ساعة واحدة
الخلافات الخليجية تخدم طهران.. هل يتجه الخليج نحو جبهة موحدة ضد إيران؟
السبت، 23 مايو 2026

منذ بدء الولايات المتحدة الأميركية مع إسرائيل في 28 شباط/فبراير الماضي باستهداف إيران، نتيجة سلوكها العدائي بالمنطقة، قامت الأخيرة بتنفيذ موجات من الهجمات باستخدام آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج ومنشآتها الحيوية، ما ألحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية للطاقة والمطارات والموانئ والفنادق. وإلى جانب الدمار المادي، أدت هذه الهجمات إلى مقتل ما لا يقل عن 19 مدنياً في دول الخليج.
وفي المقابل، كشفت تقارير نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” ووكالة “رويترز” مؤخراً عن احتمال تنفيذ عمليات عسكرية أو أمنية سرية منسوبة إلى بعض دول الخليج ضد أهداف داخل إيران في نيسان/أبريل الماضي، وذلك خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد طهران. ويقول محللون إن هذه الضربات-التي لم تؤكدها أي من الدولتين-يُرجّح أنها جاءت في إطار ردود فعل مضادة سرية، عقب هجمات إيرانية بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت البنية التحتية في عدد من دول الخليج.
وذكرت “وول ستريت جورنال” في 11 أيار/مايو الجاري، نقلاً عن مصادر وصفتها بـ”المطلعة”، أن الإمارات العربية المتحدة استهدفت عدة منشآت داخل إيران، من بينها مصفاة نفط، وذلك مطلع نيسان/أبريل الماضي. كما أفادت “رويترز” في 12 أيار/مايو، استناداً إلى مصادر غربية رسمية ومسؤولين إيرانيين، بأن المملكة العربية السعودية نفذت بدورها ضربات متكررة ضد أهداف داخل إيران منذ أواخر آذار/مارس الماضي.
ورغم أهمية وخطورة هذه المعلومات، لم يصدر أي تأكيد رسمي من الولايات المتحدة أو من دول الخليج المعنية، كما لم تؤكدها السلطات الإيرانية. وفي حال صحت هذه التقارير، فإنها قد تمثل سابقة من نوعها في طبيعة المواجهة الإقليمية، إذ تشير إلى احتمال انتقال بعض دول الخليج من سياسة الردع غير المباشر إلى تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة ضد أهداف داخل إيران.
وفي هذا الصدد، ترى الباحثة في السياسات العربية ريتا بولس شهوان أن الحديث عن ضربات سرية “قد يكون وارداً في سياق الصراع غير المعلن بين إيران ودول الخليج”، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن “العصر الحالي، بوجود الأقمار الصناعية وتعدد مصادر الرصد، يجعل إخفاء وقوع الحدث نفسه أمراً صعباً، بينما يمكن إخفاء هوية الفاعل أو تفاصيل العملية”.
وتضيف أنه على مستوى الأثر، فهذه الضربات، إن صحّت، فهي تتكامل مع حرب استخباراتي-اقتصادية أوسع، هدفها إضعاف قدرة إيران على التمويل والتوريد والالتفاف على العقوبات. وتضيف قائلة: إن الخليج وإيران يخوضان حرباً خفية متعددة الطبقات تشمل الاستخبارات الاقتصادية، وتعطيل الشبكات، والضغط على التمويل، وأحياناً ضربات سرية محدودة. ليست كل ضربة مؤكدة رسمياً، ولا كل رواية موثوقة بالدرجة نفسها، لكن النمط العام يبدو واضحاً: من يملك المعلومات يمتلك القدرة على إحداث ضرر اقتصادي يفوق أحياناً حجم القوة العسكرية الظاهرة.
قبل اندلاع التوترات الإقليمية الأخيرة، لم يكن الموقف الخليجي من إيران موحّداً بالكامل. إلا أنه منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، برز تباين واضح في مقاربات دول الخليج تجاه طهران، إذ تميل الإمارات إلى نهج أكثر صرامة يقوم على الرد المباشر، فيما تفضّل السعودية مسار التهدئة والدبلوماسية وتجنّب التصعيد، مع الإبقاء على قنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة.
وواضح أن المشهد العام للسياسة الخليجية منذ اندلاع الحرب بالإقليم يظل بات محكوماً بملامح واضحة من الانقسام وغياب وحدة المواقف المشتركة. فعلى الرغم من التوقعات التي كانت تشي بأن تشكّل القمة الاستشارية المنعقدة في جدة بتاريخ 28 نيسان/أبريل الفائت فرصة لرأب الصدع السياسي بين “دول مجلس التعاون الخليجي”، فإن مخرجاتها كشفت عن محدودية التوافق أكثر مما أظهرت وحدة في المواقف.
وبينما أدان البيان الختامي للقمة الخليجية آنذاك الهجمات الإيرانية وأكد حق الدول الأعضاء في الدفاع عن نفسها، فرادى أو جماعات، بقيت الخلافات الجوهرية قائمة خلف الكواليس. وقد أضفى قرار الإمارات العربية المتحدة الانسحاب من منظمة “أوبك” وتحالف “أوبك+” بُعداً اقتصادياً مباشراً على التنافس السعودي-الإماراتي، وشكّل خروجاً عن إحدى أبرز الساحات التي مارست الرياض عبرها نفوذها الدولي لعقود.
ووصفت وكالة “رويترز” خروج الإمارات بأنه ضربة قاسية للمنظمة، ودليل على اتساع الفجوة بين أبوظبي والرياض، في وقت كشفت فيه الحرب الإيرانية عن توترات عميقة داخل النظام الخليجي.
ولهذا يرى مراقبون أن هذا التباين في المقاربات قد يمنح طهران هامشاً أوسع للمناورة السياسية والأمنية، في حين يعتبر آخرون أن تعدد الأدوات الخليجية-بين الردع العسكري والدبلوماسية-قد يشكل عنصر قوة وليس ضعفاً إذا جرى تنسيقه ضمن استراتيجية موحدة.
وفي سياق الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، أعلنت الكويت توقيف أربعة عناصر على الأقل من “الحرس الثوري” الإيراني، أثناء محاولتهم تنفيذ “هجمات إرهابية” على جزيرة بوبيان، أكبر الجزر الكويتية الواقعة على الساحل الشمالي للبلاد.
وبالتالي، فإن الانقسام الراهن في المواقف الخليجية، تجاه الحرب الإيرانية لن يسفر إلا عن مزيد من الضعف والتآكل في جدار الأمن القومي المشترك لدول “مجلس التعاون”. فهذا التشتت يمنح طهران فرصة ذهبية للاستفراد بكل دولة على حدة، والمناورة سياسياً وميدانياً، ما يجعل غياب الرؤية الخليجية الموحّدة وتغليب المصالح المنفردة على الحسابات الجماعية عاملاً أساسياً يصبّ في مصلحة إيران ويعزز نفوذها الإقليمي. فلطالما استفادت طهران من غياب الإجماع والوحدة بين دول “مجلس التعاون الخليجي”.
كما أن تشتت المواقف الخليجية بين “محور دبلوماسي تقوده السعودية” و“محور أكثر حزماً تقوده الإمارات” يمنح إيران مساحة أوسع للمناورة السياسية، ويقلّل من قدرة دول الخليج على فرض شروط موحّدة في أي مفاوضات أو ترتيبات إقليمية مستقبلية.
كذلك، فإن تغليب المصالح المنفردة لكل دولة خليجية قد يسرّع من تآكل منظومة الأمن القومي العربي، الأمر الذي يصبّ مباشرة في مصلحة طهران عبر توسيع نفوذها وإعادة إحياء وتأهيل ما يُعرف بـ“محور المقاومة”. ومن هنا، فإن القراءة الدقيقة لمسار المفاوضات الراهنة بين طهران وواشنطن تفرض على دول الخليج تنحية خلافاتها البينية والالتفاف حول رؤية استراتيجية موحّدة تجاه النظام الإيراني بالمنطقة.
وفي الوقت ذاته، يُحتم هذا المشهد على العواصم الخليجية العمل على بناء قدراتها الذاتية لحماية أمنها ومصالحها الحيوية وذلك بالتعاون مع بعض دول الإقليم والعالم ذات الرؤى المشتركة في ردع طهران لسياساتها العدائية بالمنطقة.
وعلى اعتبار أن المادة الثانية من “اتفاقية الدفاع المشترك” لـ”دول مجلس التعاون” تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على الجميع، وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية تفعيلها في حال اندلاع مواجهة بين إيران وإحدى الدول الخليجية. إلا أن مراقبون يرون أن دول الخليج لن ينزلق لحرب شاملة ومفتوحة في حال تجددت الحرب بالمنطقة وتكررت الاعتداءات الإيرانية، فالمشهد الخليجي يميل أكثر نحو التهدئة والتحرك الدبلوماسي وحتى الاقتصادي لاحتواء الأزمة، بدل الانخراط الجماعي في مواجهة مفتوحة، إذ إن المعطيات الحالية لا تؤشر لاقتراب تشكيل “جبهة عسكرية موحدة”، بقدر ما ستدفع التطورات الإقليمية للمزيد من التنسيق الأمني والاستخباراتي، في مقابل استمرار مسارات التفاوض والتهدئة، ولكن لو حدثت اعتداءات وهجمات إيرانية أخرى متجددة وبسياق أكبر وأوسع ربما تقول دول الخليج بتنفيذ ضربات عسكرية نوعية وإن كانت بالخفاء أو بالتعاون مع دول أخرى.
Loading ads...
لكن تبقى الحقيقة الأكثر إلحاحاً التي تواجه عواصم الخليج هي أن استمرار الانقسام الراهن يمنح طهران أوراق قوة مجانية للمناورة والاستفراد. ومع اقتراب اللحظات الحاسمة في المفاوضات الأميركية-الإيرانية، يصبح تجاوز الخلافات الاقتصادية وتوحيد الرؤية السياسية ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة حتمية لمواجهة السلوك الإيراني العدائي اليوم بالمنطقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

