6 أشهر
تشغيل معمل الراموسة.. حلب تبدأ مرحلة جديدة في التعامل مع الأنقاض
الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025
بعد أيام قليلة على إعلان الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) انتهاء حملته لإزالة الأنقاض من 16 حيًا في الأحياء الشرقية لمدينة حلب في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، عادت ملفات الدمار المتراكم إلى الواجهة مجددًا، مع إطلاق مشروع جديد يهدف إلى استكمال ترحيل الركام وإعادة تدويره، في واحدة من أضخم العمليات الخدمية التي تشهدها المدينة منذ سنوات.
الحملة التي نفذها الدفاع المدني أزالت نحو 128 ألف متر مكعب من الأنقاض التي خلّفتها العمليات العسكرية لقوات النظام المخلوع، إلا أن الأحياء المدمرة لا تزال تضم كميات هائلة من الركام لم تمس بعد، الأمر الذي دفع محافظة حلب ومجلس المدينة إلى الشروع بمشروع جديد يتضمن لأول مرة خطة إعادة تدوير واسعة النطاق.
مشروع جديد
مصدر مسؤول في مجلس مدينة حلب قال لموقع تلفزيون سوريا إن أعمال مشروع ترحيل الأنقاض وإعادة تدويرها انطلقت رسميًا أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، بحضور مسؤولين من المحافظة والمجلس ومن الأمم المتحدة.
ويهدف المشروع، وفق المصدر، إلى إعادة ترحيل الأنقاض في عدد من الأحياء الشرقية، إضافة إلى إعادة تدوير أكثر من 50 ألف متر مكعب منها، وتحويلها إلى مواد تستخدم في المرافق العامة، مثل بلاط الأرصفة والبلوك ومواد البناء.
كما يتضمن المشروع توريد معدات ثقيلة جديدة وتوسعة معمل التدوير في منطقة الراموسة جنوبي حلب، إلى جانب خطة خدمية موازية تشمل تركيب 22 محولة كهربائية لتأمين التيار لأكثر من 100 ألف نسمة، ومد شبكة كهرباء جديدة بطول يتجاوز 50 كيلومترًا، إلى جانب صيانة أجزاء من الشبكات المتضررة في الأحياء الشرقية.
معمل تدوير الأنقاض في الراموسة
قصة معمل التدوير في الراموسة تعود إلى ما بعد سيطرة قوات النظام المخلوع على الأحياء الشرقية بحلب نهاية عام 2016، حين قدمت إحدى المنظمات الدولية منحة لإنشاء المعمل وتشغيله لسنة كاملة، شملت تدريب كوادر مجلس المدينة على إدارة خطوط الإنتاج.
يقع المعمل على مساحة تقدر بـ 85 ألف متر مربع، وجرى تشغيله لاحقًا من قبل مجلس المدينة لثلاث سنوات، لكن عمله كان متقطعًا ومحاطًا بشبهات فساد طالت مسؤولين في المحافظة والمجلس، بينهم رئيس المجلس السابق معد مدلجي ومحافظ حلب الأسبق حسين دياب، وهما من أكثر الشخصيات ارتباطًا بملفات فساد خلال فترة النظام المخلوع.
كان المعمل ينتج النحاتة المخصصة لردم الأرصفة، والزرادة، والبحصة الفولية، إضافة إلى القرميد وبلاط الأرصفة بمقاسات مختلفة، ورغم ذلك، لم يتحول إلى منشأة إنتاجية مستقرة، إذ توقف بشكل شبه كامل بعد 2020، ثم طُرح للاستثمار عام 2022 عبر مزاودة علنية لم تكتمل بسبب عدم قدرة المجلس على تأمين الأنقاض اللازمة لتشغيل خطوط الإنتاج، واليوم، ومع المشروع الجديد، تعود خطط إعادة تشغيل المعمل إلى الواجهة، وربما توسعته ليستوعب الكم الهائل من الأنقاض التي من المفترض أن يتم ترحيلها من باقي الأحياء المدمرة والمتضررة، كما أن عمليات الترحيل التي أنجزها الدفاع المدني في عدد من الأحياء تم وضع الأنقاض الناتجة عنها في باحة المعمل وبحاجة لعمليات إعادة تدوير.
فوائد اقتصادية
يؤكد مصدر محلي يعمل في قطاع البناء بحلب لموقع تلفزيون سوريا أن إعادة تشغيل معمل تدوير الأنقاض في الراموسة يمكن أن تحقق تحولًا اقتصاديًا مهمًا في سوق مواد البناء داخل المدينة، إذ سيؤدي إلى توفير القرميد والبلاط والنحاتة والبحص المعاد تدويره بأسعار أقل بكثير من أسعار المواد المنتجة في المعامل الخاصة، ما يساعد بشكل مباشر في خفض تكاليف ترميم المنازل المتضررة وإعادة إعمار الأبنية السكنية.
ويضيف المصدر أن وجود خط إنتاج محلي معتمد من جهة رسمية، سيحد من احتكار معامل خاصة مسيطرة على السوق، ويمنح الأهالي وورشات البناء خيارات بديلة بأسعار معقولة، الأمر الذي يمكن أن يسهم في تسريع عمليات الترميم الفردية التي يقوم بها السكان على نفقتهم الخاصة.
ولا تقتصر الفوائد المحتملة على الأهالي فقط، إذ يمكن أن يصبح المعمل، في حال عمله بكامل طاقته، رافدًا أساسيًا لمجلس مدينة حلب في مشاريعه الخدمية، فمن المتوقع أن تستفيد البلدية من منتجات المعمل في:
. ترميم الأرصفة والطرقات من خلال استخدام بلاط الأرصفة والنحاتة المُعاد تدويرها.
. تأهيل الحدائق والساحات العامة عبر مواد البلوك والبلاط منخفضة التكلفة.
. دعم مشاريع البنى التحتية التي تتطلب كميات كبيرة من مواد الردم والبحص.
. إعادة إعمار المنشآت والمباني المتضررة التابعة للقطاع العام، بدل شراء المواد من القطاع الخاص بأسعار مرتفعة.
. كما أن توفر مواد البناء المُعاد تدويرها من داخل المدينة يقلل من تكاليف النقل التي تشكل عبئًا كبيرًا على الميزانيات المحلية، ويسهم في إعادة تدوير جزء من الركام المتراكم بدل تركه مكدسًا في الأحياء.
وبحسب خبراء محليين، فإن تشغيل المعمل يمكن أن يشكل خطوة أساسية على طريق تحويل الأنقاض من مشكلة إلى مورد اقتصادي وخدمي، في مدينة ما زالت تحتاج إلى سنوات طويلة لإزالة آثار الدمار الذي خلفته الآلة العسكرية لقوات النظام المخلوع.
كم هو حجم الأنقاض المتبقية في حلب؟
حتى اليوم، لا يوجد رقم رسمي واحد يحدد حجم الركام المتبقي في الأحياء الشرقية لحلب، بسبب تباين درجات الدمار واختلاف التركيبة العمرانية بين حي وآخر، ووجود أحياء لم تجرَ فيها أي عمليات تقييم أو قياس.
لكن الأرقام المتاحة تشير إلى التالي:
. 128 ألف متر مكعب: أزالها الدفاع المدني من 16 حيًا في الحملة الأخيرة.
. 40 ألف متر مكعب: أزيلت في حملات سابقة من أحياء مثل الشعار وقاضي عسكر وكرم حومد.
ما جرى إزالته يشكل جزءا صغيرا فقط من إجمالي الركام الموجود، إذ غالبا تركزت الحملات على الشوارع العامة والمفاصل الحيوية.
أما على مستوى مدينة حلب ككل، فتقدير بحثي دولي سابق أشار إلى أن حجم الركام قد يصل إلى نحو 14.9 مليون طن منذ منتصف العام 2012 عندما كثف النظام المخلوع من استخدام الأسلحة الجوية والبرية في قصف الأحياء، وهو رقم يعكس حجم الدمار الهائل لكنه لا يخص الأحياء الشرقية بل الضواحي القريبة، وما تمت إزالته حتى الآن لا يمثل سوى نسبة محدودة جدًا من الكميات الحقيقية المتبقية.
بين الترحيل والتدوير
رغم أهمية المشروع الجديد، إلا أن التحديات لا تزال كبيرة: كميات الأنقاض ضخمة موزعة على عشرات الأحياء، أحياء نسبة الضرر فيها كبيرة، غياب تقييم شامل، وتداخل بين الملكيات الخاصة والعامة، ومع ذلك، فإن إعادة تشغيل معمل التدوير، إن تمت فعليًا، قد يمثل خطوة مختلفة عن المشاريع السابقة، لأنه يحول الأنقاض من عبء إلى مورد إنتاجي يمكن أن يعزز جهود الإعمار ويوفر فرصًا اقتصادية.
ويبقى السؤال الأهم، هل سيستمر هذا المشروع بوتيرة ثابتة ومن دون تعطل، ويحقق الهدف الذي أُعلن عنه بترحيل ما تبقى من الأنقاض والتعامل معها بوصفها موردا يمكن الاستفادة منه، بدل أن تبقى عبئا إضافيًا يتراكم فوق مشاكل المدينة، فحلب، التي ما تزال أطلال أحيائها الشرقية شاهدة على سنوات قاسية عاشتها تحت وابل نيران النظام المخلوع، تحتاج أكثر من مجرد حملات متقطعة أو مشاريع مؤقتة، إنها بحاجة إلى استمرار العمل بمنهجية واضحة، وإرادة إدارية قادرة على تحويل الوعود إلى واقع.
Loading ads...
فنجاح المشروع لا يقاس فقط بالكميات المرحلة أو المعاد تدويرها، بل بقدرته على إطلاق دورة إعمار حقيقية تعيد الحياة إلى الأحياء التي هجرتها آلاف العائلات، وتوفر مواد بناء ميسرة للأهالي، وتدعم خطط البلدية في تحسين البنية التحتية وإعادة تأهيل ما دمر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



