"لم يبقَ إلا السويداء"! حتى إن كان في الجملة السابقة بعض المبالغة، إلا أنها لم تبتعد عن الواقع كثيراً في ما يخص التحديات السيادية والتوجهات الانفصالية التي تواجهها الحكومة السورية الانتقالية.
عقب الإعلان عن تفكيك قوات سوريا الديمقراطية "قسد" ودمج مقاتليها في مؤسسات الجيش والوزارات الرسمية، تحولت الأنظار سريعاً من شمال شرق البلاد إلى جنوبها. لم تعد محافظة السويداء مجرد ملف محلي معزول، بل أضحت الاختبار الأكثر حساسيةً أمام استكمال سيادة الدولة السورية.
لكن المقارنة بين الحالتين تستدعي أن يتم تشخيص المشكلتين بالمرض نفسه أو العلة ذاتها، وهذه ليست الحال، فبينما يجاور الهجري "حليفته" إسرائيل وعلى رأسها صديقه نتنياهو، يجاور مظلوم عبدي "عدوّته" تركيا، الأمر الذي صنع فرقاً جوهرياً في تقييم المخاطر لدى كل طرف.
لكن ما الذي جعل ملف السويداء اليوم يطفو فوق سطح الأحداث الدولية ويستدعي جهداً إقليمياً مكثفاً خلال الأيام الأخيرة؟ وهل نحن بالفعل أمام تحول حقيقي ينهي حالة الاستعصاء السياسي والأمني في الجبل؟
خلال أعمال الدورة العادية لمجلس جامعة الدول العربية في القاهرة، حسم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الموقف الرسمي بشكل قاطع، مصرّحاً بأنّ حصر السلاح هو "حق سيادي مطلق بيد الدولة" لمنع تفكك البلاد وصون حدودها. الشيباني وجه رسالةً مباشرةً إلى الحراك الانفصالي في السويداء، معلناً المضي بثبات في تنفيذ "خريطة الطريق الثلاثية" التي صُمّمت بالتنسيق مع الأردن والولايات المتحدة.
الخريطة التي تُعدّ إطاراً سياسياً وأمنياً لإنهاء الأزمة في محافظة السويداء وإحلال الاستقرار في الجنوب السوري، تعتمد بالأساس ترتيبات انتقاليةً تكفل إعادة دمج المحافظة تدريجياً في المؤسسات الأمنية والإدارية والخدمية. تحت إشراف آلية متابعة ثلاثية سورية-أردنية-أمريكية لمراقبة تنفيذ الاتفاق.
لكن كيف تُترجم هذه الخريطة ميدانياً؟ الشيباني أجرى بالفعل مشاورات في أنقرة مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والمبعوث الأمريكي توم باراك، تلاها بحث تفصيلي مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي. وتنصّ الخطة على سحب المسلحين من الطرق الرئيسية والنقاط الحدودية، ونشر قوات شرطية نظامية بقيادة شخصية محلية من أبناء المحافظة، بالتوازي مع فتح قنوات التنمية وإعادة الإعمار.
في مقابل هذا الترحيب بـ"عقلانية" الحكومة السورية مؤخراً، وتجاوز الحديث عن الأحداث الدموية في الجنوب السوري دولياً، يزداد العزل السياسي حول الشيخ حكمت الهجري، الذي ذهب في تصريحات علنية إلى وصف الموحدين الدروز بأنهم "جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل"، والمطالبة بإنشاء إقليم مستقل تحت مسمى "دولة الباشان".
الخطورة في هكذا تصريحات لا تكمن فقط في سقف الخطاب السياسي، بل في أنه يجرّ فئةً كاملةً لتُحسب تحت ولائه لإسرائيل دون الإشارة إلى أنّ خياره محل خلاف كبير بين الدروز الذين تبرّأ العديد منهم من توجهاته. فتاريخ السويداء النضالي والممتد من رمزية سلطان باشا الأطرش لا يمكن اختزاله في مواقف فردية طارئة، وهو ما يدفع كثير من الأصوات للتذكير يومياً بأنّ الغالبية الساحقة من أبناء المحافظة تتمسك بالهوية الوطنية السورية وترفض الانفصال.
ورغم محاولاته احتكار الصوت الدرزي، لكن اختزال الموقف الروحي والسياسي لطائفة الموحدين الدروز في شخص الشيخ الهجري يتجاهل التركيبة المعقدة لـ"مشيخة العقل" في السويداء. فالمشيخة التي تعتمد على ثلاثة أقطاب، تشهد تبايناً صريحاً في المواقف. إذ حافظ شيوخ آخرون كالشيخ يوسف جربوع والشيخ حمود الحناوي على مسافة رافضة لمشاريع التقسيم، متمسكين بخطاب يغلب التهدئة ووحدة الأراضي السورية. هذا الانقسام يسحب الغطاء الشرعي الشامل عن مساعي الهجري الانفصالية، ويمنح دمشق مساحة حيوية للمناورة والاعتماد على قوى الداخل الجبلي لعزل الأصوات النشاز.
وفي كل الحالات، المقامرة التي قادها في الرهان المباشر على قوة أجنبية وفي استثمار الظرف الانتخابي الإسرائيلي، تراجعت مع انكفاء الموقف الإسرائيلي واقتصاره على لغة المساعدات دون التزام بكيان سياسي، وأصبحت ورقة الانفصال مستهلكةً، في حين يعمل عامل الوقت لصالح دمشق والحلّ الوطني.
هذا التراجع الإسرائيلي لم يأتِ من فراغ، بل نتج عن "فيتو" أمريكي يرفض تقسيم سوريا في هذه المرحلة الدقيقة، إضافة إلى خشية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من الانجرار إلى مستنقع استنزاف جديد في الجنوب السوري.
اللافت في هذا المشهد الجديد، الذي ترعاه واشنطن وتدعمه أنقرة وعمّان، هو الغياب والتراجع الملحوظ في نفوذ الفاعلين التقليديين، وتحديداً روسيا التي كانت ضامنة لتسويات 2018، والميليشيات الإيرانية التي طالما استثمرت في التوترات المحلية، ما يرجح أننا أمام هندسة إقليمية جديدة كلياً للجنوب السوري. وتجارب المنطقة أثبتت أنّ الأطراف الخارجية تتعامل مع المكوّنات المحلية كأدوات مرحلية للتفاوض سرعان ما يتم التخلي عنها عند تغير التوازنات.
بالحديث عن التوازنات، لا يبدو أن دمشق بذاتها هي الطرف القادر على تغييرها لصالحها، دون الاعتماد على قوى إقليمية ومباركة واشنطن، الطرف الوحيد القادر على كبح التغول الإسرائيلي ومشروع التوسع في الجنوب السوري، لذا فهي تعتمد على استراتيجية متكاملة تجمع بين المسار الدبلوماسي والتنسيق الإقليمي بضمانات دولية، مؤكدة على تمسكها بالخيار الدبلوماسي وعلى مطلب العودة الكاملة إلى اتفاقية فض الاشتباك المبرمة عام 1974، مع التشديد على سيادتها الثابتة وغير القابلة للتنازل على الجولان المحتل والمرتفعات الحدودية.
ماذا يعني هذا كله بالنسبة للشارع المحلي في السويداء؟
يُظهر الواقع الميداني اتساع الفجوة بين الشارع والمجموعات المسلحة الرافضة للتسوية. وبحسب وكالة الأنباء السورية (سانا)، قامت مجموعات مسلحة بمحاصرة منزل الشيخ عاطف هنيدي في بلدة المجدل، واقتحامه بالرصاص والقنابل، واختطافه وتعذيبه، إثر إصدار هنيدي بياناً وطنياً رفض فيه تصريحات الهجري وأكّد التمسك بوحدة سوريا. وبرغم التعذيب الذي تعرّض له، رفض هنيدي التراجع، مما أدى إلى إجباره على التهجير قسراً ونفيه إلى دمشق.
وهي ليست الحالة الوحيدة، فقد تكررت حالات تكميم الأصوات الوطنية المعارضة لسياسات الهجري، للتغطية على الفلتان الأمني والتردي المعيشي داخل المحافظة، ما يذكّر بالتحذيرات التي أطلقها وليد جنبلاط مبكراً حول مخاطر الاستقواء بإسرائيل وتفكيك الدولة الوطنية.
صراع السويداء يتجاوز التوازنات المحلية ليصل إلى شبكة المصالح الجيوسياسية وحسابات الطاقة الإقليمية. وباستثناء تل أبيب، كلّ الأطراف معنية بتأمينه ليصبح تفريعةً للممر الهندي الأوروبي لإنهاء احتكار ميناء حيفا لنهاية الخطوط البرية في المتوسط، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. فلا أحد سيسمح بوجود مناطق مغلقة تعطّل ممرات النقل والربط البري وشبكات الطاقة بين الخليج والأردن وسوريا وتركيا. والصيغة التي تعمل عليها واشنطن ترتكز على إبقاء الدولة السورية الموحدة مع منح المحافظة إدارةً محليةً وتمثيلاً أمنياً شاملاً، بدلاً من الفوضى المسلحة التي تفتح أبواب الصراع الإقليمي من جديد.
أما الأردن، الجارة، فلديها مصلحة إضافية للسعي في تأمين الجنوب السوري، ولا يمكن قراءة الاندفاعة الأردنية في هذه الخريطة بمعزل عن الهاجس الأمني البحت. فمصلحة عمّان تتجاوز الحلول السياسية لتصل إلى ضرورة تفكيك شبكات التهريب العابرة للحدود، وتحديداً تجارة "الكبتاغون" والسلاح التي اتخذت من الفلتان الأمني في الجنوب السوري غطاءً لها. ونجاح هذه الخريطة ميدانياً يعني تجفيف منابع هذه المافيات التي هددت أمنه القومي لسنوات.
في الحالات كلها، نجاح خريطة الطريق الثلاثية يظلّ مرهوناً بقدرة دمشق على تقديم ضمانات العدالة والمساءلة واحتضان التيارات الوطنية داخل الجبل، بالتوازي مع حزم المجتمع الدولي في سحب البساط من تحت التشكيلات المسلحة خارج إطار القانون. وإن أثبتت تجربة دمج "قسد" أنها نجحت بالفعل، دون تمييز للكرد عن سواهم في المواطنة، فقد تلاقي دعوات الحكومة السورية أصداء داخل السويداء نفسها، وليس خارجها.
Loading ads...
بيد أن الاختبار الحقيقي أمام الحكومة الانتقالية لا يقتصر على الترتيبات الأمنية، فالسويداء، التي عانت عقوداً من التهميش الخدمي، تنظر بعين الريبة لأي وعود لا تقترن بضمانات اقتصادية فعلية. ومجرد إرسال قوات شرطية بقيادة محلية لن يكون كافياً لطمأنة الشارع إذا لم يترافق مع مشاريع تعاف مبكر وحلول جذرية تمنع الميليشيات المحلية وأمراء الحرب من استغلال الفقر والبطالة كأدوات لتجنيد الشباب واستدامة الفوضى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






