6 أشهر
بين الواقع الصعب ومحفزات الدعم.. ما فرص انتعاش زراعة حلب في الموسم المقبل؟
الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025
بين تقلبات الطقس ووعود الدعم الحكومي، يقف موسم الزراعة في محافظة حلب على مفترق طرق حاسم، وسط تساؤلات جدية حول قدرة القطاع الزراعي على استعادة عافيته بعد سنوات من الجفاف وتراجع الإنتاج، فقد أعاد الهطل المطري الأخير شيئاً من الأمل إلى قلوب المزارعين، الذين يترقبون استمرار الأمطار لتأمين الحد الأدنى من الرطوبة اللازمة لبدء الموسم وبذر محاصيلهم، في وقت ما تزال فيه آثار الجفاف الطويل حاضرة في التربة وموارد المياه الجوفية.
وتتجاوز المخاوف حدود الأراضي البعلية التي تعتمد بالكامل على الأمطار، لتصل إلى المزارع المروية أيضاً، إذ يعاني كثير من الفلاحين من جفاف الآبار وانخفاض منسوب المياه بشكل يهدد موسم الري المقبل، ما لم يسهم الهطل الحالي في تعويض النقص المتراكم خلال السنوات الماضية، هذا المشهد المعقد يدفع مزارعي حلب إلى الوقوف بين خيارين أحلاهما مر، إما المخاطرة بزراعة أراضيهم وسط مخاوف من انقطاع الأمطار مجدداً، أو الامتناع عن الزراعة وتكبد خسائر إضافية في مصدر رزقهم الأساسي.
دعم وقروض ميسرة
وفي مواجهة هذه التحديات، تحاول الجهات الحكومية استعادة ثقة الفلاحين عبر برامج دعم جديدة تشمل قروضاً ميسرة، وطروداً من البذار المحسنة، ووعوداً بتوفير الأدوية الزراعية بأسعار مدعومة، في محاولة للتخفيف من مخاطر الموسم المقبل وتحفيز المزارعين على الاستمرار في الزراعة رغم الظروف المناخية القاسية، وبين الواقع الصعب ومحفزات الدعم الموعودة، يبقى السؤال الذي يشغل آلاف الأسر في الريف الحلبي، هل يشهد هذا العام بداية انتعاش حقيقي للزراعة أم تكراراً لدورة الجفاف التي أثقلت كاهل الجميع؟
القرض الحسن
أطلقت وزارة الزراعة خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر مشروع "القرض الحسن" في خطوة تقول إنها تستهدف تعزيز الأمن الغذائي وتحفيز الإنتاج المحلي في مختلف المحافظات، وبحسب مصادر مطلعة في الوزارة، فإن المشروع يأتي ضمن خطة أوسع لإعادة تنشيط القطاع الزراعي وتأمين مستلزمات الزراعة الأساسية للفلاحين في ظل تحديات مناخية واقتصادية متراكمة.
وذكرت المصادر لموقع تلفزيون سوريا أن القرض الجديد يمنح بشكل عيني وليس نقدياً، ويتضمن تزويد المزارعين ببذار القمح والأسمدة الآزوتية والفوسفاتية، وذلك بقيمة إجمالية تقدر نحو 75 مليون دولار، وأكدت أن القرض معفى من الفوائد ومن أي رسوم إدارية، على أن يبدأ المزارعون بسداد قيمته بعد انتهاء موسم الحصاد، ما يمنحهم هامشاً أوسع لتغطية تكاليف الموسم.
ما شروط الاستفادة من القرض الحسن؟
وتشمل شروط الاستفادة من القرض إثبات حيازة الأرض الزراعية عبر وثيقة التنظيم الزراعي، وفي حال عدم توافرها يمكن الاعتماد على وثيقة الكشف الحسي الصادرة عن مديريات الزراعة، كما يشترط تقديم ضمانات إضافية، مثل كفالة من شخصين ذوَي قدرة مالية أو كفالة عقارية، إضافة إلى توقيع عقد قرض عيني مع المصرف الزراعي التعاوني يلتزم المزارع بموجبه بالتعاون مع لجان المتابعة وتقديم بيانات دقيقة حول نشاطه الزراعي. ولضمان وصول المستلزمات في التوقيت المناسب، عمّمت الوزارة على مديرياتها في المحافظات استقبال طلبات المزارعين عبر الدوائر الزراعية والوحدات الإرشادية.
يقول عبد الكريم الحسن، مزارع من ريف حلب الشرقي، لموقع تلفزيون سوريا إن الخطوة "مهمة وتمنح الفلاحين فرصة للبدء بالموسم بثقة أكبر"، موضحاً أن توفير البذار والأسمدة بشكل عيني يخفف جزءاً كبيراً من العبء المالي "خصوصاً للفلاحين الذين لا يملكون القدرة على شراء المستلزمات بأسعار السوق المرتفعة". ويرى الحسن أن القرض "قد يحرك عجلة الزراعة هذا العام بعد مواسم صعبة"، مضيفاً أن إعفاء القرض من الفوائد "يشجع كثيرين على العودة إلى زراعة أراضيهم بدل تركها بوراً خوفاً من الخسارة".
لكن الصورة ليست واحدة لدى جميع المزارعين في ريف حلب، إذ يقول أبو طلال، من ريف منطقة اعزاز، إن الدعم الحكومي "لا يزال أقل من مستوى الكارثة التي يعيشها الفلاحون منذ سنوات"، مشيراً إلى أن خسائر الجفاف وارتفاع أسعار المحروقات وتجفيف الآبار "تجعل أي دعم محدود وغير قادر على تغطية التكاليف الحقيقية". ولفت إلى أن الدعم "جيد من حيث المبدأ، لكنه لا يعالج المشاكل الأساسية مثل شح المياه وارتفاع كلفة الري"، مضيفاً أن "البذار والأسمدة وحدها لا تكفي، فالمشكلة الأكبر اليوم هي تأمين المياه والمازوت، وهذا ما يعجز عنه معظم الفلاحين".
وبين التفاؤل والحذر، تنقسم آراء فلاحي ريف حلب بشأن قدرة المبادرة الحكومية على إنعاش القطاع الزراعي، في ظل واقع معقّد يفرض عليهم مواجهة مخاطر طبيعية واقتصادية في آن واحد، ويعبر كثير من المزارعين الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا عن قلقهم من تكرار سيناريو الجفاف، متسائلين: ماذا سنفعل إن لم تهطل الأمطار مجدداً، ولم نحصد شيئاً، وماتت مزروعاتنا؟
ويقول أحد الفلاحين: "إن لم ننجح في الموسم، فمن أين سنأتي بالأموال لسداد قيمة البذار والأسمدة للحكومة؟ وكيف سنؤمن قوت عائلاتنا" ويجمع الفلاحون على أن الخطوة تحمل جانباً من الأمل، لكنها تبقى، في نظرهم، مخاطرة حقيقية قد لا يقدر الجميع على تحمل تبعاتها.
القطاع الزراعي في حلب.. واقع وإمكانات
تشكل محافظة حلب إحدى أهم الركائز الزراعية في سوريا، بفضل تنوعها المناخي وتعدد مناطق الاستقرار الزراعي فيها، مما يجعلها بيئة مناسبة لنطاق واسع من الزراعات، وتمتد الأراضي الزراعية في المحافظة على أربع مناطق استقرار مختلفة، تتنوع فيها الترب بين الحمراء والغضارية والكلسية والسهلية، وهو ما يمنح ريفها قدرة عالية على إنتاج محاصيل متنوعة، تبدأ من القمح والشعير والعدس والكمون، ولا تنتهي عند الخضروات والمحاصيل الصناعية مثل الشمندر والقطن وبعض الفواكه، كما يتمتع الريف الحلبي بثروات مائية متنوعة تشمل الأنهار والآبار والمصادر السطحية، ما جعله تاريخياً سلة غذاء للمنطقة الشمالية.
يتميز ريف حلب بتوزع واضح للترب الزراعية التي تحدد نوع المحاصيل الممكن زراعتها، ففي الريف الجنوبي والشرقي تنتشر التربة الحمراء الغنية بالعناصر المعدنية، ما يجعلها مناسبة لزراعة القمح والشعير والبقوليات، في حين تمتاز مناطق منبج ودير حافر وجرابلس بترب غرينية وسهول واسعة تعد مثالية لزراعة الخضراوات الصيفية والشتوية، أما ريف حلب الشمالي والغربي فيضم معظمه ترباً كلسية أكثر صلابة لكنها مناسبة لزراعة أشجار الزيتون واللوزيات والكرمة، التي تنتشر على مساحات واسعة منذ عقود.
هذا التنوع الكبير منح مناطق ريف حلب قدرة على إنتاج سلة واسعة من المحاصيل، لكنه في الوقت نفسه جعلها أكثر حساسية تجاه التغيرات المناخية، خصوصاً في مناطق الزراعة البعلية المعتمدة على الأمطار.
ووفق مصادر محلية في الريف الجنوبي الشرقي، فإن المساحات المزروعة توسعت بعد التحرير، ما ضاعف من التحديات نتيجة لغياب الدعم الكافي وعدم مواكبة مشاريع الري الحكومية للامتداد الزراعي الجديد، أو على الأقل اصلاح وتشغيل الشبكات القديمة المتضررة، وتقول المصادر لموقع تلفزيون سوريا إن موجة الجفاف الأخيرة كانت الأكثر قسوة، إذ خرجت نحو 80% من الأراضي البعلية من دائرة الإنتاج في ريف حلب، ما أدى إلى خسائر كبيرة للقطاع وتراجع قدرة المزارعين على تغطية تكاليفهم الأساسية.
وتشير المصادر إلى أن الكثير من أراضي جبل الحص، رغم غناها بالتربة الحمراء، ما تزال خارج الاستثمار الكامل بسبب غياب شبكات الري وانخفاض منسوب المياه الجوفية بالإضافة الى المخاطر التي يمثلها انتشار الألغام ومخلفات القصف الجوي والبري، وتوضح أن "توفير مياه الري بكلفة قليلة يمكن أن يحول آلاف الهكتارات إلى مساحات منتجة خلال موسم واحد فقط".
ولفتت المصادر إلى توسعة شبكات الري، خصوصاً تلك القادمة من نهر الفرات، يمكن أن تغير الخريطة الزراعية في جنوبي وشرقي حلب، فتغذية المناطق الممتدة من السفيرة ودير حافر حتى منبج وجرابلس بالمياه، من شأنها تحويل آلاف الهكتارات من الأراضي القاحلة إلى مساحات زراعية مستدامة، الأمر الذي قد ينعكس مباشرة على الإنتاج المحلي وعلى الدورة الاقتصادية في المنطقة.
يقول المزارع حمزة أبو تميم من ريف السفيرة لموقع تلفزيون سوريا: "لا نستطيع الاعتماد على الأمطار وحدها، توسعة شبكات الري أصبحت ضرورة، وليست رفاهية، كل سنة نخاطر ونخسر، والمياه هي الحل الوحيد لضمان موسم ثابت".
أما جمعة الأحمد من منطقة جبل الحص (تضم قرى تل الضمان وخناصر جنوب حلب) فيوضح أن مزارعي المنطقة "يعرفون قيمة أراضيهم وتربتها الخصبة، لكن غياب المياه يجعل الإنتاج محدوداً وهامشياً" ويضيف: "إذا وصلت مياه الفرات إلينا، ستعود المنطقة كما كانت قبل عقود، أرضنا جاهزة للإنتاج، نحن فقط نحتاج الماء".
ويشير الأحمد في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن المنطقة اليوم برغم مساحتها الواسعة، وتربتها الخصبة، باتت منطقة طاردة للسكان، الجفاف وخروج الأراضي عن دائرة الاستثمار ليست وحدها من منع الأهالي من العودة، بل غياب الخدمات وفرص العمل، حتى مياه الشرب غير متوفرة في المنطقة، قال: "نحتاج لقطع مسافة 20 كيلومترا لنحصل على مياه صالحة للشرب، معظم الأهالي يذهبون على دراجاتهم النارية لجلب كميات محدودة من المياه لتشرب عائلاتهم".
أما في ريف حلب الشمالي، فكشفت معلومات حصل عليها موقع تلفزيون سوريا عن وجود مساعٍ رسمية لإعادة تدفق مياه نهر قويق الذي كان يعبر المنطقة قادماً من تركيا قبل أن يتحول إلى وادي موسمي منذ عقود، ويقول متابعون للقطاع الزراعي إن إعادة جريان النهر يمكن أن ينعش مناطق شمالي حلب، وتستفيد منه مدينة حلب أيضاَ، وصولاً الى الريف الجنوبي حيث يصب قويق في "السيحة"، كما يمكن أن يعزز جريانه المستمر المخزون الجوفي الذي تعرض لاستنزاف كبير خلال السنوات الماضية.
Loading ads...
وبين الإمكانات الكبيرة التي يختزنها ريف حلب، والتحديات المناخية والاقتصادية التي تكبّل قدراته، يبقى مستقبل الزراعة في المحافظة مرهوناً بقدرة الجهات المعنية على تنفيذ مشاريع ري مستدامة تعيد المياه إلى الأراضي العطشى، فالدعم الحكومي والقروض الميسرة تساعد الفلاحين على بدء موسم جديد، لكن الماء وحده هو ما يضمن استمرار الإنتاج واستعادة حلب لدورها كواحدة من أهم سلال الغذاء في سوريا، وفي انتظار تنفيذ الوعود، يواصل المزارعون في ريف حلب المواجهة بين أرض خصبة وفرص معلقة، وبين حلم بمواسم وفيرة وواقع يفرض تحديات لا يمكن تجاوزها إلا بالماء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


