في حديث من أحاديثه الكثيرة الطويلة مع "الجماهير" تناول معمر القذافي بخبث واضح خطير موضوع المنشقين عن نظامه؛ واعتبر أن الموقف من نظامه هو المعيار أو الفيصل للتمييز بين الوطنية والثورية والجماهيرية من جهة والخيانة والرجعية والعمالة للاستعمار. وبناء على رغبة داخلية لديه في خلخلة النسيج المجتمعي الليبي ليتمكن من التحكّم بالليبيين إلى الأبد، دعا القذافي إلى دراسة بيئة ذوي أولئك "الخونة" المعارضين المنشقين، لأنها البيئة التي احتضنت أولئك "الخونة"، ورعتهم وربما شجعتهم لممارسة الخيانة.
وفي محاولة منه لإضفاء مسحة من "العلمية" على مزاعمه، دعا إلى القيام بأبحاث في ميادين علم النفس والتربية والاجتماع والفلسفة وغيرها (الوراثة والانتروبولوجيا)، لمعرفة الأسباب والعوامل التي أدّت، وتؤدّي، إلى ظهور الخيانة في هذه البيئة أو تلك.
ما ذكرني بهذه الحكاية التي تابعتها بصورة مباشرة عبر شاشة التلفزيون الليبي قبل عقود، (وقد تكون هناك إمكانية أمام من لديهم الرغبة والاهتمام، العودة إليها من خلال الأرشيف، أو بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي)؛ هو ما نتابعه هذه الأيام من كتابات وأحاديث بشأن فكرة أن يعتذر العلويون كطائفة وجماعة عن الجرائم التي ارتكبتها سلطة آل الأسد ضد السوريين على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم.
غير اننا إذا اعتمدنا الاعتذار الجماعي قاعدة يُقاس عليها لتحقيق العدالة الاجتماعية، فلا يجوز أن نطالب بها فئة بعينها دون غيرها، أو مكوناً مجتمعياً من دون المكونات الأخرى.
قد تتباين دوافع ونوايا والخلفيات الثقافية والتسويغات المعتمدة لدى الداعين إلى هذا الأمر، بل هي تتباين من دون شك؛ ولكنها في المجمل تقوم على فرض غير صحيح فحواه أن المكونات المجتمعية السورية هي كتل متجانسة واعية بذاتها ولذاتها؛ وهي مسؤولة كجماعات وكتل عن تصرفات أفرادها؛ لذلك عليها أن تعتذر عن، وتتبرأ من، أخطاء أو جرائم أفرادها التي ارتكبوها، أو قد يرتكبونها لأسباب مختلفة، وتحت وطأة شروط وعوامل متعددة متنوعة، ضد الآخرين. ومن المعروف أن هذه المطالبة تدخل ضمن الأعراف العشائرية التي سادت قبل مرحلة تشكّل الدول في منطقتنا وفي بقية أنحاء العالم. وهي مطالبة تشرعن صيغة العقوبات الجماعية، ولا تسهم مطلقاً في حل المشكلات التي يعاني منها السوريون راهنا، وإنما يزيدها تعقيداً وخطورة.
من جهة أخرى لا يتوقف أصحاب هذه الدعوة (ونحن هناك لا نشكك في نوايا جميعهم، فهناك من بينهم أصدقاء يتعاملون مع الموضوع بكل حسن نية على أمل الوصول إلى حلول تنقذ السوريين مما هم فيه راهناً) عند آلية تنفيذ مثل هذا الاعتذار. فمن هي الجهة أو الجهات المطلوب منها تقديم هذا الاعتذار؟ هل هناك جهة تستطيع أن تقول بأنها تمثل كل العلويين، لنطلب منها تقديم الاعتذار المقترح أو المطلوب من قبل أصحاب هذه الفكرة النمطية التي تعمّمها التبسيطات؛ وتغذيها الأحكام المسبقة، والنزعات الشعبوية، وتقنيات التكويع على المستويين العام والخاص؟
كما أن هؤلاء المعنيين، أصحاب براءة الاعتذار، لا يفصحون أو يتحدثون عن النتائج القانونية، وحتى الاعتبارية التي ستترتب على مثل هذا الاعتذار في واقع الضحايا وذويهم، أو على صعيد الجناة أنفسهم، سواء الذين أصدروا الأوامر أو من نفذوها؟
غير أننا إذا اعتمدنا الاعتذار الجماعي قاعدة يُقاس عليها لتحقيق العدالة الاجتماعية، فلا يجوز أن نطالب بها فئة بعينها دون غيرها، أو مكوناً مجتمعياً من دون المكونات الأخرى. وحيئذ يحقّ لنا أن نتساءل عن مسؤولية أفراد من المكونات المجتمعية السورية الذي ساندوا سلطة آل الأسد إلى جانب أفراد من المكوّن العلوي. فمن الذي سيعتذر عن مواقف مئات الآلاف، إن لم نقل الملايين من المسلمين السنة (من العرب والكرد والتركمان والشركس والچاچان)، هؤلاء الذي ساندوا السلطة المعنية واستفادوا منها؟ ويشار هنا إلى التجار ورجال الأعمال، والشيوخ والأئمة، وضباط وعناصر الجيش، وقيادات وعناصر الأجهزة الأمنية، وقيادات وأعضاء حزب البعث وشبيبة الثورة والمخبرين، وكل الذين خدموا في مفاصل الدولة والسلطة، وكانوا على علاقة وثيقة نفعية مع أجهزتها الأمنية والقيادة ، بل كانت لديهم أفضل العلاقات مع رأس السلطة نفسه؟
ما يعاني منه السوريون يفوق طاقاتهم، وهم لا يحتاجون إلى مزيد من الأعباء عبر تقديم أشباه الحلول لمشكلات تستوجب حلولاً واقعية أكيدة حقيقية. فكيف وبأي منطق سنطالب الدكاترة عارف دليلة ومنذر ماخوس وعبد العزيز الخيّر، وغيرهم الكثير من المعارضين السوريين البارزين (رجالاً ونساء) ضمن الطائفة العلوية ممن عانوا من جرائم سلطة آل الأسد، أن يعتذروا عمّا ارتكبته هذه السلطة بحقهم وحق السوريين؟
ما نحتاج إليه اليوم بصورة إسعافية هو تفكيك الخطاب الطائفي البغيض الذي يستخدمه الانتهازيون المكوّعون بهدف التسلّق؛ ويتأثر به الكثيرون من ضحايا جرائم سلطة آل الأسد ممن لا يمارسون الملكة الذهنية القادرة على المعاينة الموضوعية نتيجة الوقوع تحت ضغط المشاعر والهواجس والظروف المعيشية القاسية، التي لا تسمح لهم أصلا بالتفكير الهادىء النقدي، القادر على توضيح الصورة عبر تسليط الأضواء على المقدمات والنتائح، على الأسباب والمآلات.
نحتاج اليوم إلى طمأنة السوريين، سائر السوريين من دون أي تمييز، وذلك لن يكون عن طريق المجاملات العامة الخاوية التي لا تترتب عليها أي التزامات واقعية؛ وإنما عبر تبديد الهواجس بعقود مكتوبة، وتحسين قواعد العيش المشترك، وتعزيز إجراءات الثقة من خلال الضوابط القانونية التي تحترم الخصوصيات وتضمن حقوق الجماعات والأفراد؛ وتنظّم العلاقة بين الدولة ومواطنيها بناء على مبدأ: الواجبات مقابل الحقوق.
وكل هذا لا يمكن تحقيقه إلا في ظل دولة مدنية محايدة، تكون على مسافة واحدة من سائر مواطنيها، بغض النظر عن الانتماءات المجتمعية والتوجهات السياسية والمناطق الجغرافية. دولة تحظر الخطاب الطائفي العنصري بقوانين، ويمارس الوزراء والمديرون العامون مهامهم وصلاحياتهم الكاملة التي ينص عليها القانون، ويلتزمون بأحكام القانون، يساعدهم القانونيون المتخصصون للحيلولة دون وقوعهم في إرباكات اللجوء إلى خبصة التوضحيات وتوضيح التوضيحات؛ وكل ذلك لا يمكن أن يكون فاعلاً ما لم نبتعد عن فتاوى وتدخّلات المتحكمين من الشيوخ الشرعيين الجدد الذين يمكن الاستفادة من خبراتهم ومؤهلات في المؤسسات الدينية، وذلك وفق القاعدة الذهبية الصالحة في كل زمان ومكان: الرجل المناسب في المكان المناسب.
وفي هذا السياق، لعله من المناسب التوقف عند محاولات بعضهم إسباغ قسط من الشرعنة على تحكّم الشيوخ في الوزرات والإدارات العامة. هؤلاء الذين يرون ضرورة المحافظة على الهوية الإسلامية سواء للدولة أم المجتمع. فهؤلاء يشككون أصلاً في هوية إسلامية موجودة فاعلة في سوريا. فالهوية الإسلامية؛ قد تحوّلت على مدى القرون إلى هوية ثقافية حضارية لا تخص السوريين وحدهم، وإنما شعوب المنطقة بأسرها.
الواقع السوري معقد من دون شك، وهناك تراكمات سلبية ومشكلات كثيرة تسببت فيها سلطة آل الأسد. ولكن كل تلك التركمات والسلبيات قابلة للمعالجة إذا فسحنا المجال أمام الحوار الوطني الحقيقي بين السوريين.
وهذه الهوية تشمل المسلمين وغير المسلمين، وهي تتجلى في أسلوب حياتهم، ونمط عيشهم وعادتهم وتقاليدهم وقيمهم ومعاييرهم المجتمعية. ولكن مع ذلك لا بد من أخذ واقع التنوّع المجتمعي السوري بعين الاعتبار؛ وعدم محاولة دفع العلاقات بين المكوّنات المجتمعية السورية نحو التقية والحذر والتحسب والخوف من المجهول المنتظر؛ وكل ذلك يعزز مواقع من يراهنون على الانتماءات ما قبل الوطنية، ويسعون لتثبيت مواقعهم كزعماء للطوائف.
ونحن إذا رغبنا في الاستفادة من تجارب المجتمعات الآخرى، وتحاشي أخطائها، سواء في يوغسلافيا، أم في ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا واذربيجان، أو راوندا، وفي لبنان، وحتى في العراق؛ علينا أن نقطع مع الخطاب الطائفي المقيت، والمناهج الدراسية المتشددة خاصة في مواد الدين والتاريخ والمجتمع. والأمر نفسه بالنسبة للمقررات التعليمية في كليات الجيش والشرطة، وفي دورات إعداد كوادر الدولة، والقيادات المجتمعية.
ويمكن في هذا المجال التفكير في إنشاء مجلس للأديان والمذاهب، وآخر للافتاء، يجمعان بين ممثلي سائر المكونات الدينية والمذهبية السورية، ويوفران منصة للتعارف والحوار والتوافق وتعزيز قواعد تحسين العيش المشترك. ويمكن التفكير أيضاً في إيجاد آلية للتنسيق والعمل المشترك بين المجلسين المقترحين ومجلس القضاء الأعلى؛ كل ذلك لضمان أولوية السلام المجتمعي، وتوفير شروط التعافي المجتمعي، تمهيداً لترميم النسيج المجتمعي الوطني السوري، واستعادة وحدته، وتعزيز قوته.
الواقع السوري معقد من دون شك، وهناك تراكمات سلبية ومشكلات كثيرة تسببت فيها سلطة آل الأسد. ولكن كل تلك التركمات والسلبيات قابلة للمعالجة إذا فسحنا المجال أمام الحوار الوطني الحقيقي بين السوريين. حوار يجري بين المؤثرين فعلياً ضمن أوساطهم المجتمعية لا على منصات العالم الافتراضي.
Loading ads...
بقي أن نقول: لقد أبدع أسلافنا في ابتكار الحَرْف والحِرَف والحكمة، ولدينا اليوم، خاصة من خلال جيلنا الجديد (الذي اكتسب المعارف، ويتقن اللغات، ويمتلك ناصية التقنيات العصرية، وصقلته التجارب) كل مقوّمات النهوض، وتجاوز المحنة رغم قساوتها المرّة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
الشعب السوري والمتحدثون باسمه
منذ 2 ساعات
0

