تاريخياً، لم تكن المقاومة الشعبية مجرد ردّ فعل مباشر على غياب الدولة أو تراجع قدرتها، بل شكلت دائماً لحظة انكشافٍ للحدود التقليدية بين المجتمع والبنية السياسية الحاكمة، أي بين السلطة والناس. يمكن القول إنها حالة هجينة، يتقاطع فيها العفوي بالمنظّم، والأخلاقي بالبراغماتي، والفعل المدني بالفعل المسلح. يمكن النظر إليها أيضاَ كأرشيف متجدد لخيارات الشعوب حين تُدفع نحو الزاوية، وحين تصبح الحياة اليومية نفسها مساحة اشتباك. هذا المنطق برز في جغرافيات مختلفة من منطقتنا حيث استُولِدت المقاومة من هشاشة الدولة وضغط الاحتلال.
وفي أماكن متنوعة من العالم تبرز نماذج أخرى. ففي البلقان، تولدت المقاومة الشعبية من فراغ سياسي متعدد الجنسيات. وفي أميركا اللاتينية، انبثقت من التفاوت الاجتماعي ومن مواجهات مستمرة ضد أنظمة قمعية أو تدخلات خارجية. أما في جنوب إفريقيا فقد تشكلت من شبكة طويلة من العصيان المدني والمقاومة الأخلاقية ضد بنية استعمارية عنصرية.
هذا الاشتباك بين بنية الدولة الغائبة أو المقيّدة، وبين المبادرة المجتمعية التي تنمو من الأسفل وتتضخم باضطراد أفقياً وعمودياً تبعاً لظروف مختلفة، يفسر في ظل الاعتداءات الإسرائيلية والتوغلات المستمرة وراء خطوط فض الاشتباك في سوريا، الحديث والإشارة عن مقاومة شعبية قد تنشأ في الجنوب السوري، هذه الإشارات ليست رسمية وإنما تصدر من أشخاص يخرجون على شاشات التلفاز من دون صفات رسمية- للترويج والترديد بأن المقاومة الشعبية هي أكثر التجارب التاريخية قدرة – في الواقع السوري الحالي- على إعادة تعريف معنى القوة. لأنها ليست جيشاً، وليست حركة سياسية بالمعنى النظامي، لكنها تحمل روح الاقتراح الدفاعي المُحمَّل بكثير من المولِّدات النابعة من هشاشة المجتمع نفسه، والقادر على تحويلها بشكل أو بآخر إلى مصدر قوة.
إن مقومات نشوء مقاومة شعبية في الجنوب السوري تبدو حاضرة لكنها غير مكتملة.
سهم الباشان
في سوريا اليوم، خصوصاً في جنوبي العاصمة دمشق وامتداد هذه الجغرافيا نحو الجولان، تتخذ هذه الإمكانية طابعاً أكثر تعقيداً من أي نموذج آخر. ليست البلاد فقط خارجة من عباءة نظام شمولي دكتاتوري عمره أكثر من نصف قرن، بل إنها تواجه فراغاً أمنياً في واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الإقليم. ومنذ إعلان إسرائيل –رسمياً – عن عملية "سهم باشان"، لم يعُد الجنوب السوري منطقة حدودية قابلة للضبط، بل مختبراً مفتوحاً لفرض معادلة جديدة بعد إسقاط اتفاق وقف إطلاق النار أو فض الاشتباك الموقع عام 1974. هذه المعادلة تمثلت بالذهاب نحو خيار الدخول البري وإن بدا في كثير من الأحوال موضعياً لكنه يحمل دلالات الاستدامة وفق المنطق الصهيوني. فضلاً عن إصرار تل أبيب على وضع مشروع إسرائيل الكبرى على الطاولة ومركزه الرئيسي تحويل الجولان السوري المحتل ومحيطه العام إلى منطقة تدار أمنياً بقرار أحادي إسرائيلي، مع تكثيف الغارات على عمق البنية العسكرية السورية ومنع وجود أي قوات سواء كانت سورية أو حليفة لدمشق في مناطق عديدة من البلاد.
إدارة الفراغ
من منظور المقاربات المقارنة، ما تفعله إسرائيل في هذا الاتجاه يشبه إلى حد بعيد جهود القوى الاستعمارية القديمة في إدارة الفراغ بدلاً من ملئه. بخاصة في حالة عدم وجود قوى منظمة تستطيع ضبط المشهد، بمعنى آخر خلق واقع أمني لا تستطيع الدولة الناشئة الجديدة في سوريا أن ترد عليه، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهله. ورغم أن هذا النموذج كان فعالاً في مراحل معينة من التاريخ، إلا أنه أثبت هشاشته حين واجه مقاومة محلية قادرة على توظيف الجغرافيا والذاكرة والتماسك الاجتماعي. هنا بالتحديد يبرز مثال بيت جن في ريف دمشق. فالاشتباك الذي وقع لم يكن جزءاً من قرار سياسي سوري، ولا من استراتيجية دفاعية رسمية، بل مما يمكن تسميته الذاكرة الدفاعية القديمة التي تحركت حين اقترب التهديد من البيوت. أسلحة فردية، مجموعات صغيرة، وتصرف غريزي أمام قوة معتدية متوغلة.
إمكانية المقاومة الشعبية
هذا المشهد دفع بإعادة دوائر الحديث عن فكرة المقاومة الشعبية، لكن إن مقومات نشوء مقاومة شعبية في الجنوب السوري تبدو حاضرة لكنها غير مكتملة. فالمنطق العسكري يقول إن البيئة الجغرافية القاسية لجبل الشيخ والقنيطرة قادرة على خلق كلفة ميدانية لإسرائيل. والبنية الاجتماعية، بقوتها العشائرية، قادرة على تعبئة سريعة لا تحتاج إلى مؤسسات كبيرة. فضلاً عن حضور الرمزية الوطنية لسوريا الخارجة من حرب طويلة في ذهنية المجتمع المحلي على امتداده. يمكن أن تتحول إلى عامل تعبئة نفسي وروحي، كما حدث في الانتفاضات الفلسطينية مع الأخذ بعين الاعتبار الفروقات بين المثالين. لكن في المقابل، هناك معادلات واقعية لا يمكن تجاوزها. فالدولة السورية الجديدة تبني شرعيتها على الاستقرار، لا على المواجهة. هذا وفقاً للتصريحات الرسمية الصادرة منذ الثامن من ديسمبر لعام 2024. فضلاً عن أن المنطقة بكاملها من الخليج إلى تركيا إلى أوروبا وأميركا لا تريد حرباً أو على الأقل لا تدفع باتجاه ذلك. أما إسرائيل، فهي تتحرك اليوم بوعي تام لما يعنيه ظهور مقاومة جنوبية مسلحة، نسخة سورية من تجربة جنوبي لبنان، بآلامها واستنزافها وارتداداتها السياسية.
ورغم كل هذا الواقع، تُظهر التجارب العالمية أن المقاومة الشعبية لا تُولد بمرسوم ولا تنتظر إذناً من أحد، بل تنبثق حين تتقاطع ثلاث لحظات حاسمة. أولها عندما يصبح الاحتلال أو التهديد الوجودي قابلاً للّمس لا التحليل، وثانيها عندما تتشكل في القرى المستهدفة رغبة غريزية شاملة في حماية معناها قبل حجارتها كي لا تتحول إلى فراغ تديره قوة قسرية محتلة، وثالثها حين يتراكم الاحتجاج ليغدو تنظيماً، ثم يتحول التنظيم إلى قدرة عملية على الرد. في تلك اللحظة يتشكل ذلك الفعل الذي تحدّثت عنه فلسفات عديدة بوصفه الدفاع الأخير للإنسان حين تُغلق أمامه أبواب التاريخ والحاضر، دفاع لا يطلب اعترافاً بقدر ما يستمد شرعيته من رفضه أن يُمحى. وفي جوهر هذه النقاط جميعاً يكمن قانون واحد يقوم على مقولة واضحة: حين يتعرض الإنسان لتهديد يُلغيه، يصبح الفعل المقاوم ليس خياراً سياسياً فقط، بل ضرورة تفرضها الحياة نفسها.
في الجنوب السوري اليوم، تبدو الشروط التي تُنبت عادةً المقاومة الشعبية وكأنها تتجمع ببطء تحت السطح، متقاربةً إلى الحدّ الذي يجعل الاحتمال ممكناً حتى لو لم يكن مرغوباً من القوى السياسية المحلية والإقليمية والدولية. فاللحظة السورية تحمل رهانات الاستقرار ولا تشجع على المواجهة، لكن الوقائع الميدانية تُظهر أنّ السياسة لا تستطيع دائماً تعطيل قوانين الجغرافيا أو كبح استجابات المجتمع حين يستشعر الخطر.
في هذه المنطقة الرمادية، حيث لا يمكن للسلطة أن تفرض منطقها كاملاً ولا لقوة الاحتلال أن تضمن سيطرتها بلا مقاومة، تنشأ تلك اللحظة التي تُعرف بأنها مسافة الولادة.
المعادلات الهشة
الجنوب اليوم يواجه احتلالاً مباشراً وتوغلات برية وتغييرات قسرية في البنية الأمنية، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى فرض معادلة تُفرغ القرى من قدرتها على الصمود، وتمنح جيشها حرية الحركة من دون كلفة. غير أن التجارب العالمية تشير إلى أن مثل هذه المعادلات تظل هشة حين تتجاهل أن المجتمع نفسه قادر، عند لحظة معينة، على إنتاج صيغة دفاعية لا تخضع لمنطق الدول. بخاصة عندما تفشل الحرب الخاطفة في فرض واقع دائم. وسلوك إسرائيل في الجنوب السوري يبدو أقرب إلى محاولة خاطفة لم تنجح حتى اللحظة في تثبيت استسلام محلي. لذلك يُلاحظ اتجاه المجتمع نحو البحث عن أدوات استدامة الرفض، ولو كانت أولية ومحدودة الموارد.
هنا تُطرح إمكانية نشوء مقاومة شعبية سورية في الميزان. من جهة، هناك عوامل تساعد على ظهورها: الجغرافيا الوعرة، التماسك الأهلي، الشعور بالتهديد الوجودي، وذاكرة طويلة من التعامل مع الاحتلال في محيط الجولان. ومن جهة أخرى، هناك معوّقات ثقيلة: رغبة الدولة في تجنب الحرب، رغبة المجتمع الدولي في استقرار هش، وحرص إسرائيل على منع تكرار نماذج أخرى عبر سعيها لنزع السلاح المحلي منذ الأيام الأولى للتوغلات أو فرضه شرطاً أساسياً في المفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي استضافتها عواصم مختلفة. هذا التوازن الدقيق يجعل نشوء المقاومة ليس قدراً محسوماً ولا وهماً مستحيلاً، بل احتمالاً يعتمد على شكل السلوك الإسرائيلي في الأسابيع والأشهر المقبلة، وعلى قدرة السلطات السورية على ضبط المجال من دون خنق ردود الفعل الطبيعية للسكان.
في هذه المنطقة الرمادية، حيث لا يمكن للسلطة أن تفرض منطقها كاملاً ولا لقوة الاحتلال أن تضمن سيطرتها بلا مقاومة، تنشأ تلك اللحظة التي تُعرف بأنها مسافة الولادة: حين تقف الشعوب أمام خيار لم تختره، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى إنتاج ردّ يمنع تحويل القرى إلى ممرات للآليات ومختبرات للعقاب الجماعي. ومع كل غارة جديدة، وكل محاولة اقتحام، وكل تهديد بنزع السلاح، يزداد احتمال أن تتجاوز ردود الفعل المحلية حدود الاحتجاج إلى ما هو أعمق.
بقراءة استراتيجية لشهادة الجندي، نجد أنها تكشف تحوّلاً عسكرياً بالغ الدلالة: فلم تعد المواجهة التي وقعت في بيت جن حدثاً تكتيكياً، بل لحظة تظهر فيها بشكل جلي حدود القوة النظامية عندما تدخل بيئة تعرف نفسها جيداً.
شهادة جندي إسرائيلي
في ظل غياب الرواية السورية عمّا حدث، تحضر أمامنا شهادة جندي إسرائيلي شارك في هجوم بيت جن، يقول لصحيفة يسرائيل هيوم إن المهمة بدت في بدايتها بسيطة ومضبوطة الإيقاع: " ألقينا القبض على المطلوب من الجماعة الإسلامية خلال ثماني دقائق، وكل شيء كان يسير على ما يرام حتى لحظة الاشتباك". يتابع أن الطلقات الأولى جاءت متقطعة، "لكن فجأة جاءتنا نيران من خمسة محاور دفعة واحدة"، موضحاً أنها كانت نيران رشاشات وأسلحة خفيفة تُطلق من أسطح المنازل ونوافذ البيوت ومن مسافات قريبة جداً. ويضيف: "خلال لحظات وجدنا لدينا جريحين، ثم اكتشفنا أن قوة أخرى تتعرض للنيران ولديها إصابات ولا تستطيع الإخلاء".
الجندي يشرح أن وحدة الاستطلاع الإسرائيلية "شغّلت كل ما يمكن من وسائل الغطاء" الإشارة هنا إلى مروحيات قتالية، طائرات، مدفعية، قذائف إنارة، وقناصة، لكن ذلك لم يُلغِ حالة عدم اليقين التي خيّمت على القوة. ثم يتابع: "كانت هناك لحظات لم نعرف فيها كيف سنخرج من المكان، لكننا عدنا بسرعة إلى التركيز ورددنا بإطلاق النار"، مشيراً إلى أن عملية الإخلاء أدت إلى إصابة قائد سرية ونائبه وضابط آخر في الكتيبة. اللحظة المفصلية وفقاً لشهادة الجندي كانت عندما رفعوا الجرحى إلى المروحيات: "نظرتُ إلى المؤقت في معصمي، فوجدته يشير إلى ساعة وأربع وثلاثين دقيقة منذ بدأ الاشتباك". يصف القتال بأنه استمر نحو ساعة، لكنه "كان يمكن بسهولة أن يتحول إلى معركة تدوم يومًا كاملًا"، نظرًا لوجود "عشرات المسلحين" يطوقون المنطقة. ويختم شهادته بالإشارة إلى أن ما واجهوه في بيت جن لم يكن كميناً عابراً، بل "قوة منظّمة تعرف أرضها جيداً وتقاتل داخل بيئتها". وهنا تتكشف، من دون أن يقصد، معالم ما يشبه مقاومة شعبية متجذرة في المكان، قادرة على فرض معادلة مختلفة تماماً في أي مواجهة مقبلة. وفيما لو حدث تنظيمها سيكون لها ارتدادات كبيرة ربما على السلوك الإسرائيلي باتجاهات مختلفة.
Loading ads...
بقراءة استراتيجية لشهادة الجندي، نجد أنها تكشف تحوّلاً عسكرياً بالغ الدلالة: فلم تعد المواجهة التي وقعت في بيت جن حدثاً تكتيكياً، بل لحظة تظهر فيها بشكل جلي حدود القوة النظامية عندما تدخل بيئة تعرف نفسها جيداً. فخطة الاقتحام الخاطفة انهارت خلال دقائق أمام نيران متقاربة ومتزامنة، يشير ذلك إلى معرفة دقيقة بالأرض وقدرة الطرف الآخر على استغلالها. الإرباك، تعدد محاور الاشتباك، وصعوبة الإخلاء. كلها عناصر تدل على أن الاشتباك الذي وقع لم يكن عفوياً بل نتاج بنية محلية قادرة على التحشّد السريع. ووفق هذا المنطق تتحول العملية من "اعتقال محسوب" إلى اختبار لإمكانية نشوء مقاومة شعبية قادرة على تعطيل أفضل الجيوش تجهيزاً لكن كلفتها قد تكون عالية إذا ما تمت إدارتها بشكل حصيف.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



