2 ساعات
من الإخفاء إلى التدمير المتحقق منه: مرحلة جديدة في ملف الأسلحة الكيميائية السوري
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026
تحققت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) في آب/ أغسطس 2026 من التدمير النهائي لاثنتين وأربعين قنبلة جوية سورية، في أول عملية تدمير لذخائر كيميائية سورية تتحقق منها المنظمة منذ عام 2014. وقد أُبلغ مجلس الأمن بهذه العملية في 3 أيلول/ سبتمبر، لتختتم بذلك سلسلة متسارعة من الخطوات: تحديد الموقع الفعلي لذخائر غير معلن عنها في أيار/ مايو، وإدخال ثلاثة تعديلات رسمية على إعلان سوريا في حزيران/يونيو، ثم إبرام اتفاقات بشأن المرافق وترتيبات التحقق الخاصة بالتدمير في تموز/ يوليو. وتمثل هذه الخطوات مجتمعة تحولًا نوعيًا في هذا الملف، من إخفاء مطوّل في ظل نظام الأسد إلى تحديد تعاوني وتدمير متحقق منه في ظل مرحلة ما بعد الأسد.
ولابد من العودة قليلا إلى الوراء لتوضيح أهمية ما جرى، فبعد انضمام سوريا إلى اتفاقية الأسلحة الكيميائية في أعقاب هجوم الغوطة بغاز السارين في آب/ أغسطس 2013، قدمت إعلانًا تحققت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على أساسه من تدمير نحو 1,040 طنًا من المواد الكيميائية من الفئة 1 بحلول آب/ أغسطس 2014، وأعلنت في كانون الثاني/ يناير 2016 اكتمال تدمير جميع الأسلحة الكيميائية المعلنة. وليست منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مقيدة بما تختار الدولة الإفصاح عنه؛ فقد كشفت صلاحياتها في التفتيش والاستيضاح والتحقيق الثغرات في إعلان سوريا، وأثبتت وقوع استخدام محظور بعد الانضمام إلى الاتفاقية.
ما زال أمام سوريا طريق طويل وشاقّ للتخلص من إرث الأسد الكيميائي.
ولا تقتصر العملية الحالية على تنفيذ برنامج ثانٍ للتدمير، بل هي أيضًا إعادة بناء لصورة أكثر اكتمالًا عن الأجزاء التي أخفاها البرنامج السابق، وشرطها الأول لم يكن تقنيًا فحسب، بل معلوماتيًا ومؤسسيًا. فقد غيّر سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 بيئة التحقق، إذ أتاح الوصول إلى مواقع وسجلات وأفراد لم يكن بمقدور التحقق الخارجي أن يعوض غياب الوصول إليهم بمفرده. وسجلت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هذا الوصول، إلى جانب تشكيل فريق وطني سوري، ووصفت هذا التحول النوعي بأنَّه إعادة ضبط بعد أحد عشر عامًا من العرقلة. ولا ينبغي الخلط بين هذا التغير في مستوى التعاون وبين تغير في الالتزام القانوني. فالاتفاقية تُلزم الجمهورية العربية السورية بوصفها دولةً طرفًا، بصرف النظر عن الحكومة القائمة؛ وقد غيّر الانتقالُ الجهةَ التي تنفذ التزامات سوريا وأبقى هذه الالتزامات على حالها. وتشير الإحالات الرسمية إلى «جهود غير مسبوقة» إلى حجم التعاون القائم حاليًا، لا إلى استنتاج قانوني بأنَّ الالتزامات العالقة قد استوفيت.
وتمنح سلسلة خطوات عام 2026 هذا التعاون شكلًا قابلًا للتدقيق. فقد أسفرت عملية الانتشار في أيار/ مايو، التي تركزت في منطقة حماة–حمص–اللاذقية، عن تحديد ذخائر لم يكن قد أُعلن عنها سابقًا، من بينها قنابل جوية من النوع المستخدم في هجمات عام 2017 في اللطامنة وخان شيخون، بما وفر تأكيدًا ماديًا لحالة الإخفاء التي ظلت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تؤكدها منذ وقت طويل. غير أنَّ الاكتشاف وحده لا يُتم دورة الإعلان والتدمير التي تنص عليها الاتفاقية. فالمادة الرابعة (9) تقتضي إعلان الأسلحة المكتشفة لاحقًا وتأمينها وتدميرها وفق إجراءات الاتفاقية، وهنا تكمن أهمية تعديلات حزيران/ يونيو: فقد نقلت المواد
المستردة من مجرد الحيازة المادية إلى سلسلة دولية من الإعلان والجرد والتحقق. وحولت اتفاقات المرافق في القطيفة وحمص في تموز/ يوليو التعاون السياسي إلى بنية رسمية للتحقق، ثم جاء التدمير في آب/ أغسطس ليختتم هذه السلسلة. أما القنابل الاثنتان والأربعون نفسها فتتطلب توصيفًا دقيقًا. فهي أسلحة كيميائية من الفئة 3، أي ذخائر غير معبأة، وليست مواد ثبت احتواؤها على عامل كيميائي، ومن ثم فإنَّ تدميرها لا يمثل مقياسًا لكمية العامل السام الذي جرى التخلص منه. وتكمن قيمتها في الجانب الإجرائي؛ فهي تُظهر أنَّ المواد التي أُغفلت من الإعلان يمكن العثور عليها، والإفصاح عنها، والتحقق منها، وتدميرها تدميرًا نهائيًا، وأنَّ هذا المسار يمكن تكراره حيثما سمحت الظروف.
وعلى الرغم من هذا الإنجاز المرحلي فما زال أمام سوريا طريق طويل وشاقّ للتخلص من إرث الأسد الكيميائي. فمن بين ست وعشرين مسألة تتعلق بالإعلان جرى تحديدها منذ عام 2014، ما تزال تسع عشرة مسألة عالقة، وتقول منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إنَّها تشمل كميات قد تكون كبيرة من العوامل الكيميائية والذخائر غير المعلن عنها أو التي لم يُتحقق منها؛ كما أنَّ التدابير التصحيحية المفروضة في عام 2020 لم تُنفذ بعد؛ فضلًا عن تحديد قرابة مئة موقع باعتبارها ذات صلة محتملة. ولذلك لا يمكن حساب نسبة ما أُزيل من البرنامج السابق، لأنَّ الحجم الكامل للبرنامج المخفي — أي المقام الذي ينبغي أن يُقاس عليه أي تدمير — لم يُحدد بعد. والتقدم الذي حصل فعلي وجدّي، في حين يظل حجم ما تبقى من البرنامج مجهولًا.
وينبغي قراءة استعادة سوريا في تموز/ يوليو 2026 لحقوقها المعلقة بموجب الاتفاقية، بقرار اعتُمد بتوافق الآراء وشاركت سبع وستون دولة طرفًا في تقديمه، في ضوء المعيار نفسه. فقد أقر القرار بحدوث تغير ملموس في السلوك وبوجود تعاون كبير. لكنَّه لم يشهد بأنَّ الإعلان بات كاملًا، أو بأنَّ جميع الأسلحة المتبقية قد عُثر عليها، أو بأنَّ تدابير عام 2020 قد استُكملت؛ بل إنَّ التقييم نفسه الصادر في آب/ أغسطس يسجل استعادة الحقوق والالتزامات العالقة معًا. والأدق فهمه تطبيعًا مشروطًا بالتقدم المحرز، جاء بينما تظل التزامات جوهرية بالامتثال قائمة.
سيتبين بالنتائج، ما إذا كان هذا التكامل سيصمد، ومعياره اكتمال الإفصاح وشمولية الوصول والتدمير المتحقق منه وحفظ الأدلة والمساءلة حيثما تسندها الأدلة.
وتحكم المساءلة قاعدتان. فالإسناد شيء والفصل القضائي شيء آخر؛ فقد خلص فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع للمنظمة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأنَّ قوات الأسد نفذت هجمات في كفر زيتا واللطامنة وسراقب ودوما، وأنَّ تنظيم داعش كان مسؤولًا عن هجوم مارع، لكنَّها نتائج تحقيقية تطبق معيار «الأسباب المعقولة»، لا أحكام جنائية؛ فتقصي الحقائق وإسناد المسؤولية والفصل القضائي وظائف منفصلة، كما تُظهر بعثة سيلستروم عن هجوم الغوطة عام 2013 التي أثبتت استخدام السارين على نطاق واسع من دون أن تُكلَّف بتحديد مستخدمه. ويقول مسؤولون سوريون إنَّ ثمانية عشر مشتبهًا به احتُجزوا على صلة بالبرنامج السابق وإنَّ إجراءات قضائية قيد الإعداد، وهي إجراءات سيتعين أن تثبت المسؤولية الجنائية الفردية لا أن تستنتجها من الانتماء المؤسسي. أما القاعدة الثانية فتتعلق بتوتر داخل العملية نفسها؛ إذ قد تتعارض ضرورة تدمير الذخائر غير المستقرة أو الملوثة مع الحاجة إلى حفظ الأدلة عن مصدرها والمسؤولية عنها، وتكمن الموازنة في ترتيب المراحل بحيث تُؤمَّن المواد وتُوثَّق وتُؤخذ عيناتها وتُحفظ قيمتها الإثباتية قبل التحقق منها وتدميرها، لا أن تُحدَّد مواقعها ثم تُزال ببساطة.
Loading ads...
وتمتد الرهانات الأوسع إلى ما يتجاوز سوريا. فبعد أن تحققت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في عام 2023 من تدمير آخر مخزون معلن، تواجه الاتفاقية الآن اختبارًا أشد صعوبة: هل يستطيع نظام التحقق التابع لها التعافي من حالة امتدت طويلًا من عدم اكتمال الإعلان، والعرقلة، وثبوت الاستخدام المحظور؟ وقد تتمكن الآن حكومة متعاونة، وجهة دولية للتحقق، ودول داعمة من دمج مهام كانت في السابق مجزأة أو معرقلة، عبر إعادة بناء البرنامج المخفي، وإدخال المواد المستردة في إطار نظام المعاهدة، والتحقق من تدميرها بصورة نهائية، والحفاظ على الأدلة التي تعتمد عليها المساءلة. وسيتبين بالنتائج، ما إذا كان هذا التكامل سيصمد، ومعياره اكتمال الإفصاح وشمولية الوصول والتدمير المتحقق منه وحفظ الأدلة والمساءلة حيثما تسندها الأدلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


