ساعة واحدة
بين اختبار الشرعية وحدود الصلاحيات.. مجلس الشعب الجديد في سوريا
الثلاثاء، 30 يونيو 2026
يترقب السوريون انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب الجديد، في وقت تثار فيه تساؤلات عن دوره الحقيقي في المرحلة الحالية، وحدود صلاحياته، وقدرته على تمثيل المواطنين بعد سنوات طويلة من هيمنة النظام المخلوع على الحياة السياسية وكل السلطات وعلى رأسها السلطة التشريعية.
ويقترب انعقاد المجلس مع حديث بشأن آلية تشكيله، التي اعتمدت على هيئات ناخبة لاختيار ثلثي الأعضاء، في حين ينتظر استكمال الثلث الأخير عبر تعيينات رئاسية.
وأثار تأخر انعقاد المجلس لأشهر مخاوف بشأن تأثير ذلك على شرعيته الشعبية، لا سيما مع استمرار صدور مراسيم وقرارات حكومية في غياب السلطة التشريعية.
ويرى مشاركون في نقاش عبر برنامج "الجمهورية الثالثة" على تلفزيون سوريا، أن المجلس يواجه تحديات تتجاوز مسألة تشكيله، إذ سيكون مطالباً بإعادة الاعتبار للمؤسسة التشريعية بعد عقود من هيمنة السلطة التنفيذية، والعمل على مراجعة مئات القوانين الموروثة عن المرحلة السابقة، إلى جانب إرساء قواعد الحياة السياسية الجديدة من البرلمان إلى مجلس الشعب
واستعرض التقرير المرافق للنقاش تطور الحياة البرلمانية في سوريا، إذ يعود تاريخها إلى المؤتمر السوري العام في عام 1919، الذي شكّل أول هيئة تمثيلية وطنية في سوريا، إلا أن الانتداب الفرنسي أعاد تشكيل المشهد السياسي عبر إنشاء مجالس تمثيلية في الدويلات التي أقامها، قبل أن تشهد البلاد انتخابات الجمعية التأسيسية عام 1928 التي مهدت لإقرار دستور عام 1930.
بعد الاستقلال عام 1946، تعرض البرلمان السوري لسلسلة من الحلول والتعطيلات نتيجة للانقلابات العسكرية المتعاقبة، قبل أن تُنهى الحياة البرلمانية التعددية فعلياً بعد انقلاب عام 1963.
وفي عام 1973 أُنشئ مجلس الشعب بصيغته الحديثة في ظل حكم حافظ الأسد، ليبقى خاضعاً لهيمنة السلطة وحزب البعث حتى سقوط النظام المخلوع.
ترى عضو مجلس الشعب نور الجندلي، خلال الحلقة، أن الحكم على المجلس قبل بدء أعماله يعد أمراً متسرعاً، معتبرة أن شرعيته الحقيقية ستتشكل من خلال أدائه وقدرته على معالجة ملفات المواطنين.
وقالت إن آلية اختيار الأعضاء جاءت ضمن ما هو متاح في المرحلة الراهنة، في ظل الظروف الأمنية والديموغرافية والإدارية التي تعيشها البلاد بعد سقوط النظام المخلوع، مشيرة إلى أن المجلس الحالي يمثل مرحلة انتقالية واستثنائية، من المفترض أن تمهد لإقرار قوانين انتخابية تؤسس لاحقاً لانتخابات عامة مباشرة.
وأضافت أن المجلس سيكون أمام مهمة ضخمة تتمثل في مراجعة مئات القوانين الموروثة، مع التركيز على التشريعات الأكثر ارتباطاً بحياة المواطنين واحتياجاتهم اليومية.
في المقابل، يرى المحامي والسياسي محمد صبرة، أحد المشاركين في البرنامج، أن توصيف المجلس باعتباره "منتخباً" لا يعكس بدقة طريقة تشكيله، نظراً لأن الهيئات الناخبة جرى اختيارها مسبقاً من قبل الجهات المشرفة على العملية.
واعتبر أن المجلس يجب النظر إليه بوصفه سلطة تشريعية انتقالية ذات مهام محددة، محذراً من المبالغة في الحديث عن تفويض شعبي كامل لأعضائه.
كذلك، انتقد صبرة ما اعتبره محدودية الصلاحيات الممنوحة للمجلس بموجب الإعلان الدستوري، مشيراً إلى أن السلطة التشريعية تفتقر إلى أدوات الرقابة التقليدية الموجودة في الأنظمة البرلمانية، مثل الاستجواب وسحب الثقة من الحكومة.
ويواجه المجلس المرتقب مجموعة واسعة من الملفات المعقدة، في مقدمتها تشريعات العدالة الانتقالية، وإعادة تنظيم الحياة السياسية، ومراجعة القوانين الاستثنائية التي صدرت خلال العقود الماضية.
ويرى مدير مركز "تقدم للحوار" عبد الله الغضوي، خلال برنامج الجمهورية الثالثة، أن المجلس سيكون تحت ضغط شعبي كبير، إذ ستُعلّق عليه آمال واسعة تتجاوز إمكاناته الفعلية، في ظل الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تعاني منها سوريا.
وأشار إلى أن أولويات المجلس يجب أن تركز على إنتاج تشريعات تساعد في استقرار المرحلة الانتقالية، معتبراً أن ملف العدالة الانتقالية يشكل مفتاحاً لمعالجة كثير من القضايا المرتبطة بالاستقرار السياسي والاجتماعي.
وأظهر استطلاع لآراء مواطنين، أجراه برنامج "الجمهورية الثالثة"، أن القضايا المعيشية تتصدر أولويات السوريين، إذ طالب المشاركون بأن يركز المجلس على تحسين الوضع الاقتصادي، ومواجهة غلاء المعيشة.
وبرزت مطالب بالإسراع في إقرار قانون للعدالة الانتقالية، ومعالجة ملفات الحريات العامة، ومراجعة قوانين الجرائم الإلكترونية التي يرى منتقدوها أنها ما زالت تحمل إرثاً من الحقبة السابقة.
ورغم تناول النقاش عدداً من التجارب المقارنة، بينها جنوب أفريقيا والعراق وليبيا وتونس، فإنّ المشاركين اعتبروا أن التجربة السورية تختلف عن تلك النماذج، لكنها تستطيع الاستفادة من دروسها، ولا سيما في تجنب المحاصصة السياسية، وترسيخ التنوع، وبناء مؤسسات تشريعية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية وصولاً إلى نظام دستوري دائم.
ويتفق معظم المتابعين على أن نجاح مجلس الشعب لن يُقاس بطريقة اختياره بقدر ما سيُقاس بقدرته على إنجاز المهام الملقاة على عاتقه خلال الأشهر الثلاثين المقبلة.
Loading ads...
ويبقى السؤال الأبرز: هل يتمكن مجلس الشعب الجديد من التحول إلى سلطة تشريعية فاعلة تواكب التحولات السياسية في سوريا، أم إنه سيبقى محكوماً بقيود المرحلة الانتقالية وتوازناتها؟ وهو اختبار سيحدد ليس فقط مستقبل المجلس، بل أيضاً ملامح النظام السياسي السوري في المرحلة المقبلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

