4 أشهر
مجزرة "علي الوحش".. حين وحّد نظام الأسد الدماء السورية والفلسطينية في معبر الموت
الثلاثاء، 6 يناير 2026
تشكل مجزرة "علي الوحش" واحدة من أخطر الجرائم الجماعية التي ارتُكبت خلال سنوات الحصار الذي فرضه النظام المخلوع على جنوبي دمشق، ليس فقط من حيث عدد الضحايا، بل لطبيعتها المركّبة التي جمعت بين القتل الجماعي والإخفاء القسري ومحاولة طمس الأدلة.
في هذا المعبر جرت تصفية مدنيين على أساس الهوية المكانية، شملت فلسطينيين سوريين من مخيم اليرموك إلى جانب سكان يلدا والبويضة ومناطق مجاورة، قبل أن تُحرق جثث عدد منهم في خنادق ميدانية بهدف محو معالم الجريمة وإعاقة توثيقها.
لا تزال هذه الجريمة قائمة قانونياً وإنسانياً، إذ إن حرق الجثث والإخفاء القسري يشكّلان انتهاكاً مستمراً لا يسقط بالتقادم، ويُبقي مصير مئات المفقودين مجهولاً حتى اليوم.
وبين غياب المعلومات الرسمية واستمرار الإنكار، تعيش آلاف العائلات حالة انتظار مفتوحة، ما يجعل مجزرة "علي الوحش" ملفاً حياً في سياق المطالبة بالمساءلة وكشف الحقيقة، وليس مجرد واقعة من الماضي.
من ممر إنساني إلى معبر للموت
في أحد أكثر فصول المأساة السورية قسوة، تحوّل الشارع الواصل بين بلدتي يلدا وحجيرة جنوبي دمشق، والمعروف باسم "علي الوحش" في 5 كانون الأول عام 2014، إلى مسرح لجريمة جماعية جمعت دماء السوريين والفلسطينيين في آن واحد. فبعد حصار خانق فرضته قوات النظام المخلوع على مخيم اليرموك ومناطق جنوبي العاصمة، وانتشار الجوع وانعدام الغذاء والدواء، جرى الترويج لإشاعات عن فتح "ممر إنساني" يسمح للمدنيين بالخروج.
هذه الأخبار التي أسهم تنظيم "داعش" آنذاك في تداولها -والذي سيطر على المخيم فترة من الزمن- دفعت آلاف المدنيين، بينهم نساء وأطفال ومسنون، إلى التوجّه منذ ساعات الصباح نحو الشارع، أملاً بالنجاة من الموت البطيء داخل الحصار، غير أن ذلك الممر لم يكن سوى فخّ مُحكم، نُفذ بإشراف قوات النظام وبمشاركة ميليشيات طائفية، ليصبح معبراً إلى الاعتقال والقتل والإخفاء القسري.
فصل المدنيين وبدء التصفيات الجماعية
بحسب شهادات وثّقتها مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية، بدأت المجزرة فور تجمّع المدنيين عند حاجز "علي الوحش" الذي كانت تسيطر عليه ميليشيا "أبو الفضل العباس" إلى جانب عناصر من قوات النظام حزب الله، وذلك بحسب ما وثقه موقع "الذاكرة السورية".
فصل عناصر الحاجز الشبان والرجال عن النساء والأطفال وكبار السن، بالتزامن مع إطلاق قذائف سقطت وسط الحشود، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في المكان، وأُجبر المدنيون على رمي هوياتهم وأوراقهم الثبوتية في براميل جرى إحراقها، في خطوة هدفت إلى محو أي أثر قانوني لهم. لاحقاً، أُعيدت النساء إلى يلدا بعد تعرّض بعضهن للضرب، في حين اعتُقل أكثر من 1200 مدني، بينهم أطفال ورضّع ومسنّون، ليبدأ فصل جديد من الجريمة خارج أنظار الإعلام.
تصفيات واغتصاب وإخفاء قسري
تشير الشهادات الحيّة إلى أن المعتقلين نُقلوا إلى مستودعات ومحال تجارية في محيط الشارع، حيث تعرّض المئات منهم لتصفيات ميدانية وعمليات اغتصاب واستجواب عنيف استمرت حتى اليوم التالي.
وبعد ذلك، جرى توزيع المعتقلين على فروع أمنية عدة، بينها فروع في نجها وريف دمشق، حيث مورست بحقهم أنماط تعذيب ممنهجة وإهمال صحي أودى بحياة أكثر من 800 معتقل، وفق تقديرات حقوقية.
وتؤكد "مجموعة العمل" أن عدد المختفين قسرياً تجاوز 1500 شخص، لم ينجُ منهم سوى 11 فقط، في واحدة من أوسع عمليات الإخفاء الجماعي خلال سنوات الحصار.
كما وثّقت المجموعة أن أصغر المعتقلين كانت طفلة فلسطينية تُدعى ميمونة الشام جبر، كانت تبلغ من العمر عاماً واحداً، في حين أن أكبر المعتقلين يدعى محمد كوجيل، وهو فلسطيني من مواليد عام 1939، في مؤشر صارخ على شمولية الجريمة وعدم استثنائها لأي فئة.
المجزرة في عيون الشهود
أحيت بلدة يلدا بريف دمشق مساء أمس الإثنين ذكرى مجزرة شارع علي الوحش، حيث أقيمت هذه الفعالية بعوة من فريق "بُناة الأثر" التطوعي بالتعاون مع مجلس بلدة يلدا، وفريق أبناء الجولان، بحسب وكالة "سانا".
استُهلت الفعالية بتلاوة من القرآن الكريم، ثم استرجع الشيخ مؤيد خليفة، وهو أحد الشهود على المجزرة في كلمة ألقاها، الذكريات الأليمة للجريمة التي يندى لها جبين البشرية، حيث خرج مدنيون سوريون وفلسطينيون من الشارع وتلقفتهم قوات النظام البائد والميليشيات الموالية له واعتقلت الشباب والرجال ثم قتلتهم، ودفنت جثثهم بمقابر جماعية، وأشار إلى محاولات النظام البائد طمس معالم هذه الجريمة والتنصل منها.
ومن الناجين من المجزرة أيضا أحمد عبد العال الذي قال بدوره لـ "سانا": نزحنا من بيوتنا بسبب الحصار والجوع الذي كنا نعيشه، حيث لم يكن لدينا طعام ولا شراب، وادّعى النظام البائد أنه فتح ممراً إنسانياً لكن ما حصل كان كميناً غادراً، وقد اعتقلت وبقيت سبع سنوات في المعتقل، ذقت خلالها كل أنواع العذاب.
ذاكرة مفتوحة ومطالب بالعدالة
بعد أكثر من اثني عشر عاماً، لا تزال مجزرة "علي الوحش" حاضرة في ذاكرة أهالي الضحايا والناجين، وجرحاً مفتوحاً لعائلات المفقودين الذين ما زال مصير أبنائهم مجهولاً.
وجدّدت فعاليات محلية وحقوقية خلال إحياء الذكرى، التأكيد على أن ما جرى لم يكن حادثة معزولة، بل جزءاً من سياسة ممنهجة استهدفت اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، حيث قُتل أكثر من 1536 فلسطينياً في جنوبي دمشق وحده خلال سنوات الحصار، من أصل آلاف الضحايا الفلسطينيين في عموم البلاد.
Loading ads...
وتطالب منظمات حقوق الإنسان المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وفتح ملفات المساءلة والمحاسبة، وكشف مصير المفقودين، وضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم، معتبرة أن العدالة الانتقالية تبقى شرطاً أساسياً لإنصاف الضحايا وإعادة الاعتبار لذاكرة أُريد لها أن تُمحى بالقوة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

