تسعى أي حكومة إسرائيلية «منتخبة»، منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 وحتى اليوم، إلى استمرار سيطرتها واحتلالها للأراضي الفلسطينية، بطرق مختلفة تضمن السيطرة الفعلية على الضفة الغربية وتحويلها إلى كانتونات معزولة. فقد قامت جميع الخطط على تقسيم المدن والانتشار حولها بعد اتفاقية أوسلو عام 1993، ثم إعادة احتلالها بعد انتفاضة الأقصى عام 2000، وصولًا إلى جريمة الإبادة الجماعية في غزة، مع خطط ضم الضفة وتهجير السكان وعزل من تبقى منهم بالمستوطنات.
بقول آخر، بقيت إسرائيل مسيطرة، ولم تتخلَّ عن مسؤوليتها الأمنية في جميع المدن الفلسطينية، ثم بدأت تتحدث عن مسؤوليتها في توسيع سيطرتها الأمنية في جنوبي لبنان وسوريا، وعلى الحدود مع مصر. والأهم من كل ذلك أنها دفنت مشروع حل الدولتين، الذي قام عليه مشروع السلام في المنطقة.
حدث كل ذلك في ظل حكومات إسرائيلية منتخبة، تتصارع أحزابها تاريخيًا على السلطة، انطلاقًا من ثوابت تضع في اعتبارها الأول «يهودية الدولة»، والتعامل مع قضية فلسطين، شعبًا وأرضًا، بوصفها مسائل أمنية بحتة، تتركز على نزع البعد السياسي والوطني والقانوني والإنساني عن سكان البلاد الأصليين.
التزاحم الانتخابي في إسرائيل، بين معسكر نتنياهو والمعارضة، يتقاطع عند مشاريع الاستيطان والسيطرة والضم، بوصفها أمورًا لم تعد قابلة للنقاش.
وبالاستناد إلى حسابات السياسة الإسرائيلية القاسية والمجردة، المرتبطة بمعرفة الواقع واتجاه تطور السلوك الاستعماري ضد الفلسطينيين، هناك عملية تهافت غير مسبوقة بين اليمين الصهيوني بزعامة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، الذي يضم الليكود والحزبين الحريديين، شاس ويهدوت هتوراة، وحزب عوتسما يهوديت وتحالف الصهيونية الدينية، وبين معارضة تُسمى «معسكر التغيير»، وتضم «يشار» بقيادة آيزنكوت، وتحالف بينيت ولبيد «معًا»، و«الديمقراطيين» و«إسرائيل بيتنا»، والقائمتين العربيتين، المشتركة والموحدة.
التزاحم الانتخابي في إسرائيل، بين معسكر نتنياهو والمعارضة، يتقاطع عند مشاريع الاستيطان والسيطرة والضم، بوصفها أمورًا لم تعد قابلة للنقاش. فلا يمسّ التنافس الانتخابي ضمانَ السيطرة الفعلية الإسرائيلية على الأرض، بغض النظر عن هوية الفائز في الانتخابات.
وإذا ما عدنا قليلًا إلى عام 1993، عقب توقيع اتفاق أوسلو، فقد اشتكت حينها وزيرة التربية في إسرائيل، شولاميت آلوني، من سياسة الاستيطان التي يمارسها حزب العمل بزعامة إسحاق رابين، قائلةً: «أنتم مثل الليكود، ولا أعرف هل سيتبقى مكان للسكان العرب». فأجابها رابين: «أنا أفكر باليهود وليس بالعرب».
تغيرت وقائع كثيرة منذ ثلاثة عقود، وفرضت إسرائيل وقائع وتغييرات جغرافية وأمنية تمنع بالمطلق قيام أي كيان فلسطيني له شكل الدولة أو الاستقلالية، بأي معنى من المعاني. وأصبحت الكانتونات والمعازل مفصولة بعضها عن بعض، في حين باتت خطط التهجير والفصل العنصري وجرائم الإبادة تمثل المسار المتصاعد في السلوك الإسرائيلي العلني، من دون إحراج مع الولايات المتحدة والغرب والعالم العربي.
منطق ما تفعله إسرائيل ليس معقدًا بمجرد إدراك ما تسعى إلى تحقيقه. فإذا كان بإمكانها إعلان إغلاق كامل للضفة الغربية في حال ردّ الفلسطينيون على إرهاب المستوطنين وعدوان جيش الاحتلال دفاعًا عن أنفسهم، فبإمكان إسرائيل فعل ذلك كلما سمحت لها الظروف، وهي ظروف متوفرة منذ عقود.
لقد استطاعت خنق الاقتصاد الفلسطيني وتدميره، وقيّدت وصول المزارعين إلى أراضيهم، والطلاب إلى مدارسهم، والمرضى إلى المستشفيات. وبإمكانها جعل حياة الفلسطينيين لا تُطاق بشكل ممنهج لدفعهم إلى الرحيل عن أرضهم. وقد حدث ذلك في غزة ومخيمات الضفة، والآن تنتقل عملية التهجير والعدوان إلى المدن الفلسطينية، والخليل خير شاهد.
هذا تطهير عرقي لا يتم بغرف الغاز، بل بنقاط التفتيش وتشديد الحصار والجرافات والاستيطان. تطهير بدأ عام 1948، وما زال مستمرًا في عام 2026، في أكثر مراحله تسارعًا وأقلها تمويهًا.
وهذا ليس فشلًا من جانب المجتمع الدولي فقط في الاستجابة لمطالب حماية الشعب الفلسطيني وإرغام إسرائيل على الانصياع للقانون الدولي، بل هو فشل للرهان على سلام وترتيبات واتفاقات لا تنسجم أصلًا مع التوجه الصهيوني في التوسع والسيطرة، ليس على الأرض الفلسطينية فحسب، بل في المنطقة العربية برمتها.
ولو عدنا إلى ما قبل مرحلة السلام في مدريد عام 1991، وما تلاها من اتفاقات تطبيع ومعاهدات، لوجدنا أن الدعوة إلى وقف النشاط الاستيطاني وإزالة المستوطنات القائمة كانت حجر الزاوية في الخطاب الرسمي العربي والفلسطيني.
المفارقة اليوم أن هذه السياسة تبدلت عربيًا، على الأقل في مرحلة التطبيع المجاني مع أكثر الحكومات فاشية في إسرائيل، وأصبح التسليم ببقاء المستوطنات واتساعها أمرًا لا مفر منه، على ما يبدو.
وربما تكون المفارقة الأكثر إدهاشًا هنا أن الآية انقلبت كلها، ولم تعد هذه المسألة قيد التفاوض من المنظور الإسرائيلي، بل أصبحت خطًا أحمر تتحدد في ضوئه السياسة الإسرائيلية، بغض النظر عمّن يحكم في إسرائيل.
هكذا تتناسخ الأهداف الإسرائيلية الاستعمارية، وتشكّل الأيديولوجيا الصهيونية ومخططات الأمن ونظرياته المرتبطة بها العماد الأساسي لأي ائتلاف حكومي في إسرائيل.
فإعادة احتلال الضفة الغربية بكاملها، والانقلاب على المعاهدات واتفاقات «السلام» المزعوم، بغض النظر عن هوية التشكيلة الحكومية، والجاهزية المستمرة للتحرش بالبلدان العربية والعدوان عليها واحتلال أراضيها، كانت ولا تزال من أبرز مكونات الاستراتيجية الإسرائيلية الأميركية، بغض النظر أيضًا عمّن يكون في البيت الأبيض، جمهوريًا أم ديمقراطيًا.
لن تبدّل الانتخابات الإسرائيلية جلد المشروع الصهيوني وعظمه، ونتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تحمي من ثوابته.
فالجمهوريون والديمقراطيون يؤكدون مرارًا وتكرارًا، وعلى مسمع المواطن العربي وقادته، أن «إسرائيل القوية» ضمانة للمصالح الأمريكية وثروة استراتيجية للولايات المتحدة، قولًا وفعلًا. وقد تجلّى ذلك في محطات كثيرة، وبلغ تلاحمهم مع إسرائيل ذروته أثناء حرب الإبادة في غزة.
لن تبدّل الانتخابات الإسرائيلية جلد المشروع الصهيوني وعظمه، ونتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تحمي من ثوابته. فخصوصية الانتخابات ليست ظاهرة عابرة مرتبطة بتحالف الليكود مع يمين ديني صهيوني أكثر تطرفًا، ولا بمعارضة إسرائيلية يقلقها فقط انكشاف زيف الصورة «الديمقراطية» التي ينهشها تلفيق الوجود على أرض الغير.
فالمكونات الثابتة تستند، في بنيتها ومواصفاتها، إلى مشروع استعماري تهدف مخططاته إلى تصفية القضية الفلسطينية. وأي حكومة قادمة لن تطرح أكثر مما طرحه أسلافها من تسويات منفردة على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية، وتفاهمات لا تُعدّ، في المنظور الصهيوني، سوى محطة على طريق التحقيق المطلق لأهداف الصهيونية وسيطرتها، بغض النظر عن الأساليب والمناورات التي تُقدَّم بعد كل جولة انتخابية في تل أبيب أو واشنطن.
Loading ads...
وتُحدث هذه المناورات، في كل مرة، مزيدًا من التصدع في جبهة المواقف العربية، التي ترتبط مواعيدها وبرامجها بمن يحكم في إسرائيل، لا بكيفية حكمها هي نفسها، وبأي أدوات واستراتيجيات وأحزاب وسياسات، ولا بقضايا الديمقراطية والمواطنة والبناء والتنمية، التي تُعد أسلحةً قادرة على تغيير نظرة العالم إلى من يفكر ويخطط فعلًا للحفاظ على مستقبل أجياله.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

