شهر واحد
خارج القدرة الشرائية.. الغلاء يغيب اللحوم عن الموائد السورية في رمضان
الأربعاء، 25 فبراير 2026

مع حلول شهر رمضان المبارك، الذي اعتاد فيه السوريون على موائد عامرة بأصناف الطعام المختلفة، تحول طبق اللحم في كثير من البيوت السورية من رغبة يومية إلى ترف موسمي يصعب على الغالبية تحمله، في ظل موجة غلاء غير مسبوقة تجتاح الأسواق، وتتفاقم بسببها معاناة المواطنين الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن توفير أبسط الاحتياجات الغذائية لأسرهم في الشهر الفضيل.
وتعيش الأسر السورية حالة من الإرباك والتخبط أمام الارتفاع الجنوني في أسعار اللحوم، حيث اختلفت الأسعار بشكل لافت بين محافظة وأخرى، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو خروج هذه المادة الأساسية من قائمة المشتريات اليومية لغالبية الناس، ليقتصر وجودها على موائد القلة القادرة، أو تتحول إلى سلعة موسمية لا تُشترى إلا في المناسبات النادرة.
أرقام تتجاوز القدرة الشرائية
في العاصمة دمشق، بلغ سعر كيلوغرام لحم الغنم البلدي “العواس” 225 ألف ليرة سورية (ما يعادل 2250 ليرة جديدة)، بينما وصل سعر كيلوغرام لحم “المسوفة” إلى 130 ألف ليرة، وسجل لحم “الباط” مع العظم 155 ألف ليرة، في حين تجاوز سعر شرحات الدجاج حاجز الخمسين ألف ليرة للكيلوغرام الواحد.
أما في محافظات الجزيرة والمناطق الشرقية، فالوضع مختلف بعض الشيء ولكن يبقى مرهقًا للمواطن، حيث يتراوح سعر كيلوغرام لحم الغنم في الرقة ودير الزور بين 140 و150 ألف ليرة، بينما يصل لحم العجل إلى 120 ألف ليرة، ويباع كيلوغرام الفروج الحي بنحو 28 ألف ليرة.
وتعكس هذه التفاوتات في الأسعار بين المناطق حجم الفوضى في الأسواق المحلية، وتأثير قرب المناطق من مصادر الإنتاج، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل التي تثقل كاهل التجار وتنعكس مباشرة على جيوب المستهلكين.
تراجع الاستهلاك إلى الحد الأدنى
دفع هذا الواقع المرير غالبية الأسر إلى تقليص استهلاكها من اللحوم بشكل كبير، والاكتفاء بشراء الضروريات فقط، فيما أصبحت اللحوم الحمراء والدجاج من الكماليات التي لا يستطيع تحمل تكاليفها إلا فئة قليلة جدًا من المجتمع.
في هذا السياق يؤكد رئيس جمعية حماية المستهلك، عبد العزيز المعقالي، أن اللحوم باتت بعيدة تمامًا عن الموائد السورية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر، وضعف القوة الشرائية الكبير الذي يقابله تدنٍ غير مسبوق في مستويات الدخل، بحسب ما نقلت عنه صحيفة الثورة.
ويكشف المعقالي عن أرقام صادمة، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مما حول اللحوم إلى سلعة موسمية في أفضل الأحوال، بعد أن كانت تشكل جزءًا أساسيًا من الغذاء اليومي للسوريين قبل سنوات.
تكاليف الإنتاج تقضي على المربين
يشير المعقالي إلى أن ما تمر به سوق اللحوم اليوم هو نتاج تراكمي لمراحل متعاقبة من الغلاء خلال السنوات الماضية، تزامنًا مع ارتفاع جنوني في تكاليف التربية والإنتاج من أعلاف وأدوية بيطرية وطاقة، ناهيك عن صعوبات النقل وتقلبات سعر الصرف التي قضت على قطاع تربية المواشي، مؤكدًا أن هذا الوضع أدى إلى تراجع أعداد القطعان المحلية بشكل كبير، وخروج العديد من المربين من السوق نهائيًا، مما قلص المعروض المحلي وضغط على الأسعار بشكل غير مسبوق.
ويرى المعقالي أن سوريا باتت اليوم “الأرخص والأغلى في آن واحد” إذا ما قورنت الأسعار بأسواق أخرى، وذلك لأن الأسعار وإن بدت منخفضة بالعملة الصعبة، إلا أنها خيالية بالنسبة للمواطن السوري الذي يعاني من تدني الأجور والرواتب.
ولا يغفل المعقالي الإشارة إلى كارثة تهريب الأغنام إلى الدول المجاورة كلبنان والعراق والأراضي المحتلة، وهي الظاهرة التي استنزفت جزءًا كبيرًا من الثروة الحيوانية الوطنية، وزادت من حدة فجوة العرض والطلب في الأسواق المحلية، مما رفع الضغوط على الأسعار في الداخل.
الاستيراد حل مؤقت لأزمة متجذرة
في ظل هذا الواقع المأساوي، يدعو المعقالي إلى ضرورة السماح باستيراد اللحوم، مع إلزام المستوردين بأنواع معينة مثل الخراف البيلا والعواس، بهدف ملء السوق وتخفيض الأسعار، لكنه في الوقت نفسه يشدد على أن استيراد اللحوم ليس سوى إسعاف مؤقت، وأن الحل الجذري يكمن في مشروع اقتصادي متكامل يحمي المربي ويصون الثروة الحيوانية.
كما يشدد على ضرورة تمكين الجهات الرقابية وتوفير الحماية القانونية لها لضمان شفافية السوق ومنع التجاوزات، خاصة ما يتعلق بظاهرة الذبح خارج المسالخ النظامية التي تحمل مخاطر صحية واقتصادية كبيرة، وتحد من قدرة الدولة على ضبط الكميات والأسعار.
Loading ads...
ويؤكد على أهمية دعم الأعلاف وتقديم قروض ميسرة للمربين، إضافة إلى تشديد الرقابة على الحدود لمنع التهريب، وتقليص حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، مختتمًا بالتأكيد على أن إنشاء أسواق مباشرة ومنصات تسعير شفافة يمكن أن يسهم بشكل كبير في ضبط الأسعار وتحقيق توازن عادل بين تكاليف الإنتاج وسعر البيع للمستهلك، وهو ما سينعكس إيجابًا على الموائد السورية التي طالما كانت عامرة بالخير في كل الأيام، وخاصة في شهر رمضان المبارك.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



