهد الخيمة يعود بي إلى مشاهد النزوح المتكرر الذي عاناه أهالي الجنوب اللبناني طوال الحروب الإسرائيلية على لبنان، حيث أقيمت لهم المخيمات المؤقتة، وكذلك الفلسطينيون في نزوحهم، وما يحمله هذا النزوح من معاناة ومرارة.
عندها، سألته السؤال الذي كان يدور في رأسي منذ زمن بعيد: ألهذا لم تكن تزورني في المخيمات الكشفية؟ أجاب: نعم.
هنا، بدأت أتلقّى أجوبةً عن أسئلة كثيرة لم أكن ألقى لها جواباً. بتّ أعرف لماذا أنزعج عندما أشاهد شاحنةً محمّلةً بالبطانيات، وهي في طريقها إلى السوق حتّى قبل اندلاع الحرب الأخيرة على لبنان.
ما زلت أتذكّر حرب تموز/ يوليو 2006 جيّداً، وكيف كانت الشاحنات المحمّلة بالبطانيات والحصص الغذائية تصل إلى المدرسة بجانب منزلي، والتي تحوّلت إلى مركز للإيواء. وكذلك مشهدها وهي تصل من سوريا عقب عملية "عناقيد الغضب" التي شنّتها إسرائيل على لبنان في 18 نيسان/ أبريل عام 1996.
ما زال عالقاً في ذاكرتي شيء من هـذه المشاهد، حيث أفرغت الشاحنات حمولاتها في ملعب صالح في منطقة بئر حسن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وكنت حينها طفلاً صغيراً.
مشهد الشاحنة المحمّلة بالبطانيات يعيدني إلى زمن الحروب ومعاناتها بتفاصيلها كلها.
قبل أشهر، وبينما كنت أمرّ من طريق كفرشيما في جبل لبنان، شاهدت وأنا أنظر إلى تلّة ربما تكون تابعةً لبلدية بطشاي، ثلاث جرّافات كبيرة تعمل على شقّ طريق في التلة. كانت آثار الحفر من تراب وغبار تملأ المكان. استوقفني أيضاً مشهد مشابه لكن هذه المرة لهدم منزل قديم، بغية إنشاء مبنى سكنيّ في بلدة وادي شحرور، حيث قامت جرّافة بهدمه تدريجيّاً.
أوقفت سيارتي بجانب الطريق، وبدأت أراقب المشهد. ربما يكون بالنسبة لكثيرين مشهداً طبيعياً عابراً، لكنه بالنسبة لي كلبناني جنوبي أتحدّر من بلدة ميس الجبل الحدودية، مشهد موجع.
مشهد الآليات تلك بات يذكّرنا، نحن الجنوبيين، بمأساتنا ونكبتنا، يوم دخلت الشركات الإسرائيلية بكامل "عدّتها" إلى قرانا في المنطقة المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة والتي لطالما عُرفت بمنطقة الشريط الحدودي. تمدّدت الحفّارات والجرّافات في أحيان أخرى إلى بعض القرى في الخطّ الثاني، وقامت بإحاطة كل بيت على حدة لتدمّره بسرعة قياسية، وتقوم بعدها باستخراج المعادن منه، قبل أن تتركه كومةً من الركام.
هي مشاهد بسيطة، لكنها توقظ فينا ذكريات نائمةً نحاول نسيانها، كي نستمرّ في هذا العالم المتغوّل.
لكن كيف يمكن أن ننسى وكلّ ما نراه أمامنا يعيدنا إلى قرانا التي أُبعدنا عنها قسراً، بكل ما فيها من ذكريات وحنين؟
ربما سيأتي اليوم الذي ندرك فيه كم هو عدد الصدمات التي تلقّيناها منذ صغرنا حتى يومنا هذا. ومن يدري؟ ربما بتنا نحن اللبنانيين نحمل هذه الصدمات في جيناتنا لنورثها لأبنائنا. فما عاشه والدي أعيشه أنا وابنتي، في حروب لا تنتهي، وفي صدمات لا تتوقف.
Loading ads...
بات أقلّ مشهد عابر يأخذنا في الذاكرة إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير، إلى مسلسل المعاناة الأولى، عندما وُلدنا في هـذا الشرق الملتهب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





