تأتي الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني في لحظة تتداخل فيها حسابات الداخل مع اختبارات الخارج. فالرئيس دونالد ترامب، الذي يختار المواجهة، لم يعد يملك وحده تحديد مسارها. وإعلانه عن أهدافه الجديدة لا يضمن بالضرورة أن يتعامل الحلفاء والشركاء معها باعتبارها أمراً واقعاً لا يمكن مراجعته أو تجاوزه.
حملت عودة ترامب إلى البيت الأبيض وعوداً بثلاثية أرادها عنواناً للمرحلة الأميركية الجديدة: قوة أكثر حضوراً، وقرارات أسرع، وصفقات تنهي الأزمات بدل أن تتركها مفتوحة.
لكن ما بين الرغبة في فرض الإيقاع والقدرة على التحكم في النتائج، بدأت تظهر فجوة يصعب تجاهلها، خصوصاً في الشرق الأوسط، حيث لا تتوقف تداعيات القرارات الأميركية عند حدود العملية العسكرية أو التفاهم السياسي التي أطلقها، بل تمتد إلى حسابات الحلفاء والخصوم وتوازنات يصعب التحكم بمساراتها.
لا يمكن لترامب أن يتعامل مع الانتخابات النصفية باعتبارها مجرد استحقاق لتجديد مقاعد الكونغرس، بل بوصفها اختباراً لقدرته على الاحتفاظ بمساحة الحركة السياسية والتشريعية خلال العامين الأخيرين من ولايته.
فهو قد يجد نفسه في الإقليم أمام شرق أوسط لم تستقر توازناته بعد، وملف إيراني مفتوح على احتمالات التصعيد والتفاوض، وعلاقة مع إسرائيل لا يكفي فيها التوافق الاستراتيجي لضمان تطابق الحسابات السياسية والأمنية.
فترامب الذي تعامل مع نتنياهو بوصفه شريكاً أساسياً قد يجد نفسه أمام معادلة مختلفة إذا تغيرت القيادة في تل أبيب. وهنا تصبح العلاقة بين «ترامب الثاني» و«نتنياهو الثاني» جزءاً من سؤال أوسع حول من يحدد إيقاع القرار الاستراتيجي، وما إذا كان التوافق على مصادر التهديد يكفي لإنتاج التلاقي حيال وسائل التعامل معها.
فهل يجد ترامب ونتنياهو نفسيهما أمام ورطة مشتركة، يحتاج فيها الأول إلى شريك إسرائيلي قادر على مواكبة أولوياته الإقليمية، في حين يحتاج الثاني إلى إدارة علاقته برئيس أميركي باتت حساباته الداخلية والخارجية تفرض عليه إعادة النظر في حدود هذه الشراكة وأولوياتها؟
هنا تصبح العلاقة بين «ترامب الثاني» و«نتنياهو الثاني» جزءاً من سؤال أوسع حول من يحدد إيقاع القرار الاستراتيجي، وما إذا كان التوافق على مصادر التهديد يكفي لإنتاج التلاقي حيال وسائل التعامل معها
امتلاك البيت الأبيض لا يعني امتلاك كل مفاتيح القرار في واشنطن. والاحتفاظ بالصلاحيات الدستورية لا يضمن وحده القدرة على تمرير السياسات أو تأمين التفاهمات اللازمة لتمريرها. وإذا تغيرت موازين السيطرة داخل الكونغرس، فقد يجد ترامب نفسه أمام معادلة مختلفة، لا تسلبه صلاحياته التنفيذية، لكنها قد تعرقل تمرير التشريعات وتأمين التمويل، وتوسع نطاق الرقابة البرلمانية، بما يرفع كلفة خياراته الداخلية والخارجية.
حملت عودة ترامب إلى البيت الأبيض معها محاولة لتقديم نموذج مختلف في إدارة القوة الأميركية، لكن "ترامب الثاني" يواجه اليوم مفارقة تتجاوز المسافة بين خطاب الحملة وممارسات الحكم؛ فالرئيس الذي قدم نفسه باعتباره القادر على إنهاء الحروب وتجنب التورط فيها، يجد نفسه أمام مواجهة إقليمية اختار الدخول فيها، ثم بات مطالباً بتحمل أعباء تداعياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية.
فالمواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، التي بدأت في 28 شباط، لم تبقَ محصورة في استهداف القدرات العسكرية الإيرانية، بل امتدت آثارها إلى الملاحة في مضيق هرمز والممرات البحرية الإقليمية، وإمدادات الطاقة وأسعار الوقود وكلفة النقل والتجارة.
وتتسع صورة الكلفة عند النظر إلى الإنفاق العسكري الذي وصل إلى نحو 47 مليار دولار حتى تشرين الأول وفق أحدث تقديرات البنتاغون.
وهنا تظهر كلفة الاختيار السياسي. يستطيع الرئيس أن يقرر الدخول في مواجهة عسكرية، لكنه لا يستطيع أن يضمن بقاء نتائجها محصورة في المكان والزمان اللذين اختارهما. فإيران تحتفظ بأوراق تؤثر في أمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة، وإسرائيل تدير حساباتها الخاصة بشأن أهداف المواجهة ونهايتها. وبذلك لا يعود السؤال مقتصراً على حجم القوة التي استخدمتها واشنطن، بل يتصل بقدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة.
لا يعود السؤال مقتصراً على حجم القوة التي استخدمتها واشنطن، بل يتصل بقدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة
خيارات ترامب الخارجية لم تعد ملفات بعيدة عن اهتمامات الداخل، بل أصبحت جزءاً من النقاش الذي يسبق الانتخابات النصفية. قرار الدخول لا يساوي امتلاك خيار الخروج؛ فطهران ليست الطرف الوحيد الذي يحدد مسار المواجهة، وإسرائيل ليست مجرد جهة تنتظر ما تقرره واشنطن، كما أن الأطراف الإقليمية الأخرى لا تتعامل مع نتائجها باعتبارها شأناً أميركياً إسرائيلياً داخلياً.
لم تحسم الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة مستقبل بنيامين نتنياهو، بل نقلت الأزمة السياسية إلى مرحلة جديدة من المساومات، بعدما لم يتمكن أي طرف من بلوغ الأغلبية المطلوبة. لتشكيل الحكومة. وبذلك بقي مستقبل نتنياهو السياسي مفتوحاً على احتمالات متعددة
بالنسبة إلى ترامب، لا تتعلق المسألة فقط بمن سيشغل منصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية، بل بطبيعة الشريك الذي يحتاج إليه لتنفيذ أولوياته الإقليمية.
قد تتيح حكومة إسرائيلية جديدة مساحة أكبر للتعامل مع المطالب الأميركية بشأن غزة وسوريا ولبنان، وتوسيع التفاهمات الإقليمية، لكن ذلك سيظل مرتبطاً بتركيبتها الائتلافية وأولويات شركائها، وليس بمجرد تغير اسم رئيس الحكومة.
من هنا، قد يبقى نتنياهو، لكنه سيدخل المرحلة المقبلة في ظل معادلة برلمانية أكثر تعقيداً، وحاجة أكبر إلى شركاء قد لا تتطابق أولوياتهم مع حسابات البيت الأبيض. فما يمكن أن يتغير هو أسلوب إدارة العلاقة مع واشنطن، وحدود الاستجابة لمطالبها الإقليمية.
وهكذا لا تكمن معضلة ترامب في بقاء نتنياهو أو رحيله وحده، بل في العثور على شريك يستطيع الجمع بين متطلبات الأمن الإسرائيلي وأولويات التسوية الأميركية، من دون أن تتحول الخلافات في الوسائل والتوقيت إلى عائق أمام الشراكة بين الطرفين.
لم تعد الأزمة الإيرانية مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، أو امتداداً للصراع الإسرائيلي ـ الإيراني. فقد تجاوزت تداعياتها حدود الصدام العسكري، وأصبحت تمس مباشرة أمن الخليج والاستقرار الإقليمي، وهو ما جعل دول المنطقة معنية بالتأثير في مسار الأزمة وشروط إنهائها، لا بالاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
تقاطع المصالح حول منع اتساع الحرب وحماية الممرات البحرية وأمن الطاقة هو الذي يمنح دول المنطقة التي دخلت على خط الوساطة مساحة للتأثير في مسار الأزمة، ويجعل تجاهل مواقفها أمراً مكلفاً لأي تسوية محتملة.
لم تعد الأزمة الإيرانية مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، أو امتداداً للصراع الإسرائيلي ـ الإيراني. فقد تجاوزت تداعياتها حدود الصدام العسكري، وأصبحت تمس مباشرة أمن الخليج والاستقرار الإقليمي
وهنا تظهر حدود المقاربة الأميركية. فلا يكفي أن يتوصل ترامب إلى تفاهم مع نتنياهو، أو أن يفرض شروطاً على طهران. عليه أن يصغي إلى ما تقوله التحالفات الجديدة في المنطقة وفي مقدمتها التنسيق الإقليمي الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان ومصر، إلى جانب الدور الوساطي القطري النشط على أكثر من جبهة.
يدخل ترامب عاميه الأخيرين وهو وسط اختبار يتجاوز نتائج انتخابات النصفية وموازين الكونغرس.
فالتحدي الأهم لن يكون في الاحتفاظ بحرية اتخاذ القرار، بل في تحديد الأولويات وسط أزمات متزامنة، وتوظيف النفوذ الأميركي بما يسمح بتحقيق نتائج تتجاوز المكاسب الآنية.
ففي عالم تتداخل فيه ملفات أوكرانيا وروسيا والصين، إلى جانب التوترات التجارية مع أوروبا، لم يعد الضغط الأميركي وحده كافياً لضمان استجابة الأطراف الأخرى لمطالب واشنطن.
لا تتوقف صعوبة إنهاء المواجهة مع إيران عند تحديد موعد وقف العمليات، بل تتصل بأربع فجوات يصعب تجاوزها بمجرد استخدام القوة: فجوة أولى بين تعريف ترامب للنصر وما تريده إسرائيل وما تستطيع طهران قبوله؛ وثانية بين وحدة الموقف الأميركي ـ الإسرائيلي في مواجهة التهديد الإيراني واختلاف الحسابات بشأن شروط إنهائه؛ وثالثة بين القدرة على إلحاق الضرر العسكري بالخصم والقدرة على إرغامه على تسوية سياسية؛ ورابعة بين وقف المواجهة وبناء ترتيبات أمنية تمنع تجدد أسبابها.
وهنا يصبح الاختبار الحقيقي لترامب هو قدرته على الانتقال من إدارة الأزمات إلى تسوية شروطها، عبر موازنة متطلبات الداخل الأميركي مع أولويات الحليف الإسرائيلي ومصالح القوى الإقليمية.
فالحفاظ على الشراكة مع نتنياهو لا يعني تبني جميع خياراته، كما أن استعادة المبادرة الأميركية تتطلب خارطة طريق لا تكتفي بوقف المواجهة، بل تعالج أسباب تجددها.
لا يواجه ترامب اختباراً انتخابياً داخلياً فحسب، ولا يواجه نتنياهو مأزقاً ائتلافياً إسرائيلياً منفصلاً عن حسابات واشنطن.
فتعقّد المشهد أمام الرجلين يطرح سؤالاً أوسع حول قدرة الشراكة الأميركية ـ الإسرائيلية على التكيف مع متطلبات المرحلة المقبلة قد يحتفظ كل منهما بأوراق القوة التي يملكها، لكن ذلك لا يعني أن كليهما يستطيع فرض شروطه على الآخر أو التحكم بمسار الأزمات الإقليمية.
وهنا تكمن الورطة المشتركة: أن تتراجع مساحة المناورة السياسية في واشنطن وتل أبيب، في وقت تتسع فيه الملفات التي لا تكفي القوة والضغوطات وحدها لمعالجتها، بل تحتاج إلى قرارات وتفاهمات سياسية تتجاوز خيار التصعيد.
Loading ads...
لا يواجه ترامب اختباراً انتخابياً داخلياً فحسب، ولا يواجه نتنياهو مأزقاً ائتلافياً إسرائيلياً منفصلاً عن حسابات واشنطن. فتعقّد المشهد أمام الرجلين يطرح سؤالاً أوسع حول قدرة الشراكة الأميركية ـ الإسرائيلية على التكيف مع متطلبات المرحلة المقبلة قد يحتفظ كل منهما بأوراق القوة التي يملكها
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
ترمب ونتنياهو: ورطة الصناديق
منذ ساعة واحدة
0

