لم يتغير واقع سوريا فقط بعد سقوط النظام المخلوع في كانون الأول 2024، بل شمل ذلك الجار القريب لبنان، الذي عاش فصولاً طويلة من الأزمات والحروب، ويشبه في تعقيداته حقل ألغام لا يمكن النجاة منه بسهولة.
وعلى مدار عقود لم يتعامل النظام المخلوع مع لبنان كدولة مستقلة بل كان يعدها حديقة خلفية له ومساحة للصراع العربي والإقليمي والدولي أيضاً، في الوقت الذي تحول ذلك النفوذ إلى ورطة بسبب طريقة إدارة بشار الأسد للملف منذ وراثته للحكم منتصف عام 2000، ثم إخراج جيشه من الأراضي اللبنانية عام 2005 إلى اضطراره لبناء علاقات دبلوماسية كاملة مع لبنان لأول مرة مع مطلع عام 2009.
وفي 20 من كانون الثاني 2026، عينت الخارجية السورية، إياد الهزاع، قائماً بالأعمال في السفارة السورية ببيروت، بعد أن كان المنصب شاغراً منذ أواخر عام 2022.
وقالت مصادر دبلوماسية لبنانية لموقع تلفزيون سوريا، إن "الهزاع عيّن في هذا المنصب الحساس ولديه صلاحيات واسعة، ليست بالضرورة كسفير، ولكن على الأقل كمعبر أساسي بين بيروت ودمشق، حيث يجب أن تُنسق جميع اللقاءات والزيارات اللبنانية مع سوريا من خلاله، فهو الممثل الوحيد لدمشق في لبنان".
وأضافت المصادر أن "الهزاع الذي جاء من خلفية غير دبلوماسية إلى هذا المنصب، شغل قبل ذلك رئاسة الشؤون السياسية في الساحل السوري، وتمكن خلال عام من النجاح في المهام التي أوكلت إليه بما يخص متابعة ملف فلول النظام المخلوع وشبكاتهم، وهو ما دفع الرئيس السوري أحمد الشرع لتعيينه في لبنان".
ولد إياد الهزاع في محافظة إدلب عام 1990، وحصل على شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة إدلب. عمل في جهاز الرقابة المركزية في حكومة الإنقاذ عام 2018، ثم تولى مسؤولية مكتب الشؤون السياسية في المنطقة الشمالية بحكومة الإنقاذ السورية عام 2024، كما كان عضواً في فريق إدارة الشؤون السياسية في حكومة الإنقاذ حتى سقوط النظام. وفي عام 2025، شغل منصب مدير الشؤون السياسية في الساحل السوري بمحافظتي اللاذقية وطرطوس، قبل أن يكلف قائماً بأعمال السفارة السورية في بيروت عام 2026.
في هذا التقرير، سنتناول أبرز الملفات التي ستواجه القائم بالأعمال السوري الجديد في لبنان، بعد طي صفحة الماضي، وبدء العمل على كتابة صفحات جديدة من العلاقات بين البلدين، في الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والتجارية وما يخص فلول النظام المخلوع والأموال المودعة في البنوك اللبنانية، وسط تحديات جدية تشمل كل ما سبق.
وفي عودة تاريخية سريعة، وُلدت الدولة اللبنانية من الرحم السوري الكبير في لحظة التقسيم الاستعماري لسوريا الكبرى، ليقع منذ نشأته تحت تجاذبات الانتداب والنفوذ الغربي والعربي، مستنداً إلى هشاشة مساحته الصغيرة وتنوّعه الطائفي وضعف موارده.
ومع تمكّن حافظ الأسد من تثبيت حكمه في سوريا عام 1970، وجد في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 فرصة لمدّ نفوذه داخل الجار الصغير. بدأ بدعم أطراف متصارعة، ثم دخل عسكرياً بغطاء عربي وقبول غربي، رافعاً شعار حفظ الأمن، قبل أن يتحوّل الوجود السوري تدريجياً إلى سلطة فعلية تمسك بقرار لبنان السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي.
أدار حافظ الأسد تفاصيل الحياة اللبنانية، من تعيين الرؤساء والوزراء إلى قرار الحرب والسلم. وانتشرت أجهزة مخابراته في البلاد، وصار القرار اللبناني يُدار من بلدة عنجر قرب الحدود اللبنانية السورية، فيما ملأت حواجز الجيش السوري المناطق، ورافق ذلك إذلال للسكان وتفشّي السلاح والمخدرات والتهريب.
وبعد انتهاء الحرب الأهلية، جاءت معاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق" عام 1991 لتمنح هذا النفوذ غطاءً قانونيًا، لا لتقيم علاقة ندّية بين دولتين. وهكذا تحوّل لبنان إلى حديقة خلفية لحافظ الأسد، لا يُتخذ فيه قرار استراتيجي إلا بموافقة دمشق، بينما استفاد النظام من أسواقه ومرافئه وعملته، واستخدم أرضه ورقة في صراعاته الإقليمية ومفاوضاته مع الغرب.
ثم ورث بشار الأسد ملف لبنان عن أبيه، لكنه لم يستطع تكرار تجربته. فقد تمدّد النفوذ الإيراني عبر حزب الله، وتحوّل اغتيال رفيق الحريري في 14 من شباط/فبراير 2005 إلى لحظة فاصلة أنهت الوجود العسكري السوري المباشر تحت ضغط لبناني ودولي وعربي. ومع انسحاب الجيش السوري، بقي النفوذ عبر الأدوات الحزبية والسياسية والاقتصادية الموالية لدمشق، إلى أن اضطُر النظام عام 2009 إلى تعيين سفير في بيروت بعد عقود من التعامل مع لبنان كمساحة تابعة لا كدولة مستقلة.
ومنذ إعلان تأسيسها، لم تكن السفارة السورية في بيروت مقراً دبلوماسياً عادياً (محايداً مثل أي دولة) تجاه المواطنين السوريين، بل بقيت امتداداً لنفوذ النظام وأجهزته خارج الحدود وشكلت جهاز مخابرات مصغر يدار من بيروت. فبعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، حافظ النظام على حضوره عبر السفارة وحلفائه، ومع تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان تحوّلت المعاملات القنصلية إلى مصدر خوف وابتزاز.
وكان السوريون مضطرين لمراجعة السفارة من أجل جوازات السفر، والوكالات، وتسجيل الوقائع، وتصديق الوثائق، لكن هذه الحاجة الإدارية تحوّلت إلى أداة ضغط. فالمطلوبون للخدمة العسكرية أو المعارضون كانوا يخشون المراجعة، خوفاً من الملاحقة أو الضغط على أهلهم داخل سوريا، أو اعتقالهم وتسليمهم إلى أجهزة المخابرات في سوريا.
ولم تكن السفارة في لبنان، سوى واحدة من السفارات السورية التي كانت بمثابة "فروع مخابرات" و"فخ للوثائق"، حيث تُستخدم الأوراق الرسمية لجباية المال وربط السوريين في الخارج بسلطة النظام. وفي لبنان تحديداً، كان هذا الخوف أشدّ بسبب القرب الجغرافي من سوريا، ووجود حلفاء للنظام، وضعف حماية اللاجئين.
وخلال 14 عاماً، كانت السفارة في بيروت بوابة للضغط السياسي والأمني والمالي، لا إلى مساحة لحماية السوريين أو تسهيل شؤونهم. وهو ما تغير كلياً من لحظة سقوط النظام.
ويومها أعلنت السفارة السورية في بيروت، في أول تعليق لها بعد سقوط نظام بشار الأسد، في بيان رسمي أن انتصار الثورة فتح "فجراً جديداً" لسوريا وأنهى عهد الظلم والفساد والاستبداد، داعية السوريين في الداخل والخارج إلى التوحد حول المرحلة الجديدة.
يتسلم الهزاع سفارة حديثة نسبياً قياساً بغيرها من البعثات الدبلوماسية، إذ لم تعرف منذ افتتاحها سوى سفير واحد هو علي عبد الكريم علي، أول سفير للنظام المخلوع في لبنان بعد إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين دمشق وبيروت عام 2009، في خطوة جاءت بعد عقود طويلة من إدارة العلاقة عبر قنوات أمنية وسياسية مباشرة لا عبر سفارتين بالمعنى التقليدي.
حمل عبد الكريم علي إلى بيروت سنوات عمل طويلة داخل مؤسسات النظام، إذ شغل قبل تعيينه في لبنان مناصب إعلامية ودبلوماسية عدة، بينها إدارة وكالة الأنباء السورية "سانا" والتلفزيون السوري الرسمي، وعمل سفيراً في الكويت، فضلاً عن موقع دبلوماسي سابق في أبو ظبي.
امتدت إقامة عبد الكريم علي في بيروت أكثر من 13 عاماً، وهي مدة استثنائية في بلد بالغ الحساسية بالنسبة إلى دمشق. فقد عاصر رئاستي ميشال سليمان وميشال عون، ومر بسنوات الثورة السورية، وتدخل "حزب الله" عسكرياً إلى جانب نظام الأسد، وتصاعد الانقسام اللبناني حول العلاقة مع دمشق، قبل أن يغادر منصبه أواخر عام 2022. وخلال تلك المرحلة، نظر إليه خصوم النظام السوري في لبنان بوصفه امتداداً لما يصفونه بـ"عهد الوصاية السورية"، لا سيما بسبب خطابه السياسي المنحاز علناً إلى محور دمشق وطهران، وعلاقته الوثيقة بحزب الله، الذي ودعه أمينه العام السابق حسن نصر الله بلقاء خاص أشاد فيه بدوره في "ترتيب العلاقات بين البلدين".
وكان من اللافت استمرار سفير النظام في منصبه كل تلك السنوات، عبر مراسيم تمديد، بينها مرسوم مدد خدمته بعد بلوغه سن 67 عاماً في كانون الثاني/يناير 2020 وحتى مطلع عام 2021، ولم يعين النظام بعده أي سفير آخر وبقي المنصب شاغراً حتى هروب بشار الأسد.
وفي مهامه الكثيرة والمتعددة، يتوجب على القائم بأعمال السفارة "الهزاع" أن يكون مرآة القيادة السورية في لبنان، ينقل لها تفاصيل ما يجري في البلاد، ويمثلها أفضل تمثيل بالبلد الصغير الذي ما زال يخوض صراعات وحروب وتجاذبات سياسية تتجاوز حدوده وطوائفه ومذاهبه ومساحته وتعداد سكانه.
عاشت العلاقات السورية اللبنانية، عقوداً من الأخذ والجذب، كان النظام المخلوع فيها هو الطرف الأقوى إلى أن فرض حزب الله وجوده بدعم إيراني بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وأخذ ذلك النفوذ بالتعاظم إلى أن سيطر على القرار اللبناني بشكل شبه كامل، وتدخل عسكرياً في سوريا لصالح النظام.
كانت الثورة السورية محل انقسام كبير بين القوى والتيارات اللبنانية على مختلف طوائفها وأشكالها، ورغم أخذ الحكومات اللبنانية المتعاقبة مبدأ النأي بالنفس، إلا أن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع.
يعمل إياد الهزاع حالياً على تأكيد دور سوريا الجديدة في نسج علاقات أفضل مع الدولة اللبنانية من خلال القنوات الرسمية، "الرئاسة، الحكومة، البرلمان، القضاء، والوزارات، إلى جانب البعثات الدبلوماسية الأخرى في بيروت، وهو بذلك يمنع تكرار النمط القديم القائم على إدارة لبنان من خلال الأحزاب أو الأجهزة أو الحلفاء.
وفي ظل ذلك، بدت العلاقات أكثر وضوحاً، فلم يلتق القائم بالأعمال السوري أي قوى لبنانية، قبل لقاءاته الموسعة من رموز الدولة من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية وقائد الجيش وقائد قوى الأمن الداخلي وغيرهم، ثم بدأ بإجراء لقاءات من القوى السياسية التي شملت كل من الزعيم الدرزي البارز وليد جنبلاط، ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.
ولا تخلو بعض اللقاءات من بعض التجاذبات السياسية والانتقادات سواء في الداخل اللبناني أو من قبل السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث التقى الهزاع مع نهاد المشنوق، وزير الداخلية اللبناني السابق، المدعوم من حزب الله، وشهدت لبنان أحداث دامية ضد اللاجئين السوريين في عهده.
على الجانب الآخر، يعمل الهزاع على أن يكون صلة الوصل الوحيدة بين بيروت ودمشق، باعتباره الممثل الرسمي لسوريا في لبنان، وكذلك، الدبلوماسي الذي يعمل على بناء علاقات قوية بما يخدم مصالح الجانبين.
وترى مصادر حكومية لبنانية، أن مهمة القائم بالأعمال ليست سهلة، حيث لم يجري أي لقاءات اجتماعية حتى الآن، وما زال في طور دراسة حركاته بشكل مدروس للغاية.
وأضافت أن "الهزاع لم يلتق حتى الآن مع أي شخصية ذات وزن في المكون الشيعي (في إشارة إلى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري)، وهذا أمر له ردات فعل مهمة بالداخل اللبناني، فممثل سوريا يعلم تماماً أنه يجب أن يكون لديه علاقات مع كل المكونات اللبنانية، فالنظام قائم على المحاصصة الطائفية ولذلك هو مجبر على بناء جسور تواصل مع الجميع".
وخلال الشهور القليلة التي مرت منذ استلام الهزاع لمنصب القائم بأعمال السفارة في بيروت، أخذ على عاتقه تنسيق العديد من الملفات الأخرى بما في ذلك زيارة الدولة الأخيرة التي أجراها وفد لبناني ضخم برئاسة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى جانب عدد من الوزراء والمسؤولين والصحفيين في أيار 2026، وما رافقها من حديث عن تعاون في الأمن والاقتصاد والطاقة والنقل، ما يعني الانتقال إلى آليات تنفيذية، تعطي لبنان دوره الطبيعي كدولة، وتحقق لسوريا مصالحها بالتعاون معه، وهي زيارة أولى من نوعها تاريخياً بهذا الحجم والإطار والاستقبال الرسمي.
ومن المرجح أن يعمل القائم بالأعمال السوري بالمراحل اللاحقة على تشكيل مجلس متابعة سوري - لبناني دائم، تنبثق عنه لجان فرعية: لجنة قضائية، لجنة أمن حدود، لجنة لاجئين، لجنة تجارة ومعابر، لجنة طاقة، لجنة تعليم، ولجنة استرداد أصول، تنفذ وتتابع ما يتم الاتفاق عليه.
تشكل العلاقة مع حزب الله، ملفاً أكثر تعقيداً بالنسبة لدمشق وممثلها في بيروت، فالحزب انخرط بشكل مباشر في الحرب ضد السوريين وتسبب بخسائر بشرية ومادية ومعنوية بين الشعب السوري، حيث وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تورط أكثر من 35 ألف مقاتل من المليشيات الطائفية غير السورية وعلى رأسهم حزب الله في مساندة النظام بتوجيه مباشر من إيران.
وتسبب تدخل حزب الله في قتل وجرح وتهجير واعتقال وتعذيب واحتلال أراضي لمئات الآلاف من السوريين، وخصوصاً في المناطق المتاخمة للحدود السورية اللبنانية التي شيّد فيها الحزب العشرات من مصانع المخدرات إلى جانب شبكات تهريب السلاح وتهريب البضاعة والوقود والبشر كذلك.
ومع بدء العدوان الإسرائيلي على غزة ثم انضمام حزب الله فيما أطلق عليها "حرب مساندة" وتكثيف الاحتلال الإسرائيلي في المقابل لاستهداف ضباط ومقاتلي إيران وحزب الله في سوريا، تراجع عدد مقاتلي الحزب في الأراضي السورية، إلى أن وصل إلى حده الأدنى مع سقوط النظام المخلوع ثم انتهائه إلا من بعض الخلايا النائمة التي قد تكون تحمل الجنسية السورية ولكنها على صلة بحزب الله إلى الآن، خصوصاً مع التوترات والاشتباكات التي حصلت على الحدود السورية اللبنانية مع الجيش السوري الجديد.
ثم جاء التسريب الذي نقلته منصة "بيروت ريفيو" عن مصادر قالت إنها موثوقة، أن الرئيس السوري أحمد الشرع، قال لوليد جنبلاط إنه "لو تعرضت إيران للهزيمة، لكان الجيش الإسرائيلي قد دخل دمشق، ولغادرتُ أنا إلى إدلب".
كما نُقل عن الشرع، أنه "طوى صفحة الصراع مع حـزب الله والشيعة في لبنان"، مؤكدًا أنه "ليس في وارد الثأر أو التدخل في الشأن اللبناني".
وفي لقاء مع التلفزيون العربي قال القيادي في حزب الله نواف الموسوي سُعدت حين قال إن الأخ أحمد الشرع: "لو انتصر الإسرائيليون على إيران، لدخلت إسرائيل إلى دمشق". مضيفاً أن "الشرع، على عكس بعض اللبنانيين، يدرك أن الانتصار الإسرائيلي يعني أن يصبح بنيامين نتنياهو حاكم المنطقة".
وفي ظل ذلك، يبقى التحدي أمام إياد الهزاع في طريقة التعامل مع الحزب في ضبط هذه العلاقة، خصوصاً أن سوريا في خطابها المعلن، تؤكد على ضرورة التعاون مع لبنان كدولة، دون تدخل في سياسته الداخلية، لكن في المقابل لا قبول بوجود قوة عابرة للحدود تتصرف خارج سلطة الدولتين.
وقد نجحت الدولة السورية في تنسيقها الأمني مع الجانب اللبناني في احتواء ملف الكبتاغون والتهريب وتقليله إلى درجاته الدنيا، مع تأمين الحدود بين الطرفين.
وتضم السجون اللبنانية المئات من السوريين بين محكومين وموقوفين ومحالين إلى المحاكم العسكرية أو العادية، وبعضهم ما زال ينتظر المحاكمة منذ سنوات. ويبلغ العدد أكثر من 2200 سوري في السجون اللبنانية، بينهم موقوفون على خلفيات مختلفة، من قضايا جنائية إلى اتهامات أمنية أو "إرهابية".
وخلال الأشهر الماضية، حدثت تطورات لافتة بما يخص ملف السجناء السوريين في لبنان، وقد وقّع الجانبين في شباط/فبراير 2026 اتفاقاً لنقل أكثر من 300 سجين سوري من لبنان إلى سوريا لاستكمال محكومياتهم، وبدأ التنفيذ لاحقاً بنقل أكثر من 130 موقوفاً.
ويطالب العديد من اللبنانيين من الحكومة السورية التوسط لدى نظيرتها اللبنانية للإفراج أو تسريع محاكمات شخصيات لبنانية اعتقلت على إثر وقوفها إلى جانب الثورة السورية بتهم كيدية، وهو ما لا يُعرف إن كان قد طرح للنقاش مع بيروت أصلاً.
وينخرط القائم بالأعمال الجديد بشكل مباشر في متابعة هذا الملف، وتشير معلومات موقع تلفزيون سوريا، إلى أن السفارة في لبنان تتابع بالتعاون مع وزاراتي الخارجية والعدل السورية ملف الموقوفين.
ملف اللاجئين هو من الملفات الحساسة لأنه يمس قرابة مليون سوري في لبنان، بين مسجلين وغير مسجلين. عاد قسم كبير منهم بعد سقوط النظام، واستمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، خصوصاً مع مقتل العشرات منهم في قصف طال أماكن سكنهم أو عملهم في جنوب لبنان أو بيروت.
ويجد الهزاع نفسه أمام ملف معقد، من جهة حماية حقوق اللاجئين السوريين في لبنان، والذين فقد معظمهم بيوتهم ومساكنهم وأرزاقهم في سوريا، خصوصاً بعد تدخل حزب الله في الحرب التي خاضها النظام ضد شعبه، ومن جهة ثانية، يتوجب عليه فتح مسار عودة آمنة وطوعية ومنظمة من يرغب في العودة، يتمكن خلالها من عدم خسارة حقه في السفر إلى لبنان لاحقاً، باعتبار أنه أمضى أكثر من عقد كامل من عمره فيها.
والعودة غير المنظمة قد تنتج أزمة جديدة داخل سوريا إذا لم تتوفر شروط السكن والخدمات والأمن والوثائق وفرص العمل. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أعداداً كبيرة من اللاجئين قد تعود في 2026 إذا تحسنت الظروف الأمنية والمعيشية، مع توقعات بعودة ما بين مليون و1.6 مليون لاجئ سوري خلال العام، شرط استمرار التحسن داخل البلاد الخارجة من تراكمات هائلة من إرث النظام المخلوع على مستوى الخدمات والوضع الاقتصادي وفرص العمل والمدن المدمرة.
وفي أكثر من مرة أكّدت الحكومة السورية الجديدة أن العديد من ضباط النظام المخلوع وفلوله تعاملت مع لبنان كملاذ آمن، وطالبت السلطات اللبنانية بالتحرك، وهو ما دفع طارق متري نائب رئيس الوزراء اللبناني، للطلب المباشر من قوى الأمن وأجهزة المخابرات للتحرك في هذا السياق.
وتخشى الحكومة السورية من اعتماد ضباط النظام المخلوع على لبنان ليكون قاعدة لتحركاتهم عبر الحدود أو لتكون مقراً لعملياتهم ضد سوريا سواء أمنياً أو سياسياً أيضاً، ما يؤثر على حالة الاستقرار الوليدة في سوريا حالياً.
وخلال عام مضى نسقت أجهزة الاستخبارات السورية مع نظيرتها اللبنانية في تحديد أسماء العديد من المطلوبين، كما أجرت زيارات ميدانية إلى لبنان، وأعدت ملفات موثقة بحق عدد من المتورطين في جرائم حرب أو لديهم ملفات فساد كبيرة في سوريا، مع متابعة العقارات والحسابات والشركات المسجلة باسمهم أو التي تعمل لصالحهم، إلى جانب رفع قوائم باسمهم إلى الإنتربول الدولي.
ويعد ملف الأموال السورية المودعة في البنوك اللبنانية على صلة ما بفلول النظام حيث، ينبغي الاعتراف بتعقيده الشديد، إذ كانت المصارف اللبنانية لسنوات طويلة ملاذاً لأموال مسؤولين ورجال أعمال وسماسرة وواجهات مالية، بعضهم من الدائرة الاقتصادية للنظام المخلوع، وبعضهم استخدم لبنان لتحويل الأموال أو غسلها أو حمايتها من العقوبات؛ وفي ظل ذلك أمام القائم بالأعمال السوري في لبنان مهمة شاقة في استعادة هذه الأموال والأصول، خصوصاً وأن لبنان لديه أزمة بنوك وحقوق مودعين وقيود على السحوبات منذ ما يتجاوز الـ 7 سنوات.
من بعيد تبدو العلاقات السورية اللبنانية خلال عام ونصف تقريباً من سقوط النظام المخلوع، قد حققت تقدماً ملموساً وتعاوناً وثيقاً، خصوصاً من الناحية الجيوسياسية واستحالة انفكاك هذه العلاقة للعديد من الأسباب والروابط الأمنية والتاريخية والديموغرافية أيضاً، لكن تحقيق ما تطمح له الحكومة السورية يعد تحدياً ويتطلب وقتاً وجهوداً مكثفة.
وتؤكد مصادر في الحكومة السورية لموقع تلفزيون سوريا، أن القائم بالأعمال سيكون له دور رئيس لتحسين ما تم التوصل إليه حتى الآن، فهو مهندس هذه العلاقة بعد عقود من الفشل الدبلوماسي السوري ليس على مستوى لبنان فقط، بل ضمن خطة عودة سوريا إلى الخارطة الدبلوماسية الدولية بعد سنوات من عزلة النظام المخلوع بسبب تعنته في الحل الأمني والعسكري.
Loading ads...
وتضيف المصادر أن تعيين القائم بالأعمال ليس مجرد ممثل بروتوكولي مثل أي دولة هامشية بالنسبة لسوريا، وإن لم يكن سفيراً بالمعنى السياسي، إنما يمهد لتأدية هذا الدور سواء هو شخصياً أو لأي شخص آخر، ولذلك عليه أن يكون في الوقت نفسه دبلوماسياً، ومدير ملفات، ومدافعاً عن السوريين، ومنسقاً أمنياً وقانونياً واقتصادياً، وهذا النجاح كفيل بنقل العلاقة بين سوريا ولبنان من إطارها الطبيعي إلى ما هو أفضل لكلا البلدين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
سوريا الجديدة لا نهضة بلا زراعة وصناعة وعقول
منذ ساعة واحدة
0

