شهر واحد
ارتفاع الأسعار بلا سقف.. لماذا تتسارع كلفة المعيشة في سوريا؟
الأربعاء، 25 فبراير 2026

مع دخول شهر رمضان المبارك أسبوعه الثاني، تشهد الأسواق السورية موجة غلاء معيشي متصاعدة طالت مختلف السلع الأساسية والكمالية على حد سواء، من اللحوم بأنواعها، مرورًا بالخضار والفواكه، ووصولًا إلى الحلويات والمشروبات الرمضانية التي تميز هذا الشهر الفضيل، ما يعكس موجة تضخمية حادة أعادت رسم خارطة الاستهلاك اليومي للأسر السورية.
وفي هذا السياق، كشف الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر عن الأسباب الجذرية الكامنة وراء هذه الموجة التضخمية غير المسبوقة، محذرًا من تحول غلاء الأسعار إلى عامل ضاغط يعيد تشكيل أولويات الأسر وأنماط إنفاقها اليومي.
الأسعار تواصل الصعود
بحسب جولات ميدانية مختلفة أجرتها المواقع المحلية في أسواق دمشق والمحافظات ارتفاعات قياسية في أسعار اللحوم البيضاء التي تجاوزت نسب زيادتها 30 بالمئة منذ بداية الشهر الفضيل، حيث قفز سعر كيلو شرحات الدجاج من 440 ليرة إلى 600 ليرة (بالعملة الجديدة)، وارتفع سعر الفخذ من 240 إلى 300 ليرة، فيما سجل الفروج الكامل زيادة من 260 إلى 360 ليرة.
ولم تسلم القطع الصغيرة مثل الدبوس والجوانح والشيش والكباب من هذه الموجة، مما انعكس مباشرة على أسعار الوجبات في المطاعم، إذ ارتفع سعر سندويشة الشاورما إلى 220 ليرة، والفروج المشوي إلى 1200 ليرة، والبروستد إلى 1250 ليرة.
أما اللحوم الحمراء، فقد واصلت مسلسل صعودها الجنوني، حيث بلغ سعر كيلوغرام لحم الغنم البلدي العواس 2250 ليرة، فيما سجل لحم المسوفة 1300 ليرة، وتوزع لحم العجل بين 1500 و1600 ليرة للكيلوغرام الواحد.
ضغط تكاليف وبدائل منزلية
في قطاع الحلويات والمعجنات، أكد المكلف بتسيير شؤون جمعية الحلويات في دمشق، موفق الخن، في تصريحات إعلامية، أن العرض والطلب يلعبان دورًا أساسيًا في تحديد الأسعار، مشيرًا إلى أن الأسواق شهدت ارتفاعًا غير مسبوق منذ مطلع الشهر نتيجة زيادة تكاليف المواد الخام مثل السكر والدقيق والمكسرات.
لم تكن المشروبات الرمضانية بمنأى عن هذه الموجة، حيث ارتفعت أسعارها مقارنة بالعام الماضي، ما دفع العديد من الأسر لتحضيرها في المنزل كبديل أرخص، سواء باستخدام الفواكه الطازجة أو ظروف الشراب سريعة التحضير التي تراوحت أسعارها بين 10 و20 ليرة للظرف الواحد.
وفي المواد التموينية الأساسية، سجل كيلوغرام الأرز الهندي نحو 85 ليرة، بينما وصل الأرز المغلف القصير إلى 115 – 125 ليرة، والبرغل إلى 90 ليرة، في حين تجاوز سعر ليتر الزيت 230 ليرة، وتراوح سعر كيلوغرام السمنة بين 300 و400 ليرة حسب النوع.
أما الخضراوات والفواكه، فقد شهدت تقلبات حادة في أسعارها، حيث ارتفع سعر الليمون إلى 250 ليرة قبل أن يهبط فجأة إلى 150 ليرة، وانخفضت البطاطا إلى ما بين 20 و50 ليرة، وتراوحت البندورة بين 65 و80 ليرة، في حين حافظ التفاح على أسعاره المرتفعة بين 150 و200 ليرة، وسجل الموز أسعارًا تراوحت بين 85 و120 ليرة حسب النوع.
اتساع فجوة الدخل
في تحليله للأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع المتواصل، أوضح الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، أن ما تشهده الأسواق السورية لم يعد مجرد تغيرات رقمية تُسجل على لوائح التسعير، بل تحول إلى عامل ضاغط يعيد تشكيل أولويات الأسر وأنماط إنفاقها اليومي، في ظل اتساع الفجوة بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة.
وأكد خلال منشور له عبر منصة فيسبوك أن هذا التحول دفع شريحة واسعة من المواطنين إلى الاكتفاء بالحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية والخدمية، مع تراجع القدرة على الادخار أو حتى الحفاظ على نمط استهلاك مستقر، ما يعكس انتقال الاقتصاد الأسري من مرحلة إدارة الموارد إلى مرحلة إدارة الندرة.
وأرجع عمر الأسباب الحقيقية لهذا الارتفاع إلى عوامل متراكمة ومعقدة، أبرزها تراجع قيمة العملة المحلية بشكل مستمر، وارتفاع تكاليف الاستيراد نتيجة صعوبات التمويل الخارجي وتحويل الأموال، إضافة إلى انهيار الدورة الاقتصادية المحلية بشكل عام.
سوق هش أمام الصدمات
أشار عمر إلى أن تقلص الإنتاج المحلي وتراجع القدرة على خلق فرص عمل مستقرة يزيد من هشاشة السوق أمام أي صدمات خارجية، مؤكدًا أن تعدد أسعار الصرف واختلال التوازن بين العرض والطلب يسهمان في تغذية موجات تضخم متلاحقة يصعب احتواؤها عبر إجراءات قصيرة الأمد أو تدخلات سعرية مؤقتة.
شدد الباحث الاقتصادي على أن تداعيات هذا الواقع لا تتوقف عند حدود تراجع الاستهلاك، بل تمتد لتشمل استنزاف الدخل بالكامل لتغطية الاحتياجات الأساسية، مع تزايد الاعتماد على الديون والتحويلات المالية والمساعدات كمصدر بقاء دائم وليس كحل مؤقت، الأمر الذي يفرض نمطًا اقتصاديًا قائمًا على التكيف مع الأزمات بدلًا من النمو المستدام.
Loading ads...
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن أي معالجة حقيقية تتطلب استعادة الثقة في السوق عبر تحفيز الإنتاج المحلي، وربط الأجور بحركة الأسعار، وتبني سياسات اقتصادية متوازنة تحد من التآكل المستمر في القدرة الشرائية، بما يمنح المجتمع هامشًا من الاستقرار المعيشي الذي بات حاجة ملحة في ظل الظروف الراهنة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



