ساعة واحدة
من يخاف من 6 أيار؟ المناهج السورية وسؤال الوطنية السورية!
الجمعة، 30 أكتوبر 2026
ذهب الجدل حول تعديل المناهج السورية، كما يذهب عادة، إلى الصورة: الحجاب، والتماثيل، و"الموناليزا" التي اختفت. وانقسم الناس، كما ينقسمون عادة، بين من رأى في ذلك "أسلمة" للمناهج، ومن رأى فيه انسجامًا مع مجتمع محافظ في غالبيته. هذا نقاش مهم بالتأكيد، ونقاش يجب أن يصل في نهاية المطاف إلى منهاج يعبر عن الهوية السورية كما هي دون أي تلاعب أو تغيير، غير أن هذا الانقسام يخفي، برأيي، ما هو أعمق من الصورة، وأخطر منها: ماذا نعلّم أبناءنا عن سوريا نفسها؟ عن كيف وُلدت؟ من هم أبطال نشأتها الأولى؟ وكيف تُحكم؟ وما مكانهم فيها؟
ففي الكتاب الذي وثّق الصحفي محمد السلوم تعديلاته، كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، لم تُطمس صور النساء والأطفال والتماثيل فقط. فالكتاب، وهو إعادة طباعة لكتاب صدر في العام الدراسي 2012-2013، حُذف منه ما يتصل بالنظام البائد، وهذا بالطبع ملح وفي غاية الأهمية. غير أن هذا التعديل لم يكن الوحيد، بل طال التعديل دروس عن الإدارة المحلية والحياة السياسية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية. ولم يكن هذا الحذف الأول. ففي كانون الثاني 2025، نشرت وزارة التربية نفسها تعديلات طالت، إلى جانب ما يمجّد نظام الأسد، النصوص الخاصة بإعدامات السادس من أيار 1916، وكل توصيف سلبي للدولة العثمانية. بكلام آخر، حُذف من كتب أبنائنا خلال أقل من عامين أمران: لحظة ولادة الدولة السورية، والدروس التي تشرح كيف يُدار هذا الكيان ودور المواطن فيه.
أزعم أن الكيانية السورية تقوم على ركيزتين: سردية تأسيس تخبر الطالب من أين جاء هذا البلد، وعقد مدني يخبره كيف يُحكم وما حقه فيه وما واجبه تجاهه. وما جرى يمسّ الركيزتين معًا. فما معنى أن نطلب من طالب الانتماء إلى بلد لا يعرف كيف وُلد، ولا كيف يُدار، ولا ما صوته فيه؟ أخطر من ذلك، كيف سيحتفي السوريون والسوريات الذين يتعلمون هذا المنهاج بوطن ولد نتيجة مؤامرة؟!
لكن، ولكي نكون منصفين، ما منطق من حذف؟
ثمة منطق، ولا يجب تجاهله. فالرواية البعثية عن العهد العثماني كانت مختزلة ومؤدلجة إلى حد بعيد، تختصر أربعة قرون في الظلم والتتريك والتخلف، وتخدم سردية قومية جعلت من العروبة نقيضًا لكل ما سبقها. ومراجعة هذه الرواية مشروعة، بل ضرورية. وثمة أيضًا من يرى، بصدق، أن الكيان السوري لم يكن إلا نتاج سايكس-بيكو، وأن الاحتفاء بلحظة الانفصال عن السلطنة احتفاء بتقسيم فرضه المستعمر. ولهذا الموقف جذوره عند أصحابه، وهم جزء أصيل من المجتمع السوري، ولهم كامل الحق في قناعاتهم.
غير أن تصحيح الرواية شيء، وحذف الواقعة شيء آخر تمامًا. فإعدامات السادس من أيار ليست رأيًا، بل واقعة. واللافت أن من أُعدموا في ساحة المرجة في دمشق وساحة البرج في بيروت لم يكونوا قوميين عربًا بالمعنى الذي صنعه البعث لاحقًا. كانوا مسلمين ومسيحيين، دمشقيين وبيروتيين وحماصنة، وكان كثيرون منهم قد طالبوا في المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913 بالإصلاح واللامركزية داخل الدولة العثمانية، لا بهدمها. بين من عُلّقوا على المشانق عبد الحميد الزهراوي، رئيس ذلك المؤتمر، والمسيحي الحمصي رفيق رزق سلوم. إنهم، إن شئنا، رمز جامع عابر للطوائف والمدن، لا رمز قومي ضيق، وحذفهم لا يصحح السردية البعثية، بل يحرم السوريين من رمز سبقها وكان أوسع منها.
أما حجة سايكس-بيكو، فتتجاهل وقائع موثقة. فالسوريون أعلنوا استقلالهم في الثامن من آذار 1920، قبل أن يُقر الانتداب في سان ريمو. وانتخبوا مؤتمرًا ناقش مشروع دستورهم الأول مادة مادة، وظل يناقشه حتى السابع عشر من تموز، والقوات الفرنسية على أبواب ميسلون. ثم حين قسّم الفرنسيون البلاد إلى دول دمشق وحلب والعلويين وجبل الدروز، قاومت سوريا التقسيم من الساحل مع صالح العلي، ومن الشمال مع إبراهيم هنانو، ومن الجبل مع سلطان باشا الأطرش، تحت شعار "الدين لله والوطن للجميع"، إلى أن استعادت وحدتها بالإضراب والتفاوض عام 1936. باختصار، لم تكن الكيانية السورية حدودًا فرضها المستعمر، بل خيارًا صنعه السوريون في مواجهة مشروع تقسيمه.
ثمة مفارقة هنا تستحق التوقف. فالانقضاض على الكيانية السورية ليس جديدًا. لقد سبق إليه البعث نفسه، ولكن من الجهة الأخرى. فقد همّش المؤتمر السوري ومشروع دستوره لأنهما "قطريان"، وكتب انقلابه فوق الثامن من آذار حتى نسي السوريون أنه كان يومًا عيد استقلالهم الأول (8 آذار 1920 ذكرى تأسيس المملكة العربية السورية)، وكرّس في دساتيره أن سوريا "جزء من الوطن العربي"، وكأنها لا تملك تعريفًا لذاتها إلا بما هو أكبر منها. وما نراه اليوم، إن صح أنه نهج، يكرر المنطق ذاته بمرجعية مختلفة: كيان صغير عابر في طريق أمة أعلى، عربية كانت بالأمس أم إسلامية اليوم. والكيان الذي يُحذف تاريخ ولادته من كتب أبنائه لا يبقى بلا قصة، بل تُكتب له قصة أخرى لا يكون فيها إلا "مرحلة".
وهنا تأتي الركيزة الثانية. فحذف دروس المواطنة والإدارة المحلية والمشاركة الديمقراطية لا يقل خطورة عن حذف السادس من أيار. فالطالب الذي لا يتعلم كيف تُدار بلدته، وما المجلس المحلي، وما الانتخاب، وما دور الإعلام، يكبر وهو يرى الدولة سلطة فوقه لا عقدًا هو طرف فيه. ولا أدري كيف يمكن الحديث عن سوريا جديدة، وعن انتخابات وأحزاب وإدارة محلية، بينما نحذف من كتب أطفالنا الدروس التي تعرّفهم بها!
لكن من قرر ذلك كله؟ هذا ربما هو السؤال الأهم. فالوزارة تقول في بيانها في السادس والعشرين من تشرين الأول إن التعديل الوحيد منذ سقوط النظام هو تعديل كانون الثاني 2025، وإنه اقتصر على حذف رموز النظام البائد ومضامينه الأيديولوجية. والسلوم يقول إن التعديلات ظهرت في بعض الكتب دون غيرها، وجاءت عشوائية لا تحترم حتى هوية الكتاب الفنية. فإن لم تكن هذه التعديلات سياسة معلنة، فإن الأمر لا يقل خطورة. فهو يعني أن صورة سوريا في كتب أبنائها متروكة لمزاج من راجع كل كتاب، ولقناعاته، لا لمعايير وطنية يعرفها الناس ويحاسبون على أساسها.
بطبيعة الحال، لا يعني هذا أن الوزارة لم تفعل شيئًا صحيحًا. فحذف تمجيد الأسد من كتب الأطفال كان واجبًا، واستعادة علم النجوم الثلاث كان استعادة لرمز الاستقلال نفسه، وإعلان الوزارة إنجاز الإطار الوطني العام للمناهج ومعاييرها الجديدة خطوة تستحق أن يُبنى عليها. غير أن هذا الإطار نفسه يجب أن يكون موضع حوار علني، لا وثيقة "سرية" تُحال إلى مجلس ثم تُطبق "تباعًا".
من هنا، أزعم أن ما نحتاجه ليس معركة جديدة حول الحجاب، بل ثلاثة أمور صريحة. أولًا، أن تُنشر المعايير الوطنية للمناهج وتُطرح للنقاش العام قبل التأليف، وأن تُشكَّل لجان المراجعة بأسماء معلنة وتخصصات معروفة. ثانيًا، أن تعود إلى الكتب لحظات تأسيس الوطن السوري كلها، من السادس من أيار إلى المؤتمر السوري العام وميسلون والثورة السورية الكبرى والجلاء، مُصحَّحة من أدلجة البعث لا محذوفة. ثالثًا، أن تعود دروس المواطنة والإدارة المحلية والمشاركة السياسية والديموقراطية، لا بوصفها ترفًا، بل بوصفها الأساس الذي سيقوم عليه أي دستور دائم ننتظره!
إن كان المنطق الذي حذف السادس من أيار هو أن الانفصال عن السلطنة لم يكن إلا ثمرة مؤامرة، فماذا سنفعل بيوسف العظمة؟ فالرجل الذي خرج إلى ميسلون وهو يدرك أن المعركة خاسرة كان وزير الحربية في الحكومة العربية التي قامت في دمشق التي قادت الانفصال عن السلطنة، وكان في الوقت نفسه أول من واجه المستعمر الفرنسي بالسلاح دفاعًا عن استقلال لم يدم إلا أشهرًا. فهل نحذفه لأنه جزء من الانفصال عن السلطنة، أم نحتفي به لأنه قاوم المستعمر؟ السؤال وحده يكشف أن سوريا لم تكن مؤامرة على أحد، بل خيار أبنائها في وجه السلطنة والمستعمر معًا.
ثم ماذا عن عبد الرحمن الكواكبي؟ كيف يحذف التعريف به وبأفكاره من كتاب التاريخ للصف الثامن؟ والكواكبي، ابن حلب، لا يمكن أن يُتهم بمعاداة الدين، بل مصلح إسلامي، كتب "أم القرى" في نهضة المسلمين، وكتب "طبائع الاستبداد" في نقد استبداد الحكم الحميدي، ليقول إن الاستبداد، لا الدين، أصل الداء. فإن حُذف الكواكبي، وحُذفت معه دروس الديمقراطية والمواطنة والمشاركة، فكأنما نقول لأبنائنا إن معركتنا ليست مع الاستبداد، بل مع من كتب عن طبائعه! ولا أظن أن ثورة خرجت على واحد من أعتى أنظمة الاستبداد في المنطقة تريد أن تقول ذلك لأبنائها.
Loading ads...
ما زالت ساحة المرجة في دمشق تُسمى عند كثيرين "ساحة الشهداء"، وما زال اسمها يذكّر بأن هذا البلد وُلد من دم دفعه أبناؤه، مسلمين ومسيحيين، دفاعًا عن حقهم في أن يُحكموا بإرادتهم. فإن نسيت الكتب ذلك، فإن الساحة لن تنساه. لكن السؤال الملح يبقى: هل نريد جيلًا يمر في الساحة ولا يعرف لماذا سُميت بهذا الاسم؟ سوريا ليست مرحلة عابرة في طريق أحد، بل وطن نهائي لكل أبنائه، ومن حق هؤلاء الأبناء أن يعرفوا كيف وُلد، وكيف يُحكم، وأين مكانهم فيه!
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

