5 أشهر
من السلال الشهرية إلى الانقطاع: كيف تقلّص الدعم في مخيمات الشمال السوري؟
الإثنين، 29 ديسمبر 2025
تراجع حجم ونوع المساعدات الإنسانية المقدّمة لمخيمات الشمال السوري، وفق تقارير ميدانية إنسانيّة دولية خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بالوضع خلال سنوات الحرب.
التراجع لم يكن مفاجئاً ولا لحظياً، بل جاء على شكل تقليص تدريجي طال مختلف القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والمياه والرعاية الصحية.
في عام 2020، كانت غالبية العائلات المقيمة في المخيمات مشمولة ببرامج مساعدات منتظمة، شملت سلالًا غذائية شهرية، وخدمات مياه مدعومة عبر الصهاريج، إضافة إلى وجود نقاط طبية تعمل داخل المخيمات أو في محيطها، ومع دخول عام 2022، بدأت هذه المنظومة تشهد تغييرات ملحوظة، تمثلت في انخفاض عدد المستفيدين، وتراجع انتظام التوزيعات، وتقليص محتوى السلال الغذائية، إلى جانب إغلاق أو تقليص عدد من المرافق الصحية والخدمية.
وفي المرحلة اللاحقة، ووفق إفادات سكان مخيمات ومديريها لموقع تلفزيون سوريا، تقلصت المساعدات إلى مستويات أدنى، وصولًا إلى انقطاع شبه كامل في بعض المناطق خلال عامي 2024 و2025.
يتزامن هذا الواقع مع بيانات صادرة عن جهات أممية ومنظمات إنسانية تُظهر انخفاض نسب تمويل خطط الاستجابة الخاصة بسوريا، مقابل استمرار الاحتياج الإنساني عند مستويات مرتفعة، ولا سيما في مناطق النزوح.
بحسب بيانات للأم المتحدة فإنّ 15.3 مليون شخص احتاج للمساعدة داخل سوريا عام 2023 بينهم 2.1 مليون نازح في مخيمات الشمال السوري، وفي 2024 لم يتم تمويل للمخيمات من خطة الاستجابة سوى 34% من أصل 4.1 مليار دولار، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية مما حرم 636 ألف نازح من خدمات المياه والصرف الصحي وخروج 60 مرفقاً صحياً عن الخدمة، وسط تحذيرات لتهديد 160 مرفق صحي آخر من الإغلاق في العام المقبل.
ويمكن الحديث عن قطاع الغذاء الذي ظهر تراجعه بشكل واضح في مخيمات الشمال السوري، إذ يمكن تتبّع هذا التراجع بشكل رقمي من خلال مقارنة ما كانت تحصل عليه العائلات خلال الأعوام الماضية بما تتلقاه اليوم.
ففي مخيمات أطمة، يوضح أبو عبد القادر المقيم في "مخيّم عطاء" هذا التحول من خلال تجربة أسرته الممتدة بين عامي 2020 و2025، حيث يقول لموقع تلفزيون سوريا: إنّ عائلته المؤلفة من سبعة أفراد كانت تتلقى في عام 2020 سلة غذائية واحدة شهريًا بشكل منتظم مقدّمة من منظمة عطاء وبرنامج الأغذية العالمي، وكانت تشمل مواد أساسية مثل الأرز والبرغل والمعكرونة وزيت الطعام وبعض المعلبات.
وفي عام 2022، تغيّر نمط الدعم، إذ أصبحت السلال متقطعة وغير منتظمة، وتراجعت إلى سلة واحدة كل شهرين في بعض الفترات مع تقليص واضح في محتواها مقارنة بالسنوات السابقة.
أما في عامي 2024 و2025، فيؤكد أبو عبد القادر أن أسرته لا تتلقى أي نوع من الدعم الغذائي، رغم أنها كانت مشمولة بالكامل بالمساعدات سابقًا.
تقلّص التغطية وتغيّر معايير الاستهداف
لم يقتصر تراجع الدعم في الغذائيات على الكميات فقط، بل امتد ليشمل تغيرات في آلية الاستهداف نفسها، حيث انتقلت المساعدات خلال السنوات الأخيرة من تغطية واسعة نسبيًا إلى دعم محدود يستثني شرائح متزايدة من العائلات المقيمة في المخيمات.
يوضح أنس بشير بركات، ناشط صحفي إنساني ويقطن في مخيم اقرأ في بلدة أطمة، أن هذا التحول بدأ بالظهور بوضوح منذ عام 2022، بعد أن كانت العائلات في عام 2020 تتلقى سلة إلى سلّتين غذائيتين شهريًا ضمن برامج منتظمة، ويشير إلى أن التراجع لم يقتصر على عدد السلال، بل طال انتظام التوزيع ومحتوى المساعدة، قبل أن تتحول الغالبية العظمى من الأسر اليوم إلى خارج أي برنامج دعم غذائي.
وبحسب التقديرات التي يستند إليها بركات، فإن أكثر من 80% من عائلات المخيمات في شمال غربي سوريا غير مشمولة حاليًا بأي دعم غذائي، في وقت يعيش فيه أكثر من 1.39 مليون نازح داخل هذه المخيمات، ما يعكس فجوة متزايدة بين حجم الاحتياج القائم ومستوى الاستجابة المتاح.
بينما يؤكد ياسين سلوم دهينة، مدير مخيم سهل الغاب في مجمع مخيمات الكرامة ببلدة قاح، أنّ الدعم الإنساني في المخيم شهد انقطاعًا شبه كامل خلال عامي 2024 و2025، موضحًا أنه "لم تدخل أي مساعدات غذائية من منظمات إنسانية، ولا توجد برامج دعم قائمة حاليًا"، مقارنةً بما كان عليه الوضع في عام 2020 حين كانت العائلات تتلقى مساعدات منتظمة شملت الغذاء والمياه.
ويشير دهينة إلى أن هذا التراجع لم يكن تدريجيًا فقط، بل وصل إلى مرحلة التوقف التام، حيث انقطعت كذلك خدمات المياه بعد التحرير، وأُغلقت النقطة الطبية التي كانت تعمل في المخيم بعد صدور قرار بنقلها، ما أجبر السكان على تحمّل تكاليف المعيشة الأساسية بشكل كامل.
وبحسب دهينة، تبلغ كلفة المعاينة الطبية اليوم نحو 200 ليرة تركية، وتقتصر الخدمات المتاحة على حالات إسعافية محدودة في بعض المشافي، في حين لا تتوفر أي برامج للتدفئة، رغم المناشدات المتكررة لتأمين قسائم مازوت، ويضيف أن معظم العائلات التي ما تزال تقيم في المخيمات تفعل ذلك لغياب أي بدائل سكنية أو مقومات حياة في القرى المدمرة، معتبرًا أن استمرار هذا الواقع يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياج القائم ومستوى الاستجابة الإنسانية المتاح.
ما بعد انقطاع الدعم
مع توقف الجزء الأكبر من برامج الدعم الإنساني، لم تعد المشكلة مقتصرة على نقص المساعدات، بل على غياب أي بدائل اقتصادية داخل المخيمات، حيث ترتفع معدلات البطالة وتنعدم فرص العمل، ما يجعل الأسر معتمدة بشكل شبه كامل على ما تبقى من مساعدات متقطعة أو على حلول اضطرارية.
تقول وردة عبد الحي المقيمة في "مخيم سهل الغاب بمجمعات الكرامة": إن انقطاع الدعم المائي في المخيمات لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل جاء ضمن مسار تقليص تدريجي للخدمات، موضحةً أن العائلات كانت تعتمد خلال السنوات الماضية على المياه المدعومة التي تؤمّنها المنظمات الإنسانية، دون وجود بدائل أخرى في ظل غياب فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة داخل المخيمات.
وتشير عبد الحي في حديث لموقع تلفزيون سوريا إلى أن خدمات المياه بدأت تتراجع بشكل واضح خلال الأعوام الأخيرة، قبل أن تنقطع بشكل كامل منذ منتصف عام 2024، بالتوازي مع توقف خدمات النظافة وجمع القمامة، ما اضطر الأهالي إلى تأمين المياه بجهود فردية أو عبر حلول غير منتظمة.
وتابعت أنّ غياب الدعم المائي شكّل عبئًا إضافيًا على الأسر، خصوصًا النساء، في بيئة تفتقر أصلًا إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، مؤكدةً أن هذا الواقع ما يزال مستمرًا حتى اليوم دون وجود أي برامج بديلة.
وبالعودة للناشط الصحفي أنس بشير بركات الذي أكد أنّ معظم المخيمات تعتمد على الشراء المباشر للمياه، حيث تُقدَّر الكلفة الشهرية لتأمين المياه للعائلة الواحدة بما يتراوح بين 50 و100 دولار أميركي، في وقت تؤكد تقارير إنسانية أن نحو 636 ألف نازح في شمال غربي سوريا محرومون من خدمات المياه والصرف الصحي.
Loading ads...
يُظهر تتبّع مسار الدعم الإنساني في مخيمات الشمال السوري فجوة متزايدة بين حجم الاحتياج القائم ومستوى الاستجابة المتاح، في ظل تراجع التمويل وتغيّر أولويات المانحين، وبينما تعكس الشهادات الميدانية أثر هذا التراجع على تفاصيل الحياة اليومية، تشير البيانات الرسمية إلى أن تقليص الدعم بات واقعًا مستمرًا لا ظرفًا مؤقتًا، ومع غياب بدائل فعلية، يبقى مستقبل مئات آلاف النازحين مرتبطًا بإعادة النظر في آليات التمويل والاستجابة، لا بمجرد توصيف الأزمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

