أصبحت "الأغنية السياسية" أو "الوطنية" في سوريا، مع التحفظ الشديد على المصطلحين، بعد سيطرة حزب البعث على الحكم فيها، جزءاً من بنية اللغة السياسية للدولة، حملت في مفرداتها، وبنائها: اللغة العقائدية التي صبغت الخطاب الرسمي للدولة، سواء على مستوى الألفاظ أو مجمل الأفكار التي تحملها، أو على مستوى البناء الموسيقي، إلى اللهجات المستخدمة في الأغنية. وكانت المفردات والأفكار المستندة إلى: "العروبة، الوحدة والحرية والاشتراكية، فلسطين، الثورة، والوطن"، مهيمنة على هذا النمط الغنائي.
وهناك ملاحظة لافتة لا يمكن تجاوزها، أن هزيمة حزيران 1967 المدوية، مرّت دون إنتاج غنائي يذكر في سوريا التي تعرض جيشها لهزيمة قاسية خسر فيها مرتفعات الجولان، ناهيك عن الخسائر الفادحة على باقي الجبهات العربية، وما رافق هذه الهزيمة من انكسارات كبرى في الوعي العربي، والموقف الشعبي من القيادات العربية والجيوش ومجمل المناخ السياسي المسيطر. وما يزيد هذا التجاهل غرابةً هو ظهور موجات من الأغنية السياسية الغاضبة في مصر ولبنان والعراق وفلسطين، دعت إلى التغيير وبدء الكفاح خارج الأطر التقليدية، وبينما كان اليسار العربي في تلك المرحلة في ذروة عطائه الثقافي والفنيّ، وتحولت الأغنية السياسيّة العربية نحو تبنٍّ لافت للحركة الفدائية الفلسطينية، ظلّت الأغنية السياسية السورية خارج هذا السياق وكأنها في عالم موازٍ لم تصله أصداء الهزيمة المرّة.
تغيّر الحال في بداية السبعينيات بعد انقلاب حافظ الأسد، وتشكّل ملامح الدكتاتوريّة الشمولية و"الحاكم الإله"، وخاصة بعد حرب تشرين 1973، حيث تكثّف حضور الأيديولوجيا في الأغنية الرسمية، كما في أناشيد البعث والأغاني المرتبطة بالمناسبات القومية والعسكرية. وقدمت بعد الحرب أغنية ربما تكون الأشهر في تلك الحقبة: "سوريا يا حبيبتي"، أغنية تتغنى بسوريا وبالجيش وبالعروبة، وبالبعث أيضاً، دون أي ذكر للقائد. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الأغنية الأشهر التي مجّدت النصر السوري المفترض، كانت من صنع لبناني خالص، فهي من كلمات وألحان اللبناني محمد سلمان، وأداء اللبنانيين محمد جمال ومحمد سلمان ونجاح سلام، وهذا قد يفسرّ بشكل أو بآخر غياب أي ذكر للزعيم المنتصر، ولكنه يطرح سؤالاً عن غياب الصانع السوري عن هذا العمل، ويذكّر أن ملحناً لبنانياً أيضاً كان قد لحّن نشيد البعث الرسمي الذي كتبه شاعر شديد البعثية هو سليمان العيسى، ولحنه إلياس الرحباني، الذي لم يعرف عنه أي انتماء سياسي يذكر.
بعد الحرب، كان للصدام مع جماعة الإخوان المسلمين دور غير قليل في تكريس التوجه الأيديولوجي، وهو مناخ ثقافي عام وضع الأيديولوجيا البعثية في مواجهة عقائدية مع الفكر الإسلامي للجماعة، لتشكّل جبهة موازية لجبهة الصراع العسكري المتفجر في البلاد. وصار العامل والفلاح والمعمل والأرض والشبيبة والطلبة والمعلمون والطلائع، وما شابه من الطبقات التي حاول البعث حشدها في مواجهته المصيرية، مفردات وفئات بارزة الحضور في الأغنية الرسمية، التي عرفت في تلك الحقبة نمطاً من الأناشيد المستنسخة من نشيد البعث موجهة لكل اتحاد أو نقابة أو ما عرف حينها بالمنظمات الشعبية الرديفة للحزب القائد للدولة والمجتمع. مع الصعود التدريجي لذكر القائد الملهم: المعلم الأول والعامل الأول، والرياضي الأول... في سلسلة لا تنتهي من دوران حلزوني يسير نحو مركزية القائد عبر مركزية الحزب.
ومن بين الأعمال الأيديولوجيّة الصرفة، نذكر على سبيل المثال ما قدّمه فؤاد غازي (يامعاملنا)، وموفق بهجت (للبعث يا طلائع)، وغيرها. وربما تكون أغنية "جبهة المجد" التي غنتها ميادة الحناوي ولحنها صفوان بهلوان، من قصيدة تحمل نفس الاسم للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، واحداً من أضخم الإنتاجات الفنية التي قدمها النظام الأسدي في دعايته السياسية، مقارنة بالهزال العام الذي تميز به نتاجه الفنيّ عموماً في تلك المرحلة. حتى إن مقطعاً موسيقياً منها تم اعتماده كشارة موسيقية لنشرات الأخبار في تلفزيون النظام المخلوع حينها.
بانتهاء الحسم الدموي العنيف للصراع، وتمكن الأسد الأب والبعث بطبيعة الحال، من السيطرة المطلقة على البلاد، شهدت الأغنية السياسية تراجعاً للأيديولوجيا، لصالح القائد الأوحد، فظهرت أغانٍ مخصصة بالكامل للمديح بل والأسطرة أيضاً لشخص الأسد الأب، منحّيةً بشكل شبه كامل عقيدة الحزب، وجمهوره المفترض من طبقات الكادحين.
في نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات، ومع بروز فكرة "تجديد البيعة" كتعريف بعثي أسدي لانتخابات الرئاسة، ظهرت موجة من الأغنيات التي صار الأسد مركزها الأوحد، لعل أبرزها أغنية أصالة نصري "حماك الله يا أسد" في امتداد طبيعي لأغنية والدها مصطفى نصري "زادك الله" والتي أعادت غناءها مراراً، وأغنية جورج وسوف "تسلم للشعب" والتي تميزت بنمط قلما عرفته الأغنية السياسية حينها، وهو النمط الذي ميّز أغاني الوسوف في تلك الحقبة، فبدت الأغنية وكأنها وصلة آخر الليل في مقصف ونادي "نبع العراد" بضواحي دمشق.
ولا بد من أن نذكر أن محاولات غنائية خارج منظومة إعلام السلطة قدمت أعمالاً كان الوطن ولا شيء سوى الوطن مركزها، على رأسها أعمال الفنان سميح شقير، التي حملت ملامح ظاهرة الشبه بأغنيات اليسار اللبناني في تلك الحقبة، وعلى رأسها أعمال مارسيل خليفة، غير أن تجربة شقير ظلت أسيرة إصراره على كتابة وتلحين وغناء أعماله، وأنها كانت أحادية التوجه، نحو جمهور مؤدلج، أو يسعى ليكون مؤدلجاً، ولا ننكر أنها لم تكن موضع رضى النظام، فظلت تتداول على كاسيتات التسجيل، وقلما تظهر على وسائل الإعلام.
وكذلك فرقة "نيسان" التابعة للشيوعية البكداشية، التيار المتماهي مع قيادة البعث، فكانت أعمالها بعثية خالصة غير أنها لا تذكر القائد، ولكنها تكرّس ذات المفاهيم اليسارية من جهة، وأوهام المقاومة المفترضة من جهة أخرى. ناهيك عن ذات الهزال الإنتاجي والفني الذي صبغ الأغنية السياسية عموماً، وألبسها ثوب الالتزام الكئيب.
ومع مشروع توريث الحكم لباسل الأسد الذي أعده والده لسنوات ليكون حاكم سوريا القادم، بدأ اسم باسل بالظهور إلى جانب اسم والده في الطرقات والمنشآت والمناسبات العامة، وتولى أدواراً عسكرية وأمنية متقدمة.
بطبيعة الحال لم تكن الأغنية السياسية غائبة عن هذا المشهد العام، فأضافت الأغنيات التي تمجّد الأسد لقباً جديداً هو "أبو باسل". بعد أن ظلت الهتافات والأغاني تناديه باللقلب العائلي المعروف "أبو سليمان"، ما أضاف للأغنية السياسية دوراً جديداً عن دورها التقليدي بتكريس الأيديولوجيا، أو بالمديح، إذ صارت تقنية من تقنيات بروبغندا التمهيد بداية، ثم التطبيع مع فكرة توريث السلطة، لخلق ثقافة شعبية تتعامل مع الوراثة السياسية باعتبارها استمراراً طبيعياً للقيادة.
وفي تلك المرحلة طغت أغنية " أبو باسل قائدنا" التي أداها اللبناني علي حليحل على الاحتفالات الرسمية بأية مناسبة، وصارت أكثر تكرراً من النشيد الوطني ونشيد البعث. وحشد النظام في سبيل إنجاح حملة التوريث أصواتاً لبنانية كانت حينها ذات شعبية واسعة في سوريا مثل نجوى كرم (بنرفع إيدينا) وغيرها.
غير أن القدر كانت له خطط أخرى، فمات باسل الأسد في حادث سير، لتبدأ مرحلة حملت تحولاً جذرياً في خطط الديكتاتور الأب، وتركت أثراً جوهريا على كل ماكينته الإعلامية. ليبدأ زمن الخليفة الغلام.
Loading ads...
وبنظرة عامة، نجد أن ما يثير الاستغراب في تلك المراحل، لدرجة أنه يبدو بحاجة لبحث قائم بذاته، هو الغياب التام للأغنية السياسيّة المعارضة، رغم الصراعات والحراك السياسي المتعدد المشارب الذي قاوم دكتاتورية الأسد، ورغم تجارب غاية في الأهمية والجمال معاً في العراق ومصر في هذا السياق، تجارب كان لها انتشار ظاهر في المزاج السوري الرافض للبعث والأسد معاً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


