5 أيام
بعد تفويض السيسي... هل تدافع مصر عن السعودية أو عن البحر الأحمر؟ - رصيف22
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

ضجت عناوين الصحف المصرية بخبر تفويض مجلس النواب المصري، بأغلبية ثلثَي أعضائه، الرئيس عبد الفتاح السيسي "اتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة العربية السعودية، وعقب التنسيق بين البلدين الشقيقين، للدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداءات خارجية".
في التفويض الذي تم يوم الإثنين 26 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وكذلك في تصريح السيسي خلال حفل تخرّج في الأكاديمية العسكرية المصرية في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، حين قال مخاطباً السعودية، إنّ بلاده "ستتّخذ أي إجراء لحمايتكم أو الدفاع عنكم"، بعد تصاعد الهجمات الحوثية على المملكة، تكررت كلمة واحدة: "الدفاع". فهل هذا كل ما تريده الرياض من القاهرة؟ وهل الأخيرة على استعداد لتقديم المزيد؟
الجواب جاء من أعلى هرم السلطة في مصر، حيث أكد السيسي نفسه أنّ الدفاع، والدفاع فقط، هو المساهمة المصرية: "أنا لا أتحدث عن قتال أحد أو مهاجمة أحد، الحديث فقط عن الدفاع".
فمتى تقرر القاهرة أنّ الدفاع عن المملكة لم يعد كافياً للدفاع عن مصر؟
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، كان أكثر إطلاقاً حين صرّح قائلاً: "أيّاً كان ما ستطلبه السعودية سنلبّيه بالطبع… دون أي تحفظ، نقدّم جميع أنواع الدعم". وأشار إلى أنّ بلاده تدرس جدّياً الانضمام إلى اتفاق "مكة المكرمة" للدفاع المشترك، الموقّع مؤخراً بين السعودية وتركيا وباكستان، بالإضافة إلى وجودها مع الدول الثلاث في "اللجنة الرباعية".
هذه "الدراسة" ليست من باب دعم السعودية فقط في حربها ضد الحوثيين، فبحسب الوزير نفسه "الخسائر الصافية لإيرادات قناة السويس تجاوزت 20 مليار دولار بسبب اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب"، الأمر الذي يجعل لمصر مصلحةً مباشرةً في إنهاء الحرب، لا يمكن تجييرها -فقط- للمصلحة السعودية.
يمنياً، أشادت الحكومة المعترف بها دولياً، بدعم مصر "الشجاع" للسعودية، بينما لم تعلّق الرياض رسمياً على قرار البرلمان المصري تفويض الرئيس السيسي، وقبله قرار مجلس الدفاع الوطني، بينما حذّر رئيس مجلس النواب في مناطق سيطرة الحوثيين، يحيى الراعي، من أنّ انخراط مصر في الصراع قد يشكّل "خطراً على أمنها القومي".
وفي تحذير ضمني، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إنّ أيّ تدخّل من جانب مصر أو أيّ دولة أخرى في الحرب الدائرة في اليمن سيجعل الوضع "أكثر صعوبةً". فهل تثني التهديدات المبطنة القاهرة عن قرارها؟
بحسب رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الإستراتيجية، سمير راغب، الجواب هو لا. فأمن الملاحة والاقتصاد المصري والمصالح المشتركة مع الرياض تجعل مواجهة هذه التهديدات أمراً ضرورياً. وبحسب قوله، "لكل قرار كلفة، إلا أنّ تداعيات عدم دعم السعودية أخطر من تداعيات دعمها".
لا يمكن توقّع بقاء مصر معزولةً تماماً عن الصراع، حسب الباحث في مركز أبحاث معهد الخدمات المتحدة الملكي، ه. أ. هيلير.
وفي إشارة إلى استهداف طائرة مسيّرة سفينتين غازيّتين في مدينة دمياط المصرية في تموز/ يوليو الماضي، قال هيلير لوكالة رويترز: "بالنسبة للسلطات، كانت المخاوف الاقتصادية والأمنية واحدة وواحدة"، ما يثير تساؤلات عن مدى وحدود الدعم المصري، وما إذا كانت الأهداف أبعد من مجرد دعم حليف إستراتيجي، حسب DW.
ارتبط الاستقرار الاقتصادي المصري، لعقود مضت، بدول الخليج المنتج للنفط (كحالة شبيهة بباكستان نسبياً)، حسب رويترز، سواء من خلال حوالات المصريين المغتربين هناك، التي تُعدّ مصدراً مهماً للعملة الأجنبية ولدخل العائلات في مصر، أو عبر الدعم الخليجي عموماً، والسعودي-الإماراتي خصوصاً، بالمساعدات وودائع البنوك المركزية والاستثمارات منذ 2013.
"لا يمكننا أبداً أن ننسى كيف وقف إخواننا في الخليج إلى جانب مصر خلال تلك الفترة"، قال السيسي.
لا يمثّل هذا التحرّك تحوّلاً جذرياً في سياسة مصر الخارجية، حسب ما قال الباحث في شؤون الشرق الأوسط في معهد "تشاتام هاوس"، أحمد أبو دوح، لموقع بي بي سي، بل هو امتداد لسياسة الموازنة بين تجنّب الانخراط في تحالفات عسكرية واسعة كـ"حلف مكة"، والحفاظ على الشراكات الإستراتيجية، خصوصاً مع دول الخليج.
يضيف أبو دوح، في حديثه إلى رصيف22، أنّ مصر جادّة في إرسال قوات إلى السعودية. أما عدم التسرّع في التحرك ميدانياً فمتعمّد، نتيجة انخراط القاهرة في مفاوضات "سرّية ومكثّفة" لحلّ الصراع سلمياً.
ويشير إلى وجود قناة تفاوضية مفتوحة مع الجانب الإيراني، مع إبلاغها بالانخراط العسكري، واقتصاره على الدفاع فقط، فيما يمثّل الإعلان المصري المسبق أداةً ردعيةً في المفاوضات الجارية، لإجبار الحوثيين على تقديم التنازلات، في ظلّ مرونة سعودية مقابل تعنّت حوثي.
"لذا لن نرى أعداداً كبيرةً في سياق تدخّل برّي. والانخراط لن يتجاوز الساحة الدفاعية. فالقاهرة لا ترغب في التدخل ضد الحوثيين، كما أنّ الشعب المصري يرفض أي تدخل عسكري من قبل حكومة بلاده في اليمن"، بحسب أبو دوح.
وتتمثّل مكاسب القاهرة جرّاء هذا الانخراط بتعزيز العلاقات الثنائية والاقتصادية مع السعودية، ولا سيّما مع دخول مصر على أوقات صعبة اقتصادياً لغاية العام القادم. والأهم من ذلك، هو كسب جولة جديدة في التنافس المصري-السعودي على زعامة العالم العربي، وهو ما دعا السيسي للحديث بوضوح عن التعهد بالدفاع عن السعودية وحمايتها.
في المقابل، لم تصدر الرياض لغاية الآن أيّ بيان ترحيبي، وهو امتناع متعمّد، وفق تقدير أبو دوح، ونابع من رفض ضمني لمكسب القاهرة في هذه الساحة.
ويرى أبو دوح أنّ الانخراط المصري يعزّز موقع القاهرة الإستراتيجي المتقدم في البحر الأحمر والقرن الإفريقي تجاه إثيوبيا أو في الساحة السودانية، مع ممارستها الضغط لعدم إغلاق مضيق باب المندب. فالقوة البحرية المصرية لا تمتلكها أي دولة في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل.
في هذا السياق، أشار الخبير في شؤون الطاقة والخليج ورئيس "مركز شاهين" العُماني، الدكتور داود الأنصاري، في لـDW، إلى أنّ "التدخل العسكري قد يضعف الحوثيين مؤقّتاً ويغيّر موازين القوى وشروط التفاوض، لكن دون حلّ عسكري للأزمة".
وعليه، رأى الأنصاري، أنّ التدخل ضروري لتحقيق تقدم في المفاوضات السياسية"، كما أنّ "لمصر مصلحةً إستراتيجيةً واقتصاديةً مباشرةً في أمن البحر الأحمر، خصوصاً أنّ قناة السويس مصدر رئيسي لإيراداتها".
مع ذلك، سيقتصر انخراطها على الدعم الاستخباراتي والتنسيق العملياتي واللوجستي، بجانب نشر أنظمة دفاع جوي أو تعزيز الوجود البحري في البحر الأحمر من خلال دوريات مشتركة لحماية الملاحة وقناة السويس، بعيداً عن باب المندب، لتجنب المسيرات أو الصواريخ الحوثية الرخيصة، حسب الخبير في شؤون الأمن القومي المصري، محمد عبد الواحد.
فعلى الرغم من امتلاكها "الخبرة المؤسسية والقدرة التشغيلية العملياتية في المجالات العسكرية كافة"، إلا أنها ستواجه في النهاية "حرباً غير متماثلة، إلى جانب تهوّر الحوثيين". وتالياً، التدخل البري، الذي يتطلب دعوةً من الحكومة اليمنية، مستبعد.
يمثّل استقرار البحر الأحمر مصلحةً مصريةً مباشرةً قبل أن يكون دعماً للرياض، حسب ما يقول اللواء السعودي السابق، عبد الله غانم القحطاني، لبي بي سي، نظراً إلى الارتباط الوثيق بين أمن باب المندب وحركة التجارة عبر قناة السويس التي تمثّل ممراً تجارياً حيوياً، ومورداً رئيسياً للنقد الأجنبي بالنسبة لمصر.
"وهذا يستوجب وجود تعاون بين المملكة ومصر، بغضّ النظر عن أيّ تسمية لأيّ دعم"، يضيف القحطاني في حديثه إلى رصيف22.
ويستطرد بأنّ الصراع القائم ليس صراعاً، وإنما مواجهة الحوثي، وهو ما يستوجب جهود كل الدول العربية. فالحوثي لا يهدّد السعودية فحسب، بل يهدد مصر، والقرن الإفريقي، والسودان، والجزيرة العربية، بل يهدّد قناة السويس، خليج العقبة، وكل موانئ البحرين الأحمر والأبيض المتوسط والخليج العربي.
وعليه، هو عدو مشترك للأمن والاستقرار الإقليمي عموماً، وفق القحطاني، حيث يمثّل سياسةً إيرانيةً عدوانية. ويؤكد أنّ مصر موجودة في كل ما يتطلب الدفاع عن الأمن القومي العربي، وحاضرة في كل الأوقات، كما السعودية.
دعم مصر للسعودية أو لدول الخليج الأخرى، ودعم الرياض أو العواصم الخليجية والعربية لمصر يصبّ في هذا الاتجاه، حسب القحطاني، إذ ليس مطلوباً أصلاً تواجد قوات مصرية في اليمن أو في أي مكان آخر، المطلوب هو تضامن الدول العربية بأدوارها لحفظ أمن المنطقة، وأمن البحر الأحمر، الذي لا يمكن أن تقوم به دولة واحدة. وعلى الدول العربية القادرة والمتشاطئة فيه القيام بواجبها، ويرى القحطاني أنّ السعودية ومصر هما من أكثر الدول التي يُعوّل عليها نظراً إلى استقرارهما ودورهما الكبير وإشرافهما على هذا البحر.
على ذلك، يرسل الاستعداد المصري للدفاع عن السعودية رسالتَين، إحداهما طمأنة للرياض، والثانية ردع للحوثيين، حسب معهد الأمن العالمي والشؤون الدفاعية (IGSDA).
ويبرز المعهد أهمية أمن السعودية في الحسابات المصرية، مستبعداً عمليات هجوميةً داخل اليمن. فالمشاركة قد تفرض تكاليف نشر وتشغيل وحماية القوات، استهلاك الذخائر وقطع الغيار، واحتمالية وقوع إصابات، بجانب تأثير الانتشار الخارجي على الجاهزية الدفاعية داخل مصر، فيما سيفرض الإحجام تكاليف سياسيةً للعلاقات المصرية-السعودية، ومصداقية الالتزامات المتبادلة، مع استمرار المخاطر على المصالح المصرية.
"لقد تعهدت مصر مراراً بدعم أمن دول الخليج. إذا فشلت مصر في الوفاء بهذه الوعود، فإنها ستفقد معناها وتصبح مجرد تهديدات فارغة"، قال العميد المتقاعد سمير راغب، لشبكة سي بي أس نيوز. فمصر ستفقد، وفق قوله، جزءا كبيراً من نفوذها في المنطقة إذا لم تتدخل.
وأضاف راغب: "إذا أردت أن تكون لاعباً إقليمياً، يجب أن تلعب دوراً. وإلا ستفقد مقعدك على الطاولة".
ختاماً، يشير موقع أمواج ميديا، إلى جهود دبلوماسية مصرية حثيثة لاحتواء الصراع. فخلال مباحثاته مع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، دعا عبد العاطي إلى وقف الهجمات على السعودية.
قبلها، دعا شيخ الأزهر أحمد الطيب، إلى تشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية لتسوية النزاعات الإقليمية.
ونقل أمواج ميديا عن الدبلوماسي السابق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أيمن زين الدين، أنّ النقاش العلني بشأن دور مصر ليس سوى جزء من عملية أوسع، إذ إنّ "مسألة دعم مصر للسعودية تشبه جبل الجليد، الذي تبقى أربعة أخماسه تحت الماء. وما نراه علناً ليس سوى قمة جبل الجليد".
Loading ads...
وأكّد زين الدين أنّ القاهرة تفضّل حلاً سلمياً تفاوضياً عبر قنوات تواصل تربطها بطهران والحوثيين، لأنّ الاعتماد على الوسائل العسكرية وحدها لن يؤدّي إلا إلى تفاقم الوضع، "لذا، لا بدّ أن تكون مصر بصدد مضاعفة جهودها للتوصّل إلى حلّ".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





