تظهر علاقة السلطة: كلّ سلطة، بالإعلام: كلّ إعلام، كنموذج للعلاقات غير السويّة، التي يُعجزك البحثُ عن صيغة خالية من العيوب فيها.
ومن النادر، إن لم يكن من غير الممكن، إيجاد إعلام تابع أو خاضع لسلطة ما، سواء تمويلاً أو توجيهاً، دون أن نجد في هذا الإعلام لحظة تظهر فيها ملامح من فجاجة التوجهات في صياغة أو تغطية، مع اختلاف الدرجة وفق ذكاء الاستراتيجية وواضعيها، ومعايير اختيار فرق العمل.
في سوريا، زمن الأسدين، كان الإعلام خاضعاً لسيطرة المنظومة الأمنيّة بشكل يصلح ليكون نموذجاً يُدرّس في الشمولية المطلقة، حتى في وسائل إعلام عالمية، تجلّت سيطرة النظام على ما يخصّ ما يقال وكيف يقال فيها بالموافقات الرسمية واختيار المراسلين، لضبط رواية ما يحدث وفق رواية النظام، ويمكن للمتابع ملاحظة هذا الضبط بوضوح من خلال جرد بسيط لما بقي في سوريا الخاضعة للنظام من وسائل إعلام عالمية تعمل بشكل رسمي.
ومع مطلع الألفيّة دخلت الدراما التلفزيونية إلى قائمة الأدوات الإعلامية التي يسيرها النظام، وإن لم تكن خاضعة رسمياً للتمويل الحكومي، وأدارت أجهزة الأمن اللعبة بذكاء عبر بناء علاقات دخلت في بنية الوسط الفني بتعقيد وكفاءة حولت صناعة الدراما إلى داعم بارع للنظام، متجاوزاً فكرة الخضوع البدائية. وإن عاد الشكل البدائي الفجّ مع انطلاق الثورة السورية، سواءً في مواقف غالبية الأوساط العاملة في هذا المجال، أو في بعض الأعمال التي تناولت الحدث. وكلمة بعض هنا معنية بمسألة الفجاجة، أما الانحياز فقد ظل طاغياً لا "تبضيع" فيه. إذ أن الصنّاع أنفسهم هم أبناء النظام على حدّ تعبير أحد أبرزهم.
في لحظة تاريخيّة فارقة، ولستُ هنا في معرض بحث أسبابها، وأسباب اختلاف الروايات وفق مصالح وأمنيات وقراءات الرواة: سقط الأسد، وسقطت بسقوطه كل أدواته الرسميّة في حكم سوريا: الأجهزة الأمنية، الجيش، السياسات الاقتصادية والإعلاميّة والاجتماعية، ووصلت إلى الحكم طبقة جديدة، ألغت جزءاً من هذه الأدوات، واستبدلت العاملين والمنهجية في أدوات أخرى، معلنة بداية مرحلة جديدة بقواعد مختلفة تحكم العلاقة بين المجتمع والسلطة.
وبطبيعة الحال، كان الإعلام بكليته من القطاعات التي شملها تغير جذري في الوجوه والأساليب، مع حفاظ "نسبي" على أدوات هي من بنية الإعلام في كل مكان من صحافة مكتوبة، وقنوات تلفزيونية وإذاعية، ومواقع إلكترونية... وشمل هذا التغيير الجهات المسؤولة رسمياً عن صناعة الدراما، وهي جهات فقدت دورها الوظيفي منذ قرابة ثلاثة عقود، حين انتقلت الصناعة للقطاع الخاص تمويلاً، ولمكاتب الجهات الأمنية "المودرن" توجيهاً. أما الصناعة نفسها، رموزها وواجهاتها وكبار الفاعلين فيها: فلم تتغير ولم يتغيروا، وإن استعادت وجوهاً كانت قد دفعت ثمن وقوفها مع الشعب السوري تغيباً عن الأعمال التي أنتجت في سنوات الثورة. وهي وجوه ضعيفة الأثر بحكم الندرة، وبغض النظر كلياً عن الموهبة والإبداع.
الصناعة بكليتها ظلت على ما كانت، شخوصاً وقيماً وانتماءات، والتعميم هنا لا ينفي الاستثناء بقدر ما يراه ضعيف الأثر، ولعلّ من أشد الأدلة سطوعاً على بقاء الصناعة على ما هي، هو الارتباك البائس المثير للشفقة في مواقف نجوم دعموا النظام الفاشي الأسدي لسنوات، في الأسابيع الأولى لسقوطه، والتبريرات والتصريحات التي تهافت "النجوم" بإطلاقها محاولين ترقيع ما لا يُرقع من عار دعم الديكتاتورية التي هرب رأسها وتركهم في مواجهة حقيقة انهيار وَهم الأبد.
على الرغم من الحساسيات المفرطة للقضية السورية وهول المأساة التي مرّ بها السوريون، غير أن هذا لا يغيّر منطق الأداء الدرامي أو السينمائي أو المسرحي. وما يجب تثبيته كمبدأ هنا هو أن الفصل بين مواقف الممثل وقناعاته وحتى شرّه، وبين الأدوار التي يتقن تأديتها هو الأقرب للمنطق من وجهة نظر فنيّة صرفة.
وانطلاقاً من حقيقة بسيطة و"فاقعة" البديهية، تُختصر بأنّ سقوط نظام سياسي مطلق الشر، لا يعني أن داعمي شرّه المطلق سيخضعون لسنوات من العلاج النفسي لتخفف خطر وجودهم طلقاء في المجتمع، فما بالك حين يكون هؤلاء متورطين بأوهام نرجسية عن كونهم "نخبة" في مجتمعهم. وحين يكون المجتمع ضعيفاً، مفككاً، أوصله الإرهاق إلى ما يشبه فقدان الوعي. حينها ستكون النتيجة بكل بساطة، اعتذار بليد من النجم/ة بعد سنوات من دعمه المطلق لجرائم الإبادة وتعزيز رواية النظام الطائفي تصريحاتٍ وأعمالاً قائلاً: "أنا لم أكن أعرف أن هناك قصفاً على المدن، ولا حرباً في الضواحي، ولم أنتبه لمقتل مليون إنسان أو تهجير 15 مليوناً. أمّا وقد عرفت الآن، فلن أسكت"
وسيفعل ما يفعله الأهل حين يصطدم طفلهم في بداية مشيه بطاولة، يتظاهرون بالغضب، والحميّة، ويعلوا صراخهم: "دي دية يا طاولة" وهم يطرقون طرفها لـ "تسكيت" الطفل الباكي.
هذا ما فعله نجوم صناعة الدراما، باعتذارات فجّة مرّة، أو بخلق تاريخ ثوري لذواتهم من موقف عابر أو "تكشيرة".. بل إن الصمت صار بطولة في أحيان كثيرة. حتى أن "نجمة" ربما تكون نموذجاً لفكرة الـ "Over rerated "، صارت من أثور الثائرات، بناء على نظرية ماورائية صِرفة: "ولو.. مواقفها معروفة". وقد أعياني البحث عن هذه المواقف المعروفة، فلم أجد لها إلا مواقفَ صحبةَ رأس النظام، ومودةً مقززةً مع زملائها من كبار داعميه، والنشاز المؤثرّ حدّ تشنج المعدة عند غنائها في كل مقابلة، ذات الأغنية، بذات التلوي، بذات الأداء المزعج.
اللافت في هذا المشهد البائس أخلاقياً هو موقف الجمهور: اللاموقف.
تجاوز الجمهور عار صناع الدراما بأسرعَ مما تجاوزها الصناع أنفسهم. و"فَضّت" الحكاية ببضعة شتائمَ من حسابات مزيفة على وسائل التواصل، دون أي فعل حقيقي من الجمهور للمحاسبة، والتي قد يكون أبسطها مقاطعة علنية لأي عمل، بل ولأي شركة إنتاج تنتج عملاً يشارك فيه داعم/ة للنظام البائد. وهنا يقتضي الإيضاح: داعم/ة لا "كان داعماً/ة".. لأن ما تغير هو الظاهر، أما النفوس فلم تتغير، وهذا ما ستظهره الأشهر ما بعد سقوط النظام.
بعد شهور من سقوط النظام، أمضاها صناع وصانعات وصنايعيّة الدراما في حالة أقرب للسبات السريري، بدأت أقنعة "الثورة" و"الإنسانية" بالتهالك نتيجة فقدان الصلاحية. و"الأصل غالب" كما يقول المثل المصري بتتمته الظريفة، ومن تخلى مؤقتاً عن دعم نظام الأسد، لم يتخلَّ عن دعم رفاق الدرب، والمسألة أوضح من أن نطيل شرحها وتعقيدها، من لقاءات المهرجانات وتبادل "العبوطات" والغزل، إلى الدفاع الوقح على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى البحث الهوسي عن المشاكل وتضخيمها في تبرير مبطنّ حيناً، وظاهرٍ أحياناً للمواقف اللاإنسانية السابقة، وختاماً بالشراكات الفنية: الوجه الأكثر بؤساً وكشفاً لطبيعة الوسط الفني وقيمه النفعية.
بطبيعة الأشياء، وفي سياق لم تتغير دوافعه العميقة القائمة على نفاق الأقوى، أنتجت صناعة الدراما السورية أعمالاً تلهث وراء رضى جمهور الثورة، وتتمسح برداء السلطة الحاكمة، متبنيةً كما يوحي ظاهرها الرواية الواقعيّة لما حدث في سنوات الجحيم السوري المنصرمة، غير أنّ حكاياتها وشخصياتها وعمقها الاجتماعي بل وموسيقاها في بعض النماذج أوغلت مجتمعة في تورية بنية النظام المخلوع وتركيبته ومرجعيات شخوصه بكل تجلياتها. ولعل هذه التورية، كما أحسبُ على الأقل، هي الشر الأكثر خطراً وشيطانية في هذه الصناعة حمّالة الأوجه.
وبسبب بنية الأوساط الدرامية التي رباها النظام الأسدي "كل شبر بندر"، كان من الطبيعي أن نجد أدواراً لشخصيات من الثورة يؤديها ممثلون وممثلات من أشرس المدافعين عن منظومة الحكم الأسدية، إذ أن هذه الشريحة كانت الأكبر، بل كانت غالبية الوسط، ما حصر خيارات الصناعة الدرامية في "مِن قلّة الخيل... " وأثار هذا الوضع غضب شرائح واسعة من الجمهور، شريحة أحست بالمهانة حين شاهدت على الشاشات ممثلين/ات من أبناء النظام القاتل وهم يجسدون شخصيات أهلهم الذين أبادهم ذات النظام. فتعالت الأصوات التي تطالب السلطة بالتدخل لوقف تلك الأعمال.
يجلب هذا المشهد ثلاثة استحقاقات بالغة الأهمية، والتعاطي معها بشكل مستقل لا يقل أهمية عنها.
على الرغم من الحساسيات المفرطة للقضية السورية وهول المأساة التي مرّ بها السوريون، غير أن هذا، برأيي، لا يغيّر منطق الأداء الدرامي أو السينمائي أو المسرحي. وما يجب تثبيته كمبدأ هنا هو أن الفصل بين مواقف الممثل وقناعاته وحتى شرّه، وبين الأدوار التي يتقن تأديتها هو الأقرب للمنطق من وجهة نظر فنيّة صرفة. الممثل يمثّل الدور، والتمثيل لا يقتضي بحال من الأحوال أن الممثل يتبنى ما تقوم به الشخصيّة، أو يعيش ظروفها، أو معاناتها أو توحشها، وقد يقدم دور سفاح في عمل ليقدم دور ضحية في آخر، بل إنه في حالات معقدة من المونودراما المسرحية قد يقدم الشخصية ونقيضها في ذات العمل. غير أن هذا لا يعني أن الأداء منفصم عن المسألة الأخلاقية، لكن اختبار معاييرها يسبق فعل الأداء، ويظهر في الموافقة على نص ورفض آخر، بناء على ما يقدمه النصّ لا الشخصية، حكاية المظلوم تحتاج ظالماً، ولا تكتمل دونها، والممثل الذي يقدم دور الشيطان ليس شيطاناً، الشيطان هو من يوافق على تقديم شخصية الشيطان بنكهة ملائكية. وبشكل أكثر وضوحاً ومباشرةً: يبدو الاعتراض على قيام فنان بعينه، بدور بعينه، بسبب مواقف هذا الفنان، أمراً بعيداً عن العقل بأشواط، وافتراض أنّ ممثلةً ما، كانت تدعم الأسد، وهذا يمنعها من أداء دور معتقلة، لا يزيد منطقية عن افتراض أن ممثلة على قدر مقبول من الإنسانية لا تستطيع لعب دور أمٍّ ربّت مقاتلاً متطوعاً مع النظام مثلاً..
للجمهور كامل الحق في اتخاذ أي موقف يشاء من أي عمل، أو أي شريك فيه، حتى دون أن يكون مضطراً لتقديم شروحات ترضي أي سائل. قد يضع الجمهور فناناً ساحر الصوت على رف النسيان لمجرّد أن الفنان لا يوافق مزاج الجمهور في شكله الخارجي، وقد يرفع ذات الجمهور فنانة أخرى بإمكانيات تقارب العدم لمجرد أنه يرى فيها "كاريزما" تقارب تصوراته عن الكاريزما.
السؤال هنا: أين تقف حدود الجمهور؟ وأين تظهر مسؤوليته؟
ربما تتقدم الحرية الفردية، وحرية التعبير على كل شرط آخر بالمعنى القانوني البليد للكلمة، لا يمكن سنّ قوانين تمنع فلاناً من الغناء، أو فلانة من التمثيل، أو الكتابة أو الإخراج، أو طرح مواضيع بعينها من قبل أشخاص بعينهم. المسألة هنا تُغلِّب الحريّة كقيمة، والقانون كأداة على ما قد يبدو أمراً محقاً وبديهياً بعد انتصار ثورة. ربما لو كانت ثورة على النمط الاشتراكي، وما على يساره، الأكثر توحشاً فيما انتصر من ثورات عبر التاريخ، لكان من المتوقع، بل من شبه المضمون أن تتكاثر قوانين المنع والزجر كالفطر، وأحسب أن لا أحد يملك الحق بسنّ قوانين كهذه، بل إن المطالبة بها تبدو بعيدة عن كل ما هو معقول في القانون. ومن نافلة القول أنّ أي سلوك عنفي أو تحريضي على العنف – العنف تحديداً ولا شيء سوى العنف بالمعنى القانوني الواضح والذي يتضمن اعتداءً لفظياً أو جسدياً – مرفوض رفضاً لا مكان حتى للحديث حوله.
أجل، الحقيقة المرّة هي أن القانون شبه عاجز عن فرض العقاب المناسب في هذا السياق، جحافل الوسط الفني التي دعمت الأسد وجيشه، التي قدمت نتاجات فنية دعمت رواية النظام، أو سخرت من مأساة الناس، أو شيطنت الثورة، لا يمكن عقابها قانوناً. فلا أثر رجعيّ للقانون، ولا قانون يمنع اعتبار ثورة: شرّا مطلقاً، في بلد فيه الحد الأدنى المقبول من الحفاظ على حرية التعبير، والحدّ الأدنى من روح القانون.
وهنا، تعود ذات الحرية ومبادئها، وذات القانون، ليمنحا الناس الفرصة للقصاص، دون قانون وضمن القانون في ذات الوقت: صناعة الدراما صناعة تعتمد كلياً على المشاهدات والانتشار، وحتى مع وجود داعمين أو شركاء تجاريين، فإن هؤلاء الشركاء الداعمين يهدفون في النهاية لتحقيق مصالحهم: تخفيض ضرائب أو التسويق لوجودهم، وعليه: يبدو سلاح المقاطعة هو السلاح الأشد تأثيراً بيد الجمهور. سلاح لا يحتاج قانوناً ولا ينتظر قرار سلطة، سلاح قادر على وضع أهم ممثلي الصفّ الأول على رفّ النسيان ليكسوهم غبار الإهمال، بل هو قادر على فرض ما لا يمكن لقانون "مقبول" فرضه.
تستطيع المقاطعة الجادة، الصارمة، العلنية الموقف والأسباب، أن توصل الخصم للإفلاس، وتدفعه حتى للرحيل، خاصة إن كانت اقتصادية واجتماعية، لا قانون سيفرض على بائع بيع الخبز، لا قانون سيفرض على جار إلقاء تحية، لا قانون سيفرض حتى على حلاق استقبال زبون. والأهم: لا قانون يمنع تأسيس جمعية للإعلان عن كل شركات الإنتاج التي تشغّل أي فنان/ة أو مشارك بأي شكل في الأعمال الفنية، إن ظهر له مقطع واحد مسجل يدعم فيه سلطة الأسد.
نعم: يستطيع الجمهور فرض إرادته، على الوسط الفني، وعلى شركات الإنتاج، وعلى قنوات التلفزيون عبر المقاطعة ولا شيء سوى المقاطعة، على أن تكون العملية منظمة، موثّقة، وشاملة. أن يتمّ توثيق كل شركة إنتاج أعطت دوراً أو عملاً لمؤيد للنظام الأسدي، والدعوة لمقاطعة كل أعمالها، كلها دون استثناء.. وكل فنان عمل فيها، حتى لو اقتضى الأمر البقاء أربع أو خمس سنوات دون دراما ريثما تعيد سوريا انتاج طبقة فنية توافق أدنى معايير الإنسانية.
قبل البحث في هذا الدور الملتبس، نحتاج لوقفة سريعةٍ جداً لا يمكن التأسيس دونها:
سقط نظام الأسد، جاءت دولة جديدة غيرت كل مفاصل البلد الهامة تقريباً، لكن الدراما بالذات ظلّت عصيّة على التغيير، الممثلون والكتّاب والمخرجون ذاتهم، لم يتغيروا ولم يغيروا، على ما تركناهم طيلة سنوات الثورة، ومن حاول منهم "ستر" قبح موقفه بجمل في غاية اللامعنى على وسيلة تواصل اجتماعي، عاد بعد أسابيع ليدافع عن زملاءه المؤيدين، أو يقدم نظرياته حول الصحيح في بناء الدول، بل إن كثيراً ممن صرّح يوماً أنه ضد نظام الأسد، نجده اليوم موزعاً وموزعةً بين سكيتش "كوميدي" بالشراكة مع أحد أوقح مؤيدي الأسد، أو نراه وهو يدبج قصائد الغزل في صاحبة أشهر أغنية بمديح الديكتاتور وحملة "بنحبك" المقززة. والأمثلة بلا نهاية: حرفياً.
تبدو المسألة بسيطة: لم يتغير صنّاع الدراما، فأي عاقل يتوقع تغيرها؟ لم تكن هذه الصناعة أداة تحاول التمرد فقمعها النظام، بل كانت متماهية معه، وعازفة في جوقته، وهي بذات الأخلاق وذات الرسالة وذات الأفراد اليوم: مستعدة لتكرار ما فعلته من قبل في سبيل مصالحها، أرباحها، وفتات بائس من العلاقات التي تسمح لها بتجاوز تافه هنا أو هناك، وتمنحها شعوراً بالوجود، وفي بعض الشطحات: بالتفوق.
Loading ads...
كل هذا لا يظهر مشجعاً بحال من الأحوال على بناء علاقة من أي نوع – عدا الضرائب وتبعاتها من حقوق نقابية وتأمينات – بين الدولة وصناعة الدراما، وهذه الرؤية هي بمعزل تامّ عن نمط وتاريخ ومؤشرات وطبيعة الدولة. المسألة تؤخذ هنا على إطلاقها: العلاقة المثالية بين الدولة والوسط الفني هي عدم وجود أي علاقة، وترك الجمهور ليحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع وما يستحق الدعم حتى التحليق وما يستحق الإهمال حتى التلاشي. والضامن القطعي هنا لعدم تحول العلاقة بين الدولة والوسط الفني لنسخة من كل علاقات الأوساط الفنية بالدولة في الغالب، ولا حاجة لوصفها باعتقادي، هو حتماً ودون ريب: ليس الدولة. واجب الدولة هو تطبيق القانون، كما حدده الدستور بتجريم الأسدية بكل ما فيها، وهذا أمر جنائي لا ثقافيّ. أما ما عدا هذا، فالجمهور هو صاحب الحق، وهو صاحب القرار والفعل، لتحديد إن كان ثمة فنان، أو عمل، أو شركة إنتاج لا حق لهم بالعمل أو الوجود على هذه الأرض المكلومة، فالجمهور وحده قادر على تنفيذ هذا الحكم.. وصلابة موقفه هي التعبير الوحيد الذي يمكن أخذه بجدية لنعرف هل أساء عمل ما حقاً إلى الجمهور، أن أنها مجرد "دراما" أخرى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

