2 ساعات
العدالة بمواجهة الولاءات: قراءة سوسيولوجية في التعاطف مع المتورطين بالانتهاكات
الأربعاء، 1 يوليو 2026
أثار تعاطف بعض السوريين مع اعتقال شخصيات اضطلعت بأدوار مختلفة في منظومة السلطة الأسدية السابقة جدلًا واسعًا في الفضاء العام السوري. ولم يقتصر هذا الجدل على تباين المواقف السياسية تجاه تلك الشخصيات، بل امتد إلى مساءلة الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها هذا التعاطف، ولا سيما عندما يُبرَّر بروابط القرابة أو الجوار أو المعرفة الشخصية، في مقابل تهميش معاناة الضحايا الذين تعرضوا للقتل أو الاعتقال أو التعذيب أو التهجير على أيدي الأجهزة والمؤسسات الأمنية والعسكرية التي انتمى إليها هؤلاء الأشخاص أو أسهموا في إدارتها خلال سنوات الثورة والحرب.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تعكس مجرد اختلاف في الرأي، بل تكشف طبيعة الوعي الأخلاقي والاجتماعي الذي تشكّل خلال عقود من الحكم الأسدي. ومن منظور علم الاجتماع، لا يمكن فهمها باعتبارها استجابة فردية معزولة، بل بوصفها نتاجًا لعملية تنشئة اجتماعية طويلة أعادت إنتاج منظومة من القيم تجعل الولاءات الأولية، كالعائلة والطائفة والمنطقة، أكثر حضورًا من المبادئ القانونية والقيمية المجردة. وهو ما يقترب مما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ”الهابيتوس”، أي منظومة الاستعدادات الذهنية والقيمية التي يكتسبها الأفراد عبر خبراتهم الاجتماعية، وتصبح إطارًا تلقائيًا لتفسير الواقع واتخاذ المواقف.
لقد أسهمت عقود الاستبداد الأسدي في ترسيخ ثقافة اجتماعية تقوم على أولوية الولاءات الشخصية والعائلية والمحلية على حساب المواطنة وسيادة القانون.
من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالتعاطف مع قريب أو جار أو صديق، فالعلاقات الإنسانية تولّد مشاعر لا يمكن اختزالها في الأحكام السياسية أو القانونية. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه المشاعر إلى مبرر لتجاهل الجرائم أو التقليل من خطورتها، أو إلى وسيلة لإعادة تقديم الجاني بوصفه ضحية، في الوقت الذي يُدفع فيه الضحايا الحقيقيون إلى هامش المشهد الأخلاقي.
في هذه الحالة، لا يعود السؤال متعلقًا بالشخص القريب المتورط في انتهاكات بحق السوريين فحسب، بل بالمنظومة القيمية التي تدفع بعضهم إلى التعاطف مع معاناته الناجمة عن الاعتقال، في مقابل العجز عن رؤية معاناة عشرات الآلاف من الضحايا الذين لا تربطهم بهم صلة شخصية أو قرابة. فالعدالة تقتضي تجاوز حدود القرابة والانتماءات الضيقة، والاحتكام إلى معايير قانونية وأخلاقية عامة. أما عندما تصبح الأحكام رهينة هوية الشخص وعلاقاته أكثر من ارتباطها بأفعاله، فإن مفهوم العدالة نفسه يبدأ بالتآكل.
لقد أسهمت عقود الاستبداد الأسدي في ترسيخ ثقافة اجتماعية تقوم على أولوية الولاءات الشخصية والعائلية والمحلية على حساب المواطنة وسيادة القانون. ولم يكن ذلك مجرد خيار سياسي، بل أصبح مع الزمن نمطًا من التنظيم الاجتماعي. فحين تعتمد الدولة في توزيع السلطة والموارد على شبكات الولاء أكثر من اعتمادها على المؤسسات، تتحول هذه الشبكات إلى المرجعية الأساسية للثقة والحماية والانتماء، ويصبح من الطبيعي أن يُقيَّم الأفراد من خلال علاقاتهم الاجتماعية، لا من خلال مسؤولياتهم القانونية.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم لجوء بعض السوريين إلى تبرير التعاطف مع شخصيات متورطة في الانتهاكات عبر الإشارة إلى أخلاقها الشخصية أو الخدمات التي قدمتها لأبناء الحي أو القرية. فهذه الحجج تنظر إلى الشخص بوصفه فردًا داخل شبكة اجتماعية تمنحه، بصورة غير معلنة، نوعًا من الحصانة الأخلاقية. وتتوافق هذه الظاهرة مع مفهوم “رأس المال الاجتماعي”، حيث تمنح العلاقات الشخصية للفرد شرعية وثقة قد تتجاوزان الاعتبارات القانونية، خاصة في المجتمعات التي عانت طويلًا من غياب استقلال المؤسسات.
غير أن هذه المقاربة تنطوي على خلل جوهري؛ فالتاريخ يبيّن أن كثيرين ممن شاركوا في الاعتقال أو التعذيب أو القمع كانوا، في الوقت نفسه، آباءً صالحين أو جيرانًا لطفاء أو أصدقاء مقربين. غير أن امتلاك الإنسان صفات إيجابية في حياته الخاصة لا يمحو مسؤوليته عن الأفعال الجرمية التي ارتكبها أو شارك فيها. ولذلك ينبغي أن يستند تقييم الأشخاص إلى أدوارهم ومسؤولياتهم في الحرب، لا إلى طبيعة علاقاتهم الشخصية.
ومن اللافت أن جانبًا من الخطاب المتعاطف مع بعض رموز السلطة السابقة يكاد يغفل تمامًا موقع الضحايا في المعادلة الأخلاقية. فبينما تتكرر الروايات عن “الجار الطيب” أو “القريب المحترم”، نادرًا ما يُطرح السؤال عن المعتقلين الذين أمضوا سنوات في السجون، أو عن العائلات التي فقدت أبناءها، أو عن المجتمعات التي تعرضت للتدمير والتهجير. ويشير علم الاجتماع إلى أن الجماعات تميل إلى تذكّر الأحداث من خلال خبراتها المباشرة أكثر من اعتمادها على الذاكرة الوطنية الجامعة، وهو ما يجعل معاناة القريب أكثر حضورًا من معاناة الضحية البعيدة.
إن بناء مجتمع سوري قائم على القانون يقتضي أن يحتل الضحايا مركز الاهتمام الأخلاقي، لا هامشه. فالمصالحة الحقيقية في سوريا لا يمكن أن تتحقق من دون الاعتراف بمعاناتهم، وضمان حقهم في العدالة والإنصاف. أما تقديم مشاعر المقربين من الجناة على حقوق الضحايا، فإنه يهدد فرص بناء ذاكرة جماعية قائمة على الحقيقة والمساءلة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى الكراهية أو الانتقام أو تحميل عائلات المنتهكين مسؤولية أفعال أفرادها، فالمحاسبة العادلة تختلف جذريًا عن الانتقام، والمسؤولية القانونية تبقى فردية. لكن هذا التمييز ينبغي أن لا يتحول إلى ذريعة لإضعاف مبدأ المحاسبة أو التقليل من خطورة الانتهاكات. فالعدالة الانتقالية في سوريا ينبغي أن تقوم على كشف الحقيقة، ومساءلة المسؤولين، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ترسم ملامح سوريا المستقبل؛ سوريا التي لا تُبنى على النسيان الانتقائي ولا على الولاءات الشخصية، وإنما على الاعتراف بالحقيقة، وصون كرامة الإنسان، ومحاسبة منتهكي حقوق السوريين وفق إجراءات عادلة وشفافة.
ومن أبرز التحديات التي تواجه المجتمع السوري اليوم الانتقال من ثقافة الولاء للأشخاص إلى ثقافة الالتزام بالمبادئ وسيادة القانون. ففي المجتمعات الديمقراطية لا يُحاكم الأفراد على أساس هوياتهم أو انتماءاتهم، وإنما على أفعالهم ومدى احترامهم للقانون وحقوق الآخرين. أما في المجتمعات التي تهيمن عليها الولاءات الضيقة، فإن الأحكام الأخلاقية كثيرًا ما تتبدل تبعًا لقرب الشخص من الجماعة أو بعده عنها.
ومن هنا، فإن النقاش حول التعاطف مع بعض الشخصيات المرتبطة بمنظومة الانتهاكات لا ينبغي أن يُختزل في أشخاص بعينهم، بل يجب النظر إليه بوصفه نقاشًا حول القيم التي ينبغي أن يقوم عليها المجتمع السوري في المستقبل: هل ستكون العدالة معيارًا عامًا يطبَّق على الجميع؟ أم ستظل الأحكام خاضعة لاعتبارات القرابة والانتماء؟ وهل سيكون الاعتراف بمعاناة الضحايا أساسًا لأي تعافٍ وطني؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ترسم ملامح سوريا المستقبل؛ سوريا التي لا تُبنى على النسيان الانتقائي ولا على الولاءات الشخصية، وإنما على الاعتراف بالحقيقة، وصون كرامة الإنسان، ومحاسبة منتهكي حقوق السوريين وفق إجراءات عادلة وشفافة. كما أن تجاوز إرث الاستبداد لا يتحقق بمجرد تغيير البنى السياسية، بل يتطلب مراجعة الأنماط الثقافية والقيمية التي رسخها ذلك الاستبداد في الوعي الاجتماعي.
Loading ads...
وفي الختام، لا تكمن المشكلة في المشاعر الإنسانية الطبيعية تجاه الأقارب أو الجيران أو المعارف، وإنما في تحويل هذه المشاعر إلى معيار أخلاقي بديل عن العدالة، بحيث تصبح روابط القرب مقدَّمة على حقوق الضحايا، وتغدو العاطفة الخاصة حجابًا يحول دون مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
الشعب السوري والمتحدثون باسمه
منذ 2 ساعات
0

