2 ساعات
اللعبة الكبرى لعبة البداية؟ تاريخ أفغانستان ومستقبل سوريا
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026
لا تكون الكتابة دائمًا من أجل تقديم رأي، بل تكون أحيانًا من أجل التفكير، ومن أجل بناء الرأي؛ وهذه المادة من هذا النوع الذي يهدف إلى استفزاز التفكير لتكوين صورة أفضل للواقع، ومن ثم المستقبل. ولعلَّ هذا النوع من الاستفزاز هو أكثر ما يحتاج إليه التفكير السياسي في هذه المنطقة، هنا والآن.
ثمة بين أيدينا بعض المعطيات التي تسوِّغ التفكير في الطرح الآتي: قد تنزلق سوريا إلى ما انزلقت إليه أفغانستان، ليس لأنَّ حكَّام سوريا الجدد من خلفيةٍ جهادية يمكن أن نقارنها مع خلفية طالبان؛ فهذا تبسيطٌ وتسطيحٌ قد تصبح معه فكرة المقارنة غيرَ منطقيَّةٍ من أساسها لاختلاف الفاعلين والسياق؛ ولكن لأنَّ القوى العظمى، وتحديدًا الولايات المتحدة وبريطانيا، تتعاطى مع سوريا الراهنة بطريقةٍ قريبةٍ جدًا من الطريقة التي تعاطت بها مع أفغانستان في أثناء صعود طالبان في منتصف تسعينيات القرن الماضي. ولذلك نروي حكاية أفغانستان بتكثيفٍ شديد، بالقدر الذي يسمح به حجم هذه المادة، ونضع مسوغات طرح هذه الفكرة، ومن ثم نضع، استنادًا إلى ذلك، ما يحذِّر منه صاحب هذه السطور.
شاركت كلٌّ من يونوكول وشريكتها السعودية دلتا في مساعٍ تمّت خلف الكواليس لتشكيل حكومة أفغانية تحظى باعتراف دولي وتمهّد لتمويل المشروع.
في أيار عام 1997، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال مادةً بعنوان "اللعبة الكبرى.. لعبة النهاية؟" (Great Game Endgame?)، وتتحدَّث الصحيفة فيها عن لعبةٍ كبرى في أفغانستان، يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي. وتكاد تكون كل كلمةٍ في هذه المادة مهمةً عند النظر إليها بعيون سوريا الراهنة. ممّا ورد في هذه المادة أنَّ نجاحَ الأصوليين كان حاسمًا لضمان أن تكون أفغانستان الطريق الأول للشحن العابر من أجل تصدير نفط آسيا الوسطى، وثروات الغاز الهائلة، والمصادر الطبيعية الأخرى فيها. وسواء اتفق المرء مع طالبان أم لا؛ فإنَّها، في نظر الصحيفة، كانت القوَّة الأقدر على تحقيق السلام، وضبط الأمن والاستقرار، مقارنةً بأمراء الحرب أمثال الجنرال الشيوعي المهزوم عبد الرشيد دوستم، والرئيس المخلوع برهان الدين رباني. ولم تكن الرغبة في الاستقرار من أجل أفغانستان أو الأفغانيين؛ فهذا كان موضوعًا جانبيًا، بل من أجل البدء في إنشاء خط أنابيب الغاز من حقل دولت أباد في تركمانستان - الذي كان يراه التركمان "جوهرةً وهبهم إياها الله" - عبر أفغانستان إلى باكستان ثم إلى العالم. وقد اقترحت يونوكول (UNOCOL) آنذاك، وهي شركة نفط أمريكية مقرها فلوريدا، مسارَ أنابيبٍ لهذا الغرض بتكلفة تقترب من خمسة مليارات دولار. وبحسب مادة منشورة في واشنطن بوست في 10/1/1998؛ فإنَّ إدارة كلينتون دعمت اقتراح يونوكول لثلاثة أسباب هي: تقليل اعتماد جمهوريات آسيا الوسطى على روسيا، وتجنب مرور الطاقة عبر إيران، وتزويد باكستان والهند بمصادر جديدة للطاقة. كان هذا المشروع سيدرُّ على طالبان ملايين الدولارات سنويًا، إضافةً إلى فرص العمل التي يخلقها. وبطبيعة الحال، صار موضوع اضطهاد طالبان للنساء، وملف حقوق الإنسان، والديمقراطية، ونشر الحريات، وما إلى ذلك، أمرًا "يمكن لأمريكا التعايش معه"، بتعبير أحد الدبلوماسيين الأمريكيين في حينها؛ حيث وثَّق الكاتب الباكستاني أحمد رشيد في كتابه "طالبان، الإسلام المسلح، النفط والأصولية في آسيا الوسطى" أن دبلوماسيًا أمريكيًا رفيعًا قال له الآتي في مقابلةٍ في إسلام أباد: "من المرجّح أن تتطوّر حركة طالبان على النحو الذي تطوّر به السعوديون. ستكون هناك أرامكو، وخطوط أنابيب، وأمير، ولن يكون هناك برلمان، بل الكثير من أحكام الشريعة الإسلامية. ويمكننا، نحن الأمريكيين، التعايش مع ذلك". وبالفعل، شاركت كلٌّ من يونوكول وشريكتها السعودية دلتا في مساعٍ تمّت خلف الكواليس لتشكيل حكومة أفغانية تحظى باعتراف دولي وتمهّد لتمويل المشروع. وسعت يونوكول في العاصمة التركمانية عشق أباد إلى نيل رضا الرئيس التركماني في حينها صفر مراد نيازوف، الذي تحوَّل فجأةً من شخصٍ مغمور إلى رقمٍ صعب بعد أن أوقف تدفق الغاز التركماني عبر روسيا. وأزاحت يونوكول الشركة الأرجنتينية بريداس التي حاولت منافستها على رضا نيازوف. ثم قال هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الذي أصبح بعد ذلك مستشارًا ليونوكول، إنَّ هذه الصفقة "انتصارٌ للأمل على الخبرة". وأسقطت وزارة الخارجية الأمريكية أفغانستان من قائمة الحكومات التي تحمي الإرهابيين وتروِّج لهم، وتمَّ استقبال رجال طالبان في الولايات المتحدة بحفاوةٍ وترحيب شديدين، واصطحابهم في جولاتٍ على منشآت النفط، واتصل بهم بيل كلينتون، وبدأ يدعمهم. وحين تدبَّرت يونوكول صفقتها بنجاح مع طالبان، كانت تعبِّر عن أمريكا العميقة، فهي فعلت ذلك نيابةً عن اتحاد شركات (كونسورتيوم)، ومنها إنرون، وأموكو، وبريتش بتروليوم، وشيفرون، وإكسون، وموبيل. وكان صنَّاع الصفقة الأساسيون هم ديك تشيني، وزير الدفاع السابق والذي أصبح بعد ذلك نائبًا للرئيس، وكان آنذاك رئيس شركة هاليبرتون، وهي شركة عملاقة لخدمات النفط، وجيمس بيكر، وزير الخارجية الأسبق في إدارة بوش الأب، وكوندوليزا رايس التي أصبحت فيما بعد مستشارة الأمن القومي في رئاسة جورج دبليو بوش، ثم أصبحت وزيرة للخارجية، وكانت آنذاك نائبة رئيس شركة شيفرون للنفط مع المسؤولية عن آسيا الوسطى.
حالت شرعية السلطة، وتدهور العلاقة مع أمريكا، لا سيما بعد ملف بن لادن وتفجير السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا في عام 1998، وعلاقة طالبان بالمؤسسات المالية الدولية، دون تنفيذ مشروع يونوكول وأخواتها.
وعلى أي حال، ما حدث في أفغانستان في نهاية المطاف في التسعينيات أن روسيا وإيران أنفقتا ملايين الدولارات على تسليح القوات المناهضة لطالبان، وفي النهاية تهاوت جميعها أمام قوة أبناء الريف الذين يحملون الكلاشينكوف على ظهورهم، و"يتخذون الله هاديًا" - بتعبير وول ستريت جورنال. وبطبيعة الحال، يشعر المرء من مجرد قراءة هذا التاريخ باقتضاب أنَّ ذاك الوضع الأفغاني يتشابه مع الوضع السوري الراهن، ويمكن أن يكون مؤشرًا هاديًا لمعرفة كيف تتعامل الولايات المتحدة مع سلطة ذات أصل جهادي عندما تتوقع أن تؤدي وظيفة سياسية واقتصادية لا يستطيع غيرها أداءها؛ مع إضافة أن ترامب أدار في سوريا ظهرَه للمشكلة التي لم يُدر كلينتون لها ظهرَه تمامًا في أفغانستان، وهي ملفات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والشرعية البنيوية الداخلية للسلطة؛ فترامب لا يمانع بالشرعية الوظيفية الخارجية في سوريا، والحكومة الانتقالية لا تمانع فيها أيضًا، بشرط أن تُترجم إلى شرعية إنجازات اقتصادية داخلية تساعدها على تمكين سلطتها.
هكذا، ننتقل من أفغانستان في منتصف تسعينيات القرن الماضي إلى سوريا في منتصف عشرينيات هذا القرن، حيث يجري الحديث أيضًا عن تهاوي استثمارات إيرانية وروسية على يد جماعات إسلامية مسلَّحة بسلاحٍ متواضع، ويجري الحديث مرةً أخرى عن اقتصاد الممرات بوصفه اقتصادًا آمنًا، تصبح معه سلطة الدولة المركزية جزءًا من البنية الاقتصادية للممر نفسه في معادلة تبادلٍ ضمني لطرق العبور الآمنة مقابل استثمارات تعزِّز قدرة الحكام الجدد في دمشق. في هذا السياق نفسه، تحدَّث تقرير لرويترز في التاسع من هذا الشهر الجاري عن ائتلاف يضم شركة تي آي كابيتال (TI Capital)، وشيفرون الأمريكية، ويو سي سي القطرية (UCC Holding)، لإعداد الدراسات الفنية والمالية لمشروع نقل النفط العراقي عبر سوريا إلى المتوسط والاستغناء عن مضيق هرمز، بتكلفة تصل إلى 15 مليار دولار أمريكي. وقبل ذلك، أشارت ورقة صدرت عن تشاتام هاوس (Chatham House) إلى إمكانية تنفيذ ما يُعرف بممر كركوك - بانياس. وثمة شبهات بتضارب مصالح المبعوث الأمريكي توم براك الذي قدَّم شركة تي آي كابيتال إلى المشروع، في سلوكٍ يذكِّر بسلوك بعض أبرز شخصيات النخبة السياسية في التسعينيات مثل ديك تشيني، وكوندوليزا رايس، وجيمس بيكر. أيضًا، ثمة حديث عن ممر شرق - غرب الذي يبدأ من العراق إلى البوكمال مرورًا بدير الزور إلى حمص ثم إلى موانئ المتوسط؛ هذا إضافةً إلى استمرار فكرة حضور الكوريدور الهندي الشرق أوسطي الأوروبي (IMEC) الذي كان أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي السابق، من أشد المتحمسين له، والذي أعلنته مجموعة العشرين في الهند في عام 2023. وينتمي هذا المشروع إلى سياقٍ سياسي لا ينفصل عن إطار الاتفاقات الإبراهيمية، والإطار المعروف باسم I2U2، والذي يضم الهند، وإسرائيل، والإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، والذي تعرَّض لعرقلةٍ بسبب مجموعة عوامل قد يكون طوفان الأقصى من أهمها. وهذه العرقلة، بطبيعة الحال، وضعت سوريا، بدعمٍ سعودي، بديلًا ممكنًا لاستمرار حضور الفكرة نفسها، ولكن عبر سوريا. هذا إضافةً إلى أن إدارة ترامب قد درست احتمالية دمج هذا المشروع، وهو بالمناسبة من المشاريع النادرة التي حافظ عليها ترامب من عهد بايدن، مع مشروع باكس سيليكا التكنولوجي الواعد.
ما كان نهاية اللعبة الكبرى في أفغانستان، قد يكون بداية اللعبة الكبرى في سوريا.
وكأننا، في هذه المعادلة السورية الراهنة، أمام نظائر للمعادلة الأفغانية في التسعينيات؛ فتركيا في سوريا تؤدي دورًا نظيرًا للدور الباكستاني التركماني في أفغانستان التسعينيات، الذي سعى إلى جلب الثروة لأفغانستان وإعطاء شرعية لطالبان بتحويل البلاد إلى ممرات اقتصادية في مقاربة تعطي أولوية للاقتصاد على الديمقراطية، وللشرعية الوظيفية الاقتصادية على حساب الشرعية البنيوية الدستورية والديمقراطية وحقوق الأفغان، ومن جهةٍ ثانية تدعم إسرائيل خصوم الحكومة داخليًا في سوريا، كما فعلت دول آسيا الوسطى الشيوعية مع خصوم طالبان، وعلى رأسها طاجكستان، بالتعاون أيضًا مع روسيا وإيران؛ وظلَّت أمريكا تراقب الوضع وتمسك بخيوط اللعبة في الحالتين.
Loading ads...
لذلك، ما كان نهاية اللعبة الكبرى في أفغانستان، قد يكون بداية اللعبة الكبرى في سوريا. وبطبيعة الحال، هذه الوصفة في أفغانستان مُجرَّبة، ونتائجها على البلاد واضحة اقتصاديًا وسياسيًا؛ وعليه فإنَّ السوريين يحتاجون إلى حسابات أعمق لتفادي نتائج هذه اللعبة الكبرى التي يمكن معرفتها بالنظر إلى أفغانستان من التسعينيات إلى اليوم بوصفها سنواتٍ وأحداثًا ماضيةً قد تساعد على التنبؤ بملامح مستقبل السوريين إن لم يتنبهوا. لذلك لا خيار عقلاني ممكن إلا أن يبادر السوريون إلى استرداد السياسة في بلدهم بوساطة بناء شرعية سياسية دستورية داخلية، تُمَهِّد لاقتصاد عقلاني يمتلكه السوريون بأنفسهم بوصفهم أصحاب سيادة، بدلًا من اقتصاد الألعاب الكبرى الذي لا يكون فيه البلد، ولا يكون اقتصاده، إلا خادمًا لمصالح الآخرين. ولا بد من أجل تفادي ذلك من أن يتحوّل السوريون إلى فاعلين في هذا النقاش بما يحقق مصالحهم القومية والاستراتيجية، وهذا بدوره أمرٌ غير ممكن إلا إذا تحقَّق التضامن السياسي في البلاد دستوريًا ووطنيًا وفق ترتيبٍ يعطي الأولوية للترتيب الداخلي المتماسك، ويجعله منطلقًا لسياسة خارجية قوية واقتصادٍ راسخ. وغير ذلك، قد يواجه السوريون المصير الأفغاني نفسه، سلطةً وشعبًا على حدٍّ سواء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

