ساعة واحدة
القيادة الجديدة أم الاقتصاد.. ما الذي يثير قلق إسرائيل من سوريا؟
الأحد، 3 مايو 2026
أثار تقرير لموقع "جيروزاليم بوست" الإسرائيلي تساؤلات حول طبيعة المخاوف الإسرائيلية من توجه الحكومة السورية الجديدة لإعادة بناء قدراتها العسكرية، ولا سيما أنظمة الرادار والدفاعات الجوية، ولكن في الشرق الأوسط حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ والصراعات، لا يبدو القلق مرتبطاً بحجم السلاح نفسه فقط، باعتبار أن إعادة تأهيله تحتاج سنوات طويلة، بقدر ما يرتبط بالتحولات السياسية التي تشهدها دمشق، وبالقيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، إضافة إلى موقع سوريا الجغرافي والاقتصادي الذي يجعلها نقطة تأثير مباشرة في معادلات الأمن الإقليمي.
وينظر الاحتلال الإسرائيلي، وفق ما يلمح إليه التقرير، إلى هذه التطورات من زاوية أوسع من مجرد استعادة منظومات عسكرية مدمرة أو متقادمة، إذ يتمثل القلق الأبرز في احتمال تحول سوريا مجدداً إلى دولة قادرة على ضبط مجالها الجوي وحدودها، والاستفادة من موقعها الرابط بين المشرق والخليج وتركيا والبحر المتوسط، بما قد يحد تدريجياً من حرية الحركة الإسرائيلية التي ترسخت خلال السنوات الماضية في الأجواء السورية والمنطقة.
لا يمكن قراءة التحولات السياسية بمعزل عن الطاقة، فالنفط والغاز ليسا مجرد موارد، بل أدوات لإعادة صياغة النفوذ، ضمن هذا الإطار يبرز التقارب السوري–الروسي في مجال الطاقة كتحول استراتيجي يثير اهتمامًا وقلقًا عميقًا داخل إسرائيل، فتل أبيب التي رهنت خلال العقد الأخير على التحول إلى مركز إقليمي للغاز، ترى في هذا التقارب مؤشرًا على إعادة ترتيب موازين القوة في شرق المتوسط.
تشير تقارير غربية، بما فيها تحليلات اقتصادية وأمنية نشرتها “رويترز”، إلى أن سوريا أصبحت تعتمد بشكل متزايد على النفط الروسي، سواء عبر الإمدادات المباشرة أو عبر اتفاقيات طويلة الأمد لإعادة تأهيل البنية التحتية، حيث قفزت شحنات النفط من روسيا بنسبة 75٪ لتصل إلى نحو 60,000 برميل يوميا هذا العام، مما يجعل موسكو المورد الرئيسي للنفط الخام بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، هذا الاعتماد لا يُقرأ في إسرائيل كمسألة اقتصادية فقط، بل كجزء من مشروع روسي أوسع لإعادة التموضع في المنطقة، مستفيدًا من الفراغ النسبي الذي خلفه تراجع الانخراط الأميركي. الطاقة بوصفها لغة الصراع الخفي في الشرق الأوسط.
في التحليل الإسرائيلي يُنظر إلى سوريا بوصفها أكثر من مجرد دولة تعاني من أزمه طاقة، إنها عقدة جغرافية حالية يمكن أن تتحول إلى ممر استراتيجي لخطوط الغاز مستقبلا. لا سيما في ظل حالة التقارب مع روسيا التي تمتلك خبرة وقدرات ضخمة في قطاع الطاقة، الأمر الذي قد يمنح دمشق فرصة لإعادة تفعيل هذا الدور.
موسكو بدورها في ظل العقوبات الأوروبية الحاليه تبحث عن طرق بديلة للحفاظ على نفوذها في أسواق الطاقة، وقد وجدت في سوريا منصة مناسبة لذلك، لا سيما من خلال الاستثمار في البنية التحتية النفطية والغازية، ومن خلال ذلك تستطيع روسيا ليس فقط تأمين سوق إضافية، بل أيضًا التأثير في مسارات الطاقة المستقبلية.
في إسرائيل، يُنظر إلى هذا التطور بقلق، لأنه قد يعيد إحياء مشاريع قديمة لخطوط أنابيب تمر عبر سوريا، لنقل الغاز الخليجي نحو أوروبا، مثل هذه المشاريع إن تحققت ستضعف من موقع إسرائيل كمصدر بديل للغاز، وهو موقع سعت إلى ترسيخه عبر اتفاقيات مع دول أوروبية وشركات دولية.
لفهم أعمق لهذا القلق الإسرائيلي، يمكن الاستناد إلى نظريتين أساسيتين في العلاقات الدولية، تبدوان الأكثر قدرة على تفسير السلوك الإسرائيلي في هذا السياق: وهما: نظرية الواقعية الهجومية ونظرية الاعتماد المتبادل غير المتكافى.
نظرية الواقعية الهجومية، التي طورها جون ميرشايمر، تفترض أن الدول تسعى إلى تعظيم قوتها في نظام دولي فوضوي، وأنها تنظر إلى أي صعود لقوة أخرى كتهديد محتمل، من هذا المنطلق ترى إسرائيل في التقارب السوري الروسي محاولة لتعزيز نفوذ محور منافس، خاصه أن روسية ليست مجرد شريك اقتصادي لسوريا، بل لاعب عسكري وسياسي مؤثر وبالتالي فإن أي تعزيز للدور الروسي في قطاع الطاقة السوري يُفسّر كخطوة نحو زيادة نفوذ موسكو في المنطقة، وهو ما قد يحد من حرية الحركة الإسرائيلية.
أما نظرية الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فتقدم تفسيرا أكثر دقة لطبيعة العلاقة بين سوريا وروسيا فدمشق التي تعاني من ضعف اقتصادي شديد، تصبح معتمدة بشكل كبير على موسكو في تأمين احتياجاتها من الطاقة، بينما تستفيد روسيا من هذا الاعتماد لتعزيز نفوذها السياسي، هذا النوع من العلاقات يمنح الطرف الأقوى "في هذه الحالة روسيا" قدرة على التأثير في قرارات الطرف الأضعف/ و بالنسبة لإسرائيل فإن هذا يعني أن أي قرار سوري في قطاع الطاقة قد يكون في الواقع انعكاسًا لمصالح روسية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.
الجمع بين هاتين النظريتين يوضح لماذا تنظر إسرائيل إلى التقارب السوري–الروسي كتهديد مركب فهو ليس فقط تعزيزا لقوة خصم، بل أيضا خلق علاقة تبعية تمنح روسيا نفوذا طويل الأمد في منطقة حساسة.
لا يمكن فهم هذا التقارب دون تحليل ما يمثله من أهمية وما يطرحه من تحديات لكل طرف معني، إذ إن المسألة لا تقتصر على سوريا وروسيا وإسرائيل فقط، بل تمتد إلى شبكة أوسع من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
بالنسبة لسوريا، يمثل التعاون مع روسيا في قطاع النفط والغاز مسألة بقاء اقتصادي. فالدولة التي عانت من تدمير واسع للبنية التحتية تحتاج إلى شريك قادر على إعادة تأهيل قطاعها الطاقي بسرعة، الأهمية هنى تكمن في استعادة الحد الأدنى من الاستقلال الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الواردات غير المستقرة، لكن التحدي يكمن في خطر الوقوع في تبعية طويلة الأمد لروسيا، وهو ما قد يقيّد هامش المناورة السياسي لدمشق في المستقبل.
أما روسيا فترى في سوريا فرصة استراتيجية متعددة الأبعاد، فمن ناحية تمثل سوريا سوقا وممرا محتملًا للطاقة، ومن ناحية أخرى تعتبر منصة لتعزيز حضورها في شرق المتوسط، الأهمية بالنسبة لموسكو تكمن في قدرتها على الالتفاف جزئيًا على العقوبات الغربية عبر توسيع شبكاتها الطاقية، لكن التحديات كبيرة أبرزها المخاطر الأمنية في المنطقة، وعدم الاستقرار السياسي بسبب الحرب مع أوكرانيا، وصعوبة جذب استثمارات كبرى في بيئة لا تزال غير مستقرة. وغيرها
بالنسبة لإسرائيل، تكمن الأهمية في حماية موقعها كمصدر ناشئ للغاز، والحفاظ على تفوقها الاستراتيجي في شرق المتوسط، فالتقارب السوري–الروسي يُنظر إليه كعامل قد يهدد هذه المكانة، سواء عبر خلق منافسة مباشرة أو عبر تعزيز محور سياسي/عسكري معاد، التحدي الأساسي أمام إسرائيل يطرح سؤالا محوريا في هذه المرحلة، وهو كيفية التعامل مع هذا الواقع: هل يكون عبر التصعيد والضغط، أم عبر التكيّف وبناء تحالفات جديدة؟
أما الاتحاد الأوروبي فينظر إلى المسألة من زاوية أمن الطاقة، فبينما يسعى إلى تقليل الاعتماد على روسيا، فإن أي دور روسي متزايد في سوريا الجديدة قد يعيد موسكو إلى المشهد بطرق غير مباشرة فالأهمية هنا تكمن في تنويع مصادر الطاقة، لكن التحدي يتمثل في صعوبة تحقيق ذلك في ظل تعقيدات الجغرافيا السياسية.
من جهته يرى رجل الأعمال والمستشار السياسي مايكل غصن أن اللجوء إلى النفط الروسي يمثل "حلا مؤقتا" وليس خيارا استراتيجيا طويل الأمد. يوضح أن سوريا تعاني من نقص الإنتاج المحلي وأزمة طاقة، بينما ملأت روسيا الفراغ بعد توقف الإمدادات الإيرانية. يشير إلى أن الحكومة تتعامل ببراغماتية اقتصادية، وتسعى إلى إعادة تعريف علاقتها مع موسكو على أساس السيادة وليس التبعية.
ويوضح غصن لتلفزيون سوريا، أن البدائل متاحة على المدى الطويل، وتشمل مصادر أميركية وخليجية وتركية، إضافة إلى استثمارات في التكرير وتطوير البنية التحتية، لكنه يشدد على أن هذه الخيارات تحتاج إلى وقت، بينما تحتاج سوريا إلى إمدادات فورية لتشغيل المصافي وتخفيف النقص.
ويتحدث غصن عن عقبات مرتبطة بالعقوبات، موضحا أن بقاء سوريا على قوائم الإرهاب يعرقل التحويلات المالية والتعاقدات النفطية، رغم رفع بعض العقوبات، ويلفت إلى أن روسيا، باعتبارها دولة خاضعة لعقوبات أيضا، توفر آليات بديلة عبر ما يعرف بأسطول الظل لتجاوز القيود.
ورغم أن القلق الإسرائيلي ليس جديدا، لكنه ازداد مع إسقاط نظام الأسد، حيث كانت موسكو جزءاً من بنية بقاء النظام، عسكرياً وسياسياً، ولا سيما منذ تدخلها العسكري عام 2015. أما بعد سقوط الأسد في كانون الأول 2024، فإن دمشق باتت تتعامل مع روسيا بوصفها قوة دولية لا يمكن تجاهلها، لكنها أيضاً طرف ارتبط بمرحلة الحرب ودعم النظام المخلوع، ما يجعل العلاقة محكومة بالحذر لا بالثقة الكاملة.
وتبدو العلاقة بين دمشق وموسكو، بعد سقوط نظام بشار الأسد، مختلفة جذرياً عما كانت عليه خلال السنوات الماضية؛ إذ لم تعد روسيا تتعامل مع سلطة سورية تعتمد عليها للبقاء، بل مع قيادة جديدة تحاول إعادة بناء الدولة واستعادة هامش قرارها السياسي والعسكري. وفي المقابل، لم تعد دمشق تنظر إلى موسكو بوصفها حليفاً مطلقاً، بل كقوة دولية تمتلك أوراقاً مهمة في ملفات السلاح والطاقة والغذاء ومجلس الأمن، لكنها تحمل في الوقت نفسه إرث دعمها الطويل للنظام المخلوع.
ومن هنا، لا تكمن حساسية العلاقة الجديدة في القطيعة أو التحالف الكامل، بل في مساحة التفاوض بين الطرفين: روسيا تسعى إلى تثبيت نفوذها وقواعدها العسكرية في سوريا، ودمشق تحاول تحويل العلاقة إلى علاقة دولة بدولة، تقوم على المصالح المتبادلة وتراعي التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة.
في الداخل الإسرائيلي تعكس آراء المحللين انقساما نسبيًا، لكنه يدور في إطار القلق العام. في تحليلات منشورة في صحف عبرية مثل “هآرتس” و“يديعوت أحرونوت”، يشير عدد من الخبراء إلى أن روسيا تستخدم قطاع الطاقة كأداة لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري في سوريا، بعضهم يرى أن هذا النفوذ قد يقيّد حرية إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية، خاصة إذا أصبحت المنشآت الطاقية جزءًا من منظومة مصالح روسية مباشرة، حيث يرى محللون في مراكز بحثية مثل “معهد دراسات الأمن القومي” في تل أبيب يذهبون أبعد من ذلك، معتبرين أن التقارب السوري–الروسي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التوازن الإقليمي، بحيث تصبح سوريا أكثر قدرة على التفاوض، وأقل عرضة للضغوط هذا التحول من - وجهة نظرهم -، قد ينعكس بالسلب على قدرة إسرائيل على فرض شروطها الأمنية، في المقابل هناك أصوات أقل تشاؤما ترى أن الوجود الروسي في قطاع الطاقة قد يخلق نوعا من الاستقرار، هذا الرأي يتقاطع مع بعض التحليلات الغربية، ويفترض أن موسكو قد تفضل الحفاظ على توازن معين في سوريا، بدل السماح بتصعيد قد يهدد مصالحها الاقتصادية.
في المؤسسات الاعلامية مثل “تشاتام هاوس” و“بروكينغز” تُظهر تحليلات لمقاربات أكثر براغماتية، حيث يُنظر إلى التقارب السوري–الروسي كجزء من إعادة تشكيل النظام الدولي، وليس كتهديد مباشر لدولة بعينها، ومع ذلك يعترف بعض الباحثين بأن هذا التقارب قد يخلق تحديات لإسرائيل، خاصة في مجال المنافسة على أسواق الغاز الأوروبية.
Loading ads...
في المحصلة، يكشف الموقف الإسرائيلي من التقارب السوري–الروسي في مجال النفط والغاز عن إدراك عميق لطبيعة التحولات الجارية في الشرق الأوسط. فإسرائيل لا ترى في هذا التقارب مجرد تعاون اقتصادي، بل مشروعا استراتيجيا قد يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، وفي عالم تتزايد فيه أهمية الطاقة كأداة للنفوذ، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها، ليس فقط من خلال تعزيز قدراتها، بل أيضا عبر فهم أعمق لقواعد اللعبة الجديدة، فالمعركة في شرق المتوسط لم تعد فقط على الأرض أو في السماء، بل في باطن الأرض، حيث ترسم خطوط الغاز ملامح القوة في المستقبل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



