43 دقائق
ملامح سوريا الجديدة.. كيف تُدار المرحلة الانتقالية بين ركام الحرب وهواجس الاستقرار؟
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026
تواجه الدولة السورية الجديدة حزمة من التحديات الانتقالية الشائكة المتمثلة في تثبيت التماسك الاجتماعي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد المنهك، وتحديد خيارات السياسة الخارجية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
وبين الحاجة إلى إنهاء إرث العقود الماضية وتجنب مطبات الفراغ المؤسسي، تبرز أسئلة حول طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا اليوم، وتحديات السلطات السورية في إدارة التوازنات الداخلية والخارجية، وهو ما ناقشته الحلقة الجديدة من بودكاست "داخل سوريا"، على منصة "سوريا الآن"، والتي استضافت الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة تورنتو جمال منصور.
يرى منصور أن المشهد السوري الحالي يتسم بكونه تحولا "متعدد الطبقات" ولا يمكن اختزاله في مجرد تغيير سياسي عابر.
ويوضح الباحث أن سوريا تعيش انتقالات متوازية تشمل الانتقال من نظام استبدادي احتكاري دام لعقود، وانتقالا على صعيد السلم الاجتماعي والتماسك الأهلي بعد سنوات من تسليح الفروق الطائفية والإقليمية، إضافة إلى انتقال في طبيعة التموضع الإقليمي والدولي للبلاد، وانتقال اجتماعي نحو مظلة أكثر شمولا.
كما يقدم منصور قراءة يعتبر فيها سوريا "وحدة نموذجية" في منطقة الجنوب العالمي، حيث تمثل دراسة حالة فائقة الأهمية، لكيفية إعادة بناء مجتمعات ما بعد الصدمة والثورات والحروب الأهلية، موضحا أنه "إذا أمكن إعادة بناء سوريا، فإن ذلك ينعكس على أماكن أخرى، أما إذا فشلت سوريا، فهناك دروس تُستخلص من ذلك الفشل".
يجيب منصور بوضوح أن المحافظة على التماسك الداخلي والسيطرة على "العلاقات غير المستقرة والمضطربة المختبئة تحت السطح مباشرة داخل الائتلاف الحاكم" تأتي في مقدمة الأولويات لتجنب أي تصادم، تليها أولوية بناء المؤسسات، ثم تسريع عجلة الاقتصاد.
ويفكك الباحث مفهوم "الدولة العميقة"، مشددا على أن الدولة العميقة الحقيقية ليست شبكات متآمرة بل هي "البيروقراطية" والتقاليد الإدارية والكفاءات المنظمة، مؤكدا أن مؤسسات الدولة في عهد الأسد كانت مجرد "واجهة فارغة" جرى حشوها بفائض عمالة غير مؤهلة لإخفاء البطالة الفعلية.
ويصف منصور حجم الإرث الذي ورثته السلطات السورية في عام 2024 بأنه "خراب بدرجة لا متناهية"، مشيرا إلى أنه "لو أحضرت حائزا على جائزة نوبل في الاقتصاد، فلن يكون قادرا على التعامل مع كل الجوانب المختلفة التي يتطلبها مجتمع دمرته الحرب" وتحيط به تجاذبات إقليمية ودولية معقدة.
يشدد جمال منصور على أن العدالة الانتقالية هي الركيزة الأساسية لضمان الاستقرار والسلم الاجتماعي ومنع الانزلاق نحو عادات الثأر العشائرية والقصاص الفردي.
ويرى أن محاكمة رموز النظام بموجب قانون العقوبات العادي بمثابة "استخفاف بفظاعة الجرائم المرتكبة، واستخفاف بالعدالة الانتقالية المطلوبة"، داعيا إلى إنشاء محاكم استثنائية ومحاكمات علنية تضمن الشفافية وتمنح الناس شعورا بأن "آلامهم قد جوبهت بالعدالة".
يفكك الباحث واقع الاقتصاد السوري الحالي، مشيرا إلى أن الحديث عن تقديرات البنك الدولي لإعادة الإعمار بـ 250 مليار دولار هو تقدير متحفظ للغاية ومجرد "كلام فارغ"، إذ تصل التكلفة الإجمالية الحقيقية — عند احتساب الفرص الضائعة والضرائب غير المحصلة والأضرار التعليمية والنفسية — إلى نحو 1.1 تريليون دولار وفق تقديرات سابقة للجنة الإسكوا.
وفيما يتعلق بهوية الاقتصاد، يحذر منصور من الذهاب المفرط نحو رؤى ليبرالية متطرفة ترفض تدخل الدولة كليا في الرعاية الاجتماعية، داعيا إلى نموذج اقتصادي يزاوج بين تشجيع الاستثمار الحر، والتغطية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
كما يرى أن الرفض القاطع للقروض الدولية (مثل قروض البنك الدولي وصندوق النقد) قد يكون موقفا عقائديا خاطئا لا يتناسب مع "اقتصاد مزقته الحرب" ويحتاج للتنمية، مع التأكيد على أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكل أكثر من 90% من القطاع الخاص وهي المحرك الفعلي للنمو.
يؤكد منصور أن إدارة السياسة الخارجية على خط التوازن بين واشنطن وموسكو وبقية القوى الدولية هي "مهمة مستحيلة"، معتبرا أن السياسة الخارجية الحالية تتسم بأنها "متوازنة للغاية ودقيقة وجيدة وتحافظ على مسافة متساوية من الجميع في الخارج".
ويرى الباحث أنه لا ينبغي لسوريا أن تضع نفسها في حالة عداء مع قوة سياسية كبرى مثل روسيا، بل يتوجب استعادة العلاقات إلى حد من اللياقة والتعاون الأدنى، مضيفا: "لن نكون أصدقاء حميمين مع فلاديمير بوتين في أي وقت قريب، لكننا بحاجة على الأقل إلى ألا نكون في جانبه السيئ"، وذلك بالتوازي مع بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي ودول الخليج.
يفرد الباحث مساحة للتعاطي مع الملف الإسرائيلي، موضحا أن سوريا تواجه واقعا إسرائيليا مختلفا ومتغيرا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تتعامل مع جار "متسلط وعنيف بقوة" يسعى لفرض واقع أمني جديد واستعراض قوته العسكرية في المنطقة.
ويرى منصور أن سوريا لا تريد الاشتباك حاليا مع إسرائيل، وأن الهدف الرئيسي هو تقليل الأضرار الناتجة عن التعديات الإسرائيلية والوصول إلى "حد أدنى من الاتفاق" يضمن عدم الطيران فوق الأراضي السورية والحفاظ على السيادة "بتكلفة مقبولة ومعقولة بالنسبة للحكومة الانتقالية الجديدة"، لتمكين الدولة من التفرغ لمهمة إعادة البناء الداخلي.
يحذر الباحث السياسي من التسرع في إطلاق تنافس حزبي وسياسي أعلى في المرحلة الراهنة، معتبرا أن الانقسامات المجتمعية والجهوية الحادة قد تحول الأحزاب السياسية إلى أدوات لـ "حروب ثقافية ضد بعضها البعض" لا تتحملها هشاشة المرحلة.
في المقابل، يرى أن الحل يكمن عبر تفعيل "الحكم المحلي واللامركزية الخدمية" وتمكين المجتمعات المحلية في المدن والمحافظات من إدارة شؤونها وانتخاب ممثليها وتفعيل المشاركة المجتمعية، تحت مظلة دولة مركزية مؤقتا تحافظ على الأمن والعدالة وتوزيع الثروة.
في ختام حديثه، يلخص منصور الأمل المستقبلي لسوريا في النجاح بمهمة "بناء الدولة" الجامعة، شارحا أنها الدولة البيروقراطية المؤسسية التي تحتكر السلاح الشرعي وتضمن حدودها الإقليمية.
Loading ads...
ويؤكد الباحث أن التنوع الإثني والطائفي في سوريا قد جرى تسليحه واستغلاله ضد السوريين لعقود، قائلا: "إذا نجحنا، فسندير هذا الأمر بطريقة تجعل من ذلك ثروة، ومكاسب، ومصدرا لقدرتنا الفريدة على تقديم الخدمات والسلع"، بما يضمن تحويل هذا التنوع إلى مصدر ثراء يغني سوريا والعالم من حولها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





