ساعة واحدة
أين تذهب الأموال المصادرة في سوريا.. وهل تنقذ اقتصاداً منهكاً؟
الثلاثاء، 28 أبريل 2026
تضع مسألة الأموال المصادرة في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد، الاقتصاد أمام اختبار مزدوج، بين إمكانية تحويل هذه الأصول إلى رافعة حقيقية لإعادة الإعمار، أو استمرارها بأن تكون مجرد أرقام محدودة التأثير في اقتصاد تقدر فجوته التمويله بعشرات المليارات.
ذلك في وقت تشير فيه تقديرات “البنك الدولي” إلى أن كلفة إعادة إعمار سوريا تتجاوز 250 مليار دولار، فيما تعاني المالية العامة من عجز مزمن وتآكل في الإيرادات، ما يثير تساؤلات جوهرية حول مصير حصيلة الأموال المصادرة منذ سقوط نظام الأسد، وإمكانية أن تكون هذه الأموال حجر أساس في إعادة بناء اقتصاد دُمّر على مدى أكثر من عقد من الزمن.
يظل الحجم الحقيقي للأموال المنهوبة عصياً على الحصر، مع تقديرات متباينة بشكل كبير، ففي حين تشير بيانات وزارة الخارجية الأميركية إلى إمكانية تجاوز ثروة عائلة الأسد 12 مليار دولار، تتحدث تقديرات أخرى عن شبكات مالية معقدة قد تصل قيمتها إلى 122 مليار دولار، وهو رقم يعادل أكثر من عشرة أضعاف حجم الاقتصاد السوري.
وهناك أيضاً تقديرات غير رسمية تتحدث عن مئات المليارات وعن خسائر إجمالية للاقتصاد السوري بلغت 800 مليار دولار خلال فترة الحرب، ليمثل هذا الغموض في تحديد حجم الثروة المنهوبة أولى العقبات الكبرى أمام أي عملية استرداد جادة.
وفي الرابع من أيار/ مايو 2025، أصدر الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع القرار الرئاسي رقم 13، القاضي بإنشاء “لجنة مكافحة الكسب غير المشروع”، في خطوة وصفت بأنها جريئة لمعالجة إرث فساد متراكم.
وأثارت هذه الخطوة المخاوف من تحول الدولة إلى لاعب اقتصادي مركزي يحتكر قرارات التشغيل والاستثمار، مما قد يعيد إنتاج شكل جديد من النفوذ الاقتصادي المركزي بدلاً من تفكيكه، خاصة وأن هذا النمط من الإدارة المباشرة ينقل مفاتيح القرار إلى مؤسسة واحدة تتحكم بالعقود وتحدد شركاء السوق، مما يخلق فعلياً بنية سوق ترتبط بمركز إداري واحد يوجه الموارد وفق أولوياته
في محاولة لترسيخ شرعية اللجنة، استند رئيسها، باسل السويدان، في تفسيراته إلى تشريعات تعود لعام 1958 ومراسيم صدرت في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد عام 1977، مما أثار بدوره جدلاً حول مدى قدرة هذه القوانين القديمة على استيعاب تعقيدات الفساد المنظومي الذي شهدته البلاد لعقود، والتي أوصلت سوريا إلى المرتبة 177 من أصل 180 دولة على مؤشر مدركات الفساد العالمي.
السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بكيفية المصادرة فقط، بل بمآلات هذه الأموال، فوفق مصادر حكومية وخبراء ماليين، تُحوَّل الحصيلة النقدية مباشرة إلى الخزينة العامة، فيما تُدار الأصول غير السائلة كالعقارات والشركات عبر لجان متخصصة تمهيداً لإعادة تشغيلها أو طرحها للاستثمار.
وتدور نقاشات داخل الأوساط الاقتصادية حول إنشاء صندوق وطني لإدارة الأصول المصادرة، على غرار تجارب دولية، بحيث تُستخدم عائداته في تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، وهي قطاعات شهدت تدهوراً حاداً خلال السنوات الماضية.
يتقاطع هذا الطرح مع توصيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يؤكد في تقاريره على أهمية تحويل الأصول المستردة إلى استثمارات إنتاجية تخلق فرص عمل وتدعم الاستقرار الاقتصادي، بدلاً من استهلاكها في سد عجز مالي آني، لكن تطبيق هذا النموذج في الحالة السورية يواجه تحديات معقدة، تتعلق بضعف البنية المؤسسية، واستمرار العقوبات، فضلاً عن غياب إطار قانوني متكامل لإدارة الأصول المصادرة بشفافية.
ضمن هذا السياق، يقول رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، باسل السويدان، خلال تصريحات إعلامية سابقة، إن أهمية عملية استرداد الأموال لا تكمن فقط في استعادة الموارد، بل في تصحيح اختلالات عميقة في بنية السوق نشأت خلال سنوات من الاحتكار والامتيازات غير المشروعة.
ويوضح أن المشكلة لم تكن فقدان المال بحد ذاته، بل تشوه قواعد المنافسة، حيث تمكنت شبكات محددة من السيطرة على قطاعات حيوية عبر علاقات نفوذ، ما أضعف الإنتاج الحقيقي وأقصى الفاعلين المستقلين.
رغم الخطاب الرسمي الطموح، فإن عملية استرداد الأصول السورية في الخارج تواجه عوائق جمة، فقوانين السرية المصرفية والأنظمة القانونية المختلفة في الدول التي لجأت إليها شبكات النظام السابق تشكل حواجز صعبة، وهنا، تتعقد الأمور أكثر لأن سوريا ليست من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، مما يضعف الإطار القانوني الدولي الذي يمكن أن تستند إليه في عمليات الاسترداد.
من جهته، يتبنى الخبير المالي والباحث الاقتصادي، الدكتور فراس شعبو، نظرة أكثر واقعية، مشدداً على أن الأثر الحقيقي لاسترداد الأموال لا يكمن في المبالغ المستردة المباشرة، بل في قدرة الدولة على تحويل الأصول المصادرة إلى موارد منتجة ومستدامة، وفق حديث نقله عنه “تلفزيون سوريا”.
وأضاف شعبو أن “الأرقام المستردة تبقى محدودة قياساً بحجم الاحتياجات المالية للاقتصاد السوري”، الذي يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة تنشيطه، وبالتالي، فإن استعادة مبالغ محدودة، مهما بلغت، لا تحدث تحولاً بنيوياً ما لم تواكبها إدارة فعالة للأصول لخلق قيمة مضافة مستمرة.
لم يخف الخبير الاقتصادي صعوبة ملف الأصول الخارجية، مؤكداً أنه يحتاج إلى مسار طويل يتطلب تعاوناً دولياً وإجراءات قانونية معقدة، إضافة إلى ارتباطه بالعدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات ترسم خريطة اقتصادية جديدة، وتعيد توزيع النفوذ من خلال نقل السيطرة على شركات بأكملها إلى إدارات رسمية مرتبطة بالدولة.
Loading ads...
وفي الوقت الذي تشكل فيه الأموال المصادرة أملاً معقوداً لتمويل إعادة الإعمار، يظل التحدي الأكبر ليس فقط في استردادها، بل في كيفية إدارتها بشكل يتميز بالشفافية والفاعلية، فغياب قاعدة بيانات دقيقة للأضرار، ونقص الخبرات في إدارة الأصول الكبيرة، وشبح الفساد الجديد الذي قد يخلف القديم، كلها عوامل قد تحول هذه الفرصة الهامة إلى سراب، قبل أن تصبح الأموال المنهوبة حجر الأساس لاقتصاد سوري جديد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




