في فبراير 2026، أقدمت المملكة العربية السعودية على خطوتين في غضون أربعة أيام. ففي الأول من فبراير، ألغت هيئة السوق المالية شرط "المستثمر الأجنبي المؤهل"، مُنهية بذلك اشتراطات الحد الأدنى للأصول التي كانت تحول دون دخول المستثمرين الأجانب إلى السوق.
وفي الخامس من الشهر ذاته، أعلنت السوق المالية السعودية عن إطار عمل لصنّاع السوق في صناديق المؤشرات المتداولة، يمنح شركات الوساطة المرخّصة والبنوك الاستثمارية إعفاءً كاملاً من الرسوم اليومية المستحقة لكلٍّ من السوق المالية السعودية و"إيداع" و"مقاصة" وهيئة السوق المالية، اذا استوفت شروطا محددة تتعلق بفوارق أسعار البيع والشراء، والحد الأدنى كميات الأوامر الواجب توافره، والحد الأدنى لوقت الحضور الفعلي في السوق.
كِلا الإجراءين يصب في هدف واحد، وهو تعميق سوق صناديق المؤشرات المتداولة وتوسيع قاعدة المشاركين فيه، إلا أن إلغاء شرط "المستثمر الأجنبي المؤهل" إصلاح هيكلي، أما الإعفاء من الرسوم، فهو دعم حكومي بمفهومه الدقيق، فهو يسد الفجوة بين ما يكسبه المشارك من السوق وما يحتاجه فعليا كي يظل فيه، لا لأن الأمر بات مجدياً، بل لأن العجز بات ممولا حكوميا.
تدعم المملكة صانعي السوق كي يستمروا في المشاركة بفاعلية، ولكن إلى متى؟ صانعو السوق يكسبون من كثرة التداول. والمشكلة أن سوق صناديق المؤشرات المتداولة في المملكة لا يزال دون مستوى الكثافة المرجوة، فحجم التداول فيه لا يكفي لجعل وجود صانع السوق مربحا من تلقاء نفسه، ومن ثم فإن الإعفاء من الرسوم يعوّض هذا النقص.
هنا يكمن الفارق الجوهري بين الدعم والحافز. الحافز يجعل النشاط مربحا من تلقاء نفسه، فحين يُرفع، يظل المشارك في السوق لأن السوق بات يكافئه، لا لأن أحدا يدفع له.
أما الدعم فلا يغيّر شيئا في بنية السوق، إنه يغطي تكلفة الحضور في السوق، وتبقى هذه التكلفة قائمة ما لم يبلغ السوق من العمق ما يجعل هذا الحضور مجدياً بذاته. وإن سُحب الإعفاء قبل ذلك، انسحب صانعو السوق أو قلّصوا حضورهم، واتسعت فجوة الأسعار بين البيع والشراء، وتراجع التداول، وعاد السوق إلى نقطة البداية.
للإعفاء من الرسوم نقطة تعادل
يحدد إطار عمل صانعي السوق في تداول الحد الأقصى المسموح به لهوامش الأسعار وفق ثلاث فئات: 0.65% للفئة أ، و1.00% للفئة ب، و2.00% للفئة ج. وتمثل هذه الهوامش الإيراد الإجمالي لصانع السوق عن كل صفقة — أي الفارق بين سعر الشراء وسعر البيع.
غير أن هذا الإيراد لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا بتراكم أحجام التداول. ففي سوق محدود العمق، لا تكفي العائدات المتولدة عن هذه الهوامش لتغطية تكاليف التشغيل الثابتة، من بنية تحتية تقنية، ورأس مال للمخاطر، والتزامات الامتثال التنظيمي، وكوادر بشرية متخصصة يستلزمها الحضور المستمر في السوق بطرفيه بيعا وشراء. والإعفاء من الرسوم يسد هذه الفجوة.
فما المستوى الذي ينبغي أن يبلغه حجم التداول كي تتجاوز عائدات الهوامش تكاليف التشغيل الثابتة؟ عند تلك النقطة، يكون الإعفاء من الرسوم قد أدى غرضه، ويستمر صانع السوق في عمله لأن السوق بات قادراً على استيعابه تجاريا.
الحجم المطلوب والواقع الراهن
تشير البيانات القياسية المستقاة من بورصة الهند وبورصة جوهانسبرغ إلى أن صانع السوق في مجال صناديق المؤشرات المتداولة في الاقتصادات الناشئة يحتاج عادةً إلى إيرادات سنوية تتراوح بين ما يعادل 1.5 و2.5 مليون ريال لكل صندوق كي يغطي تكاليفه وذلك بحسب الفئة التي يعمل في نطاقها.
وعند إسقاط هذه الأرقام على الحد الأقصى لهامش الفئة ب في تداول، ومعدل دوران السوق اليومي المعتاد لصناديق المؤشرات في الأسواق الناشئة — والتي تتراوح بين 0.04% و0.06% من إجمالي الأصول المُدارة — تبرز عقبة محددة: يحتاج الصندوق الواحد إلى بلوغ ما بين 1.5 و3.0 مليار ريال من الأصول المُدارة قبل أن يتمكن صانع السوق من الاستمرار دون دعم حكومي.
وتضم تداول 13 صندوقاً نشطاً للمؤشرات، بإجمالي أصول مُدارة يبلغ نحو 7.5 مليار ريال، أي ما يعادل ملياري دولار تقريبا. ومتوسط حجم الأصول لكل صندوق يقع دون عتبة الاكتفاء الذاتي.
ويستلزم بلوغ مرحلة الاستدامة التجارية الشاملة عبر منظومة الصناديق المدرجة في تداول رفع إجمالي أصول سوق صناديق المؤشرات إلى ما بين 20 و40 مليار ريال — أي ما يتراوح بين ثلاثة أضعاف وخمسة أضعاف مستواه الراهن.
معدل النمو مشجع، لكن الفجوة ليست صغيرة
نما سوق صناديق المؤشرات المتداولة من 410 ملايين دولار عام 2022 إلى ما يزيد على ملياري دولار بحلول منتصف 2025، أي ما يعادل خمسة أضعاف في غضون ثلاث سنوات — وهو مسار يعكس زخما حقيقيا. لكن الحجم المطلق يبقى متواضعاً قياساً بعتبة الـ 20 إلى 40 مليار ريال التي يصبح عندها النظام قادراً على الاستمرار تجاريا دون دعم خارجي، وفقا لتقديراتنا.
وما لم تُولّد أحجام التداول عائدات هوامش كافية لتغطية التكاليف الثابتة لصانعي السوق دون دعم حكومي، فإن الإعفاء من الرسوم ليس خيارا يمكن للمملكة مراجعته في الوقت الراهن، بل متطلب هيكلي لا غنى عنه.
فماذا لو لم يُبلغ ذلك المستوى؟ هذا السيناريو ليس افتراضا نظريا بعيد الاحتمال، فمعظم برامج صناديق المؤشرات المتداولة في الأسواق الناشئة التي انطلقت دون قاعدة أصول كافية انتهت إلى المسار ذاته. وتداول لم تبلغ بعد العتبة التي تجعلها بمنأى عن هذا الاحتمال.
ثلاثة تحديات تتراكم مع الوقت إن لم يبلغ السوق الحجم المطلوب:
أولها: العبء المالي. يُعفي الإطار الحالي من 100% من رسوم التداول والمقاصة والرسوم التنظيمية على كل صفقة في صناديق المؤشرات. ومع توسع المنتجات وإدراج صناديق جديدة، ترتفع الكلفة السنوية على الدولة للدعم.
وثانيها: الاعتماد الهيكلي. حين يتعود صانعو السوق على العمل في سوق محدود العمق بدعم حكومي مستمر، فإن سحب هذا الدعم قبل أن يبلغ السوق حجمه الكافي سيدفع صانعي السوق إلى إعادة حساباتهم، فتتسع فجوة الأسعار بين البيع والشراء، وتتراجع أحجام التداول، ويقل عدد المستثمرين الأجانب الذين يشترطون سيولة موثوقة للبقاء في السوق. وعندئذ قد يتحول الإعفاء من أداة مؤقتة لبناء السوق إلى ركيزة دائمة لا يقوم السوق من دونها.
تجربة بورصة جوهانسبرغ تستحق التأمل. أدرجت بورصة جنوب أفريقيا أول صندوق مؤشرات متداول في نوفمبر 2000، في وجود إطار تنظيمي متكامل وصانعي سوق نشطين. وهي من أكثر الأسواق المالية تطورا في أفريقيا. ومع ذلك، لم تتجاوز القيمة السوقية الإجمالية لصناديق المؤشرات المتداولة فيها 100 مليار راند (5.4 مليار دولار) إلا في أواخر عام 2019 — أي بعد نحو عقدين من الإطلاق. وبحلول الربع الأول من 2025، بلغت 233.6 مليار راند (12.6 مليار دولار).
لم يكن التأخر نتيجة قصور تنظيمي، فالقواعد كانت سليمة. ما كان غائبا هو المستثمر المؤسسي الكبير الذي يضخ تدفقات منتظمة ومُلزَمة توفر للسوق الحد الأدنى من النشاط التداولي الذي يجعل صناعة السوق مجدية تجاريا دون دعم حكومي. حين توافر ذلك المستثمر، تضاعف السوق. وقبله، لم تكن القواعد وحدها كافية لتحريكه.
والدلالة بالنسبة لتداول مباشرة: أصلحت هيئة السوق المالية إطار الوصول، وأرست السوق المالية السعودية بنية لصناعة السوق. لكن الإطار ليس هو الأساس، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تمتلك المملكة قاعدة مستثمرين مؤسسيين محليين بحجم كاف لتوليد الطلب المستدام الذي يحتاجه السوق، أم أنها لا تزال في طور بنائها؟ وهو ما استغرق بناؤه في بورصة جوهانسبرغ قرابة عقدين من الزمن.
هل نجح نظام الدعم الحكومي في اقتصاد ناشئ آخر؟ نعم في الهند
الهند هي المقارنة الأكثر دلالة في هذا السياق — ليس لأنها الأبرز بين الأسواق الناشئة، بل لأنها خاضت التجربة ذاتها التي تخوضها المملكة اليوم، وقدّمت داخل سوق واحدة كلا الوجهين: سنوات من الجمود أولا، ثم نمو متسارع حين توافرت الظروف المطلوبة.
أُطلق أول صندوق مؤشرات متداول في الهند -- نيفتي بيز Nifty BeES -- في ديسمبر 2001. وألزمت هيئة الأوراق المالية والبورصات الهندية بوجود صانعي سوق للصناديق المدرجة، وفتحت السوق تدريجيا أمام المستثمرين الأجانب. وكان الإطار التنظيمي في جوهره مطابقاً لما أرسته المملكة اليوم.
ثم لم يحدث شيء يُذكر طوال ثلاثة عشر عاما.
من 2002 إلى 2015، راوح سوق صناديق المؤشرات المتداولة في الهند مكانه دون تقدم يُعتد به. وبلغ إجمالي الأصول المُدارة نحو 7,032 كرور روبية — ما يعادل تقريباً 900 مليون دولار — بحلول أغسطس 2015. كان صانعو السوق حاضرين لأن القواعد أوجبت ذلك. وكانت أحجام التداول محدودة، ومشاركة المستثمرين الأفراد شبه معدومة، فضلاً عن أن التخصيصات المؤسسية لصناديق المؤشرات ظلت اختيارية وضئيلة.
كان السوق يمتلك بنية نظام متكامل — لكنه كان يفتقر إلى الحركة المالية التي تمنح هذه البنية معناها. القواعد كانت موضوعة، والمشاركون كانوا حاضرين. غير أن الغائب كان شيئاً واحداً لا تستطيع اللوائح ولا الإعفاءات من الرسوم توليده: مستثمر مؤسسي كبير بتدفقات منتظمة ومُلزَمة، يمنح صانع السوق مبرراً للبقاء لا يستطيع الدعم الحكومي وحده توفيره.
جاء التحول في السادس من أغسطس 2015، حين بدأت منظمة تأمين الدولة الموظفين في الهند — وهي هيئة حكومية تُدير مدخرات التقاعد — بتخصيص 5% من إجمالي تدفقاتها السنوية للاستثمار في صناديق المؤشرات المتداولة، وفق نمط استثماري أقرّته الحكومة في أبريل 2015
في السنة المالية الأولى، ضخّت المنظمة ما يعادل 2.3 مليار دولار في هذه الصناديق. وبحلول عام 2022-2023، ارتفع حجم الاستثمار السنوي إلى 6.5 مليار دولار، فيما تجاوزت استثماراتها التراكمية في صناديق المؤشرات 30 مليار دولار. كانت نقطة تحول كبيرة بكل المقاييس. فبين أغسطس 2015 وأغسطس 2020، قفز إجمالي الأصول المُدارة من نحو 900 مليون دولار إلى 28 مليار دولار — بمعدل نمو سنوي مركّب بلغ 97% على مدى خمس سنوات. وبحلول مارس 2025، بلغت الأصول المُدارة نحو 100 مليار دولار، أي ما يعادل 13% من إجمالي سوق صناديق الاستثمار المشتركة في الهند.
ما أخرج الهند من شح السيولة لم يكن إصلاحاً تنظيمياً ولا إعفاءً من رسوم. كان قراراً حكومياً بإلزام مؤسسة تقاعدية كبرى بضخ تدفقات منتظمة وثابتة في صناديق المؤشرات المتداولة.
خاتمة: البُعد الذي لا يحظى بالنقاش الكافي
ثمة بُعد في هذا النقاش نرى أنه لم يحظَ بالاهتمام الكافي بعد قرارات فبراير 2026، وقد يكون في حقيقته أكثر أثراً من مسألة السيولة التي احتلت الواجهة: إنها ديناميكية الإدراج في مؤشري مورغان ستانلي للأسواق الناشئةMSCI و 100FTSE .
دخلت المملكة مؤشر MSCI للأسواق الناشئة بين مايو وأغسطس 2019 بوزن أولي بلغ نحو 1.4%. وبحلول أبريل 2025، ارتفع هذا الوزن إلى أكثر من 4%.
وتتجاوز الأصول المرتبطة بمؤشر مورغان ستانلي للأسواق الناشئة حاجز الـ 17 تريليون دولار، وكل زيادة بمقدار نقطة مئوية واحدة في وزن المملكة ضمن هذا المؤشر، تدفع تلقائيا صناديق المؤشرات إلى زيادة استثماراتها في السوق السعودي بما يتناسب مع الوزن الجديد، وهو ما يعني ذه تدفقات ليست اختيارية ولا موسمية، بل منتظمة وحجمها مرهون بمدى تطور السوق السعودي وقدرته على استيعاب المستثمرين الأجانب.
وفي أعقاب إلغاء نظام المستثمر الأجنبي المؤهل وإرساء نظام الإعفاء الكامل من الرسوم لصناع السوق إذا استوفوا الشروط، ارتفع إجمالي الأوراق المالية القابلة للإقراض في السوق السعودية بنحو 190% على أساس سنوي بحلول فبراير 2025، منتقلاً من 3.1 مليار دولار إلى 8.9 مليار دولار — وهو مؤشر على تنامي حضور المستثمرين المؤسسيين الأجانب في السوق، فيما بلغت التدفقات الأجنبية التراكمية إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي نحو 60 مليار دولار بحلول مطلع العام ذاته. وهذه هي الإشارات الهيكلية للسيولة التي يرصدها مؤشرا MSCI و FTSE حين يقرران نسبة تمثيل أو وزن كل سوق بهما.
Loading ads...
فكلما تعمّقت سيولة صناديق المؤشرات وضاقت هوامش الأسعار واتسعت قاعدة المستثمرين الأجانب، ارتفع وزن المملكة في المؤشرات العالمية. وارتفاع الوزن يعني أن صناديق المؤشرات حول العالم مُلزَمة بضخ مزيد من الأموال في السوق السعودي تلقائياً. وهذه التدفقات بدورها تعمّق السيولة وتجذب صانعي سوق جدد — لا لأن أحداً يدفع لهم، بل لأن السوق بات يستحق الحضور فيه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

النجاح يبدأ من الفشل أحيانًا
منذ ساعة واحدة
0




