كثيرا ما يصور دونالد ترمب في وسائل الإعلام -وحتى من قبل بعض المحللين- على أنه شخص مندفع وعرضة للتصرفات العفوية وغير المتوقعة، وغالبا ما يستخدم المراقبون هذه الصفات الشخصية لتفسير سياسته تجاه العلاقات الروسية الأوكرانية.
وقد ألمح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفسه بشكل واضح إلى أن انتقادات ترمب تنبع من رغبة في تحميله شخصيا وكييف مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة.
وبهذا التصريح الضمني، أكد زيلينسكي اعتقاده بأن الزعيم الأمريكي لا يملك سياسة واضحة تجاه أوكرانيا.
وتصور وسائل الإعلام ترمب باستمرار إما على أنه "صديق لأوكرانيا" أو "صديق لروسيا "، وتصور قراراته على أنها مدفوعة باعتبارات قصيرة الأجل.
قال دونالد ترمب في عام 2000 في كتابه "أمريكا التي نستحقها": "إن أكبر تحد طويل الأمد يواجهنا هو الصين"، وأكد بقوة أكبر في كتابه "حان وقت الحزم ": "الصين عدوتنا"
أختلف تماما مع هذا التوصيف، بل أقترح اعتبار سياسة الرئيس الأمريكي ثابتة للغاية وغير قابلة للتغيير.
فمنذ الأيام الأولى لرئاسته، بل وحتى في ولايته الأولى، صاغ ترمب مبدأ أساسيا أصبح بمثابة عقيدته الجيوسياسية الشخصية، وهي لم تكن تصريحات متسرعة أو عابرة.
وهنا، أقترح تتبع آراء الرئيس الأمريكي منذ بداية القرن الـ21:
قال دونالد ترمب في عام 2000 في كتابه "أمريكا التي نستحقها ": "إن أكبر تحد طويل الأمد يواجهنا هو الصين "، وأكد بقوة أكبر في كتابه "حان وقت الحزم": "الصين عدوتنا".
وفي عام 2015، وبينما كان يخوض ذروة حملته الرئاسية، وصف المرشح الجمهوري الصين بأنها مشكلة أكبر من "تنظيم الدولة الإرهابي- داعش".
يبدو الأمر مجرد استعراض ساخر من رجل أعمال يعشق المظاهر البراقة والمبالغة، ولا يفعل سوى ترديد الشعارات التي يروّج لها المجتمع بصوت مرتفع.
لكن واشنطن آنذاك تبنت وجهة نظر مختلفة، إذ كان مفهوم "تشيميريكا" (مصطلح سياسي واقتصادي منحوت يدمج بين اسمي الصين وأمريكا)، رائجا في عهد باراك أوباما، والذي يقضي بإمكانية تعايش عملاقي السياسة العالمية مع تجنب العداء الصريح.
في الواقع، كان ترمب، "الغريب" القادم من عالم الأعمال، هو من قلب موازين السياسة الأمريكية رأسا على عقب، حتى إن جو بايدن، السياسي المخضرم الذي تولى السلطة في عام 2020، لم يلغ الإجراءات التجارية التي فرضها سلفه.
فوفقا لرؤية الرئيس الأمريكي، يجب على الولايات المتحدة أن تتحرر قدر الإمكان من جميع الالتزامات التي لا تسهم في تحقيق هدفها الرئيسي، وهو مواجهة الصين.
وهناك نقطة مهمة: لقد وصفت روسيا أيضا في هذه الوثائق بأنها دولة تسعى إلى تغيير أو تدمير النظام العالمي القائم، حتى وإن لم تكن قوتها مساوية لقوة الصين، وقد اختار ترمب إستراتيجيته للتعامل مع كلتا القوتين.
لم يكن هناك مجال للتسوية مع الصين: فمن بين القوتين العظميين، لن تبقى على الساحة الدولية إلا واحدة، أما مع روسيا، فكان من الممكن محاولة التوصل إلى اتفاق.
ولاية ترمب الرئاسية الثانية بدأت بشكل مختلف، فلم يعد الرئيس الأمريكي رجل أعمال وصل إلى السلطة صدفة، بل أصبح سياسيا محنكا، تمكن خلال 4 سنوات في الحكم و4 سنوات أخرى من العزلة السياسية، من تشكيل فريق واكتساب الخبرة اللازمة ليصبح رجل دولة مؤثرا (…) وأصبحت الحرب ضد الصين مجددا الهدف الرئيسي للإدارة الأمريكية، ويعد بناء العلاقات مع روسيا وسيلة مهمة لتحقيق هذا الهدف
في عام 2016، شرح جورج بابادوبولوس، المستشار (الداخلي) لحملة ترمب الرئاسية، الفكرة بوضوح: على الولايات المتحدة أن تتعاون مع روسيا لمواجهة النفوذ المتزايد للصين، خصم أمريكا الرئيسي.
وقد أطلق على هذه الإستراتيجية اسم "نيكسون المعكوسة ": فكما تقاربت الولايات المتحدة في عهد نيكسون مع الصين لمواجهة الاتحاد السوفياتي، ينبغي على الأمريكيين اليوم الانخراط مع روسيا لمواجهة الصين، وبدأ الفريق الرئاسي العمل في هذا الاتجاه تحديدا.
دخلت قمة هلسنكي في عام 2018 بين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين تاريخ العلاقات الروسية الأمريكية، ولكن لسوء حظ العاصمتين، لم يكن السبب هو إستراتيجية "نيكسون المعكوسة "، بل سيل الاتهامات بالتعاطف مع روسيا التي انهالت على الرئيس ترمب فور عودته إلى بلاده.
وقد عرقلت الحملة الإعلامية التي بدأت آنذاك ضد ترمب جميع محاولاته لإقامة علاقات مع روسيا، وأغرقته في دوامة من التحقيقات حول "علاقاته بروسيا "، وقضت على كل آماله المعقودة على "نيكسون المعكوسة".
لكن ولاية ترمب الرئاسية الثانية بدأت بشكل مختلف. فلم يعد الرئيس الأمريكي رجل أعمال وصل إلى السلطة صدفة، بل أصبح سياسيا محنكا، تمكن خلال 4 سنوات في الحكم و4 سنوات أخرى بعيدا عن أروقة السياسة، من تشكيل فريق واكتساب الخبرة اللازمة ليصبح رجل دولة مؤثرا.
بعبارة أخرى، وصل إلى السلطة سياسي خبير ذو رؤية، مستعد للانتقام ومواصلة نهجه السياسي بحزم.
كما أصبحت الحرب ضد الصين مجددا الهدف الرئيسي للإدارة الأمريكية، ويعد بناء العلاقات مع روسيا وسيلة مهمة لتحقيق هذا الهدف.
وإذا تتبعنا جميع الخطوات الرئيسية لإدارة ترمب الثانية، فسنجد أثرا ما لـ"معاداة الصين" في كل منها.
يبدأ الأمر بـ"إعادة فرض النظام" في أمريكا اللاتينية، وتحديدا من خلال الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
فقد كانت فنزويلا أحد أهم مصادر النفط لبكين، إذ كان 80% من نفط الجمهورية البوليفارية يصدر إلى الصين. وبإسقاطه النظام الحاكم في البلاد، لم يحرم ترمب خصمه الإستراتيجي من مصدر للموارد فحسب، بل قضى أيضا على إستراتيجية الصين التي استمرت لعقود.
فقدت الصين القدرة على استعادة قروضها الضخمة التي بلغت مليارات الدولارات والتي استثمرتها في فنزويلا، وكشفت هشاشة شركائها الجيوسياسيين في أمريكا اللاتينية (إذ رفعت العلاقات بين بكين وكاراكاس في عام 2023 إلى مستوى "الشراكة الإستراتيجية")، وجعلت توسيع نفوذها في المنطقة عبثا: فمن الواضح أن قادة الدول المجاورة لم يرغبوا في تكرار مصير نيكولاس مادورو.
الحقيقة هي أن زيلينسكي يعارض السياسة الأمريكية عمدا وبشكل مستمر وعلنا، بينما يعتمد كليا على المساعدات الأمريكية، وترمب لا يغفر هذا، أما الكلمات التي يستخدمها لمهاجمة زيلينسكي فهي ليست ذات أهمية
وبشنه حربا على إيران، وجه ترمب ضربة قاصمة لدولة أخرى دعمت الصين بشكل كبير بموارد الطاقة. ففي ربيع عام 2026، حذرت وزارة الخزانة الأمريكية من أن مشتري النفط الإيراني معرضون للعقوبات: وعلى وجه الخصوص، في أبريل/نيسان 2026، فرضت قيودا على مصانع هنغلي للبتروكيماويات في داليان.
وبعد أن حقق الرئيس الأمريكي نصرا مهما في فنزويلا، أخطأ في حساباته مع إيران، مستهينا بقدرة طهران على المقاومة وأهمية مضيق هرمز للتجارة العالمية، لكن هذا لم يغير من هدفه.
يجب النظر إلى إستراتيجية دونالد ترمب تجاه أوكرانيا من منظور هذا الهدف الإستراتيجي، فبحسب الرئيس الأمريكي، ينبغي للولايات المتحدة أن تتخلص قدر الإمكان من جميع الالتزامات التي لا تسهم في تحقيق هدفها الأساسي، ألا وهو محاربة الصين.
وفيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يطالب دوله باستمرار بتحمل مسؤولية أمن القارة الأوروبية، وعلى الرغم من ترددها، فإن دول الاتحاد الأوروبي تفعل ذلك: إذ يتزايد الإنفاق الدفاعي، ويجري وضع خطط إصلاحية.
لكن فولوديمير زيلينسكي يعارض السياسة الأمريكية بشكل واضح. فترمب مهتم بإنهاء الصراع الروسي الأوكراني بأسرع وقت ممكن، حتى يتمكن الاتحاد الأوروبي وروسيا من تطوير نظام يضمن الأمن الأوروبي، وتتمكن الولايات المتحدة من التركيز على الصين.
ولإنهاء هذا الصراع، لا بد من التوصل إلى حلول وسط.
يقول ترمب بوضوح وجلاء: أوكرانيا تخسر، ولا تملك أي أوراق رابحة، وعليها تقديم تنازلات أكبر.
لا يمكن اعتبار رأي الرئيس الأمريكي هنا رأي مراقب: فالمساعدات الأمريكية هي التي تمكّن أوكرانيا من مواصلة مقاومتها.
ومع ذلك، فإن زيلينسكي، كونه متلقيا للمساعدات الأمريكية ويعتمد عليها كليا، لا يبدي أي استعداد لتقديم تنازلات. فهو يواصل الحديث عن ضرورة "النصر"، ويناقض الرئيس الأمريكي بشكل مباشر، متهما إياه بالضعف ورافضا وقف الضربات على مصافي النفط الروسية.
هذا هو السبب تحديدا وراء كراهية ترمب لزيلينسكي، الأمر لا يتعلق بـ"التعاطف مع بوتين" أو "اللاعقلانية "، بل بموقف الرئيس الأمريكي الأيديولوجي والسياسي الواضح والمتسق.
الحقيقة هي أن زيلينسكي يعارض السياسة الأمريكية عمدا وبشكل مستمر وعلنا، بينما يعتمد كليا على المساعدات الأمريكية، وترمب لا يغفر هذا، أما الكلمات التي يستخدمها لمهاجمة زيلينسكي فهي ليست ذات أهمية.
بل ومن المحتمل جدا أن نعلم غدا أن فولوديمير زيلينسكي أغلق مضيق هرمز بنفسه. أما بالنسبة لترمب، فالكلمات مجرد أداة؛ والإستراتيجية هي الأهم، وعن استراتيجيته، فإنه لا يحيد قيد أنملة.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





